حرب أوكرانيا المزمنة

00:07 صباحا
قراءة دقيقتين

لا تبدو الأزمة الأوكرانية، في فصولها المتلاحقة، مجرد صراع حدودي على «بضعة كيلومترات» كما وصفها نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، بل هي معضلة سياسية تضع النظام العالمي بأسره أمام الحقيقة المرة.
فبينما تتصاعد نبرة واشنطن الداعية إلى «الحزم» تارة، والمنتقدة للعواصم الأوروبية تارة أخرى، تظل دماء الآلاف في الجانبين تسيل في خنادق لا يبدو أن نهايتها قريبة، ما يجعل السؤال عن جدوى الاستمرار في حرب الاستنزاف هذه أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، خاصة مع التداعيات الاقتصادية التي خنقت القارة العجوز، وأنهكت جيوب مواطنيها.
فانس وضع إصبعه على الجرح، حين انتقد القادة الأوروبيين، معتبراً أن تقصيرهم في بذل جهود دبلوماسية كافية، يسهم في إطالة أمد النزاع الذي وصفه بأنه «الأصعب» في تاريخ التسويات السياسية المعاصرة.
هذا الانتقاد لا يعكس فقط توجهاً أمريكياً يميل نحو «الواقعية السياسية»، أو الرغبة في التخلص من أعباء الحرب، بل يكشف عن ضيق صدر واشنطن من تحمل الفاتورة الأكبر لصراع يقع في الفناء الخلفي لأوروبا، بينما تكتفي الأخيرة بدور الممول.
كييف بدورها تدرك جيداً، أن مفاتيح الحل الفعلي ليست في ردهات الاتحاد الأوروبي، حتى وإن طالبتهم بتعزيز دعمهم لها، بل في «الحزم» الذي يمكن أن تبديه الإدارة الأمريكية تجاه الكرملين، ومن هنا جاءت دعوات وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيغا إلى ضرورة «إجبار» موسكو على وقف إطلاق النار، خصوصاً في ظل نجاحات الدبلوماسية الأمريكية في ملفات شائكة كالملف الإيراني.
الرهان الأوكراني اليوم لا يتوقف عند حدود الصمود الميداني، بل يمتد إلى قدرة واشنطن على تحويل «الحزم» من مصطلح للاستهلاك الإعلامي، إلى أداة ضغط حقيقية تكسر جمود المشهد وتفرض واقعاً جديداً على طاولة المفاوضات. ورغم هذا الزخم، يظل بصيص الأمل معلقاً على استئناف المحادثات الثلاثية «الأمريكية-الروسية-الأوكرانية»، والمنوطة بمدى قدرة واشنطن على الموازنة بين انشغالاتها بملفات الشرق الأوسط المشتعلة، وبين التزاماتها في الجبهة الشرقية لأوروبا.
اليوم ثمة مشهد سياسي معقد، لا يحتاج فقط إلى طاولات مفاوضات مستديرة، بل إلى إرادة دولية تدرك أن كلفة السلام، مهما بلغت، تظل أرخص بكثير من ثمن الرصاص والدمار. فهل ينتصر صوت العقل، وتتحقق نبوءة «التقارب» التي تحدث عنها فانس، أم تظل دانات المدافع والصواريخ هي صاحبة الكلمة الأخيرة في صياغة تاريخ مخضب بالدم والرماد؟
المؤكد أن العالم لم يعد يحتمل مزيداً من الانتظار، وأن لحظة الحقيقة قد حانت، لوضع حد لمأساة إنسانية، يدفع ثمنها الجميع بلا استثناء، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"