كانت الهويات في الماضي تُبنى على مهل وبنوع من التروي والبطء، وتميزت بالقوة والرسوخ، حتى وإن بدت أحياناً من الخارج متوترة، حدث ذلك على المستويات كافة، الثقافية والاجتماعية وحتى الفردية.
لم يعرف العرب في بداية العصر الحديث مسألة أكثر إثارة للنقاش، من موضوع الهوية، كيف ننظر إلى ذواتنا؟ وكيف نعرف أنفسنا؟ بل وكيف نستطيع تقديم حضارتنا إلى العالم؟ وماذا نأخذ وماذا نترك من الآخر المتفوق حضارياً؟ وما هو المفيد من الماضي الذي نستطيع استلهامه للسلوك في العصر..الخ؟ وكُتبت في سبيل الإجابة عن تلك الأسئلة آلاف الكتب والأبحاث والمقالات، وعقدت عشرات الندوات والمؤتمرات، وتعارك العشرات فكرياً وتجادلوا، كانت حالة من الصخب الدائم أثارتها مسألة الهوية، ومع نهاية حقبة الاستعمار، كنا قد أدركنا جزءاً كبيراً من مقومات الذات الحضارية، وتعرفنا إلى أبعاد ومفاصل الآخر، فلا هوية صلبة إلا في ظل وجود آخر قوي.
الآن وبفعل العولمة وأدواتها، أصبحت الهوية في حالة تبدل مستمر وسيولة دائمة، فلا وقت لدينا لنتعرف إلى أنفسنا، وهناك تسارع يكتسح الجميع ويدمجهم معاً في الوقت نفسه، والكل بات يستنسخ الكل والذات يبدو أنها هشة إلى حد كبير.
في الماضي توقف مفكرونا كثيراً أمام معنى أن نكون عرباً نعيش في القرن العشرين، وما ينتج عن هذا المعنى من رؤية للعالم وكيفية التعامل معه والسلوك فيه، هذه الفكرة وما أعقبها من جدل، وما سبقها من قلق فكري ووجودي، شكلت حراكاً مداره «نحن نريد أن نكون»، من هنا جاءت صلابة الأبنية النظرية، فنحن من نصنع هويتنا، أو كما قالها محمود درويش شعراً: «سأصير يوماً ما أريد».
الآن نحن نعيش من دون هذا القلق، ولا ينتابنا أي هاجس، ندرك أننا عرب، ولا يتبع ذلك أي نقاش حول سؤال: ماذا يعني كوننا عرباً نعيش في القرن الحادي والعشرين؟ وهل هناك متغيرات تفرض علينا النظر في هويتنا؟ وهل هذه المتغيرات مفروضة علينا أم استجابة طوعية لأحداث الراهن المتلاحقة؟
ما حدث على مستوى الثقافات والمجتمعات، حدث أيضاً على مستوى الأفراد. كان الإنسان محصلة أسئلة واختيارات، ويقوم بعدة وظائف يناغم بينها، هناك البيت والمدرسة والعمل والحياة الخاصة، كانت التربية صلبة والحياة الواقعية أكبر معلم، فنشأت شخصيات واضحة المعالم، تتسم بقوة وملامح واضحة، كان كل إنسان يختار كيف يريد أن يعيش، لم تكن هذه الصورة عامة جداً، ولكنها كانت موجودة بقوة، بعكس الآن تماماً، حيث يبدو أننا أمام بشر بلا ملامح، شخصياتهم مستنسخة، وملامحهم الخاصة باهتة، وقناعاتهم غائمة، لا يختارون كيف يعيشون، ولكنهم يودون العيش فقط. وفارق كبير بين التوجهين، هنا تبدو الهوية الإنسانية الشخصية فاقدة لصلابتها بدورها، وتعيش هي أيضاً في حالة سيولة مستمرة.
لم يعد يشغلنا في الراهن هاجس«النحن» في توازنها مع «الأنا»، ولم نعد نفكر في كيفية الاستفادة من الروح الجمعية ومزايا الفردانية معاً، وباتت الحدود بينهما ضائعة والهويات مشتتة ومتداخلة.