يصح القول إن شاشات أجهزة الهواتف الذكية، التي نحملها بين أيدينا جميعنا، وتحديداً الصغار من أبنائنا، باتت وكأنها المربي الثالث، أو المؤثر الثالث، في تفكير وتوجهات أطفالنا، بل في كثير من جوانب حياتهم، مؤسسة البيت ممثلة في الأم والأب، ومؤسسة التعليم ممثلة في المدرسة وما تضمه من نظام ومعلمين ومربين، تداخل معها بشكل واضح وجلي العامل الثالث: الشاشة، وهذا المؤثر الثالث، يستند إلى سيل جارف من المعلومات المشوقة، التي تجذب الصغار والكبار، وتأثيرها في الصغار تحديداً أكبر، وأكثر وضوحاً، ويساعد هذا المحتوى خوارزميات ذكية، لا تهتم بالأولويات، ولا بالقيم، بقدر اهتمامها بزيادة وقت المشاهدة، والتصفح، وكأنها في ركض لا يتوقف لتلبية متطلبات وتوجهات من يتصفح، حيث تضخ له المزيد من المواد البصرية التي تمثل مجال اهتمامه.
مواقع التواصل الاجتماعي، على اختلافها، وتنوعها وتعددها، دخلت في تنافس قوي على الجمهور، وباتت في ظل سعيها لكسب المزيد من الناس، تكسر كثيراً من القيود، وتضعف الرقابة والإشراف على المحتوى، ومع مثل هذه الحالة تظهر لنا ممارسات لتهميش الضوابط الأخلاقية. وهنا تظهر معضلة تربية الأطفال، وتحديداً التعامل مع المراهقين الذين هم في سن الاكتشاف والاندفاع والحماس.
وكما هو واضح، فإن المشكلة لا تكمن في التقنية، ولا في تطورها، بل في ثقافة الاستهلاك السريع للمحتوى، وخاصة لما يراه الطفل، حيث تمرر له رسائل عن النجاح وحصره في الشهرة، ونحوها من المشاهد والمحتوى الذي يركز على مفاهيم غير صحيحة في عقل هذا الطفل. وليس الحل في المنع، الذي هو كل يوم تتزايد صعوبته، بل أعتقد أننا نحتاج إلى ما يسمى بالتحصين، مثل القدوة الرقمية، وهنا لا يمكن للأم أو للأب تحديداً أن يطلبا من طفلهما الابتعاد عن الأجهزة، وهما أو أحدهما، يتصفح محتويات متنوعة، الطفل يراقب ويشاهد كيف هي علاقتنا بأجهزتنا، قبل أن يستمع لسيل من النصائح التي نوجهها له.
هناك جانب آخر يتمثل في أن التقنية تعزلنا مع الشاشة، لذا من المهم إدخال الأطفال في أنشطة واقعية نرى ونلمس فيها إنسانيتهم، وأن نرتب لفعاليات أسرية بعيداً عن تلك الأجهزة مثل الرحلات والأنشطة الترفيهية سواء داخل المنزل أو عند النزهة. أيضاً أقم حواراً مع ابنك، ليس من الضرورة أن تعطي أوامر بأن هذا المحتوى سيئ، بل من الممكن أن تسأل عن رأيه في هذا المحتوى، وتناقشه. هذه الطريقة تبني الاحترام، وفي اللحظة نفسها تزيد من ثقته، ومن قدرته على الحكم على المحتوى الذي يشاهده. وللحديث بقية.
[email protected]