قوقعة ولدت طاووساً

01:59 صباحا
قراءة دقيقتين

قال لي: لا تصدّق المقولة النمطية المكررة، تلك التي تتصل بالقراءة وثقافتها وعاداتها في الغرب، وفحواها أن الغربي أو الأوروبي يقرأ أكثر من العربي فتلك تكاد تكون مجرد دعاية ثقافية..
قلت له: كيف؟ والكثير من المؤشرات الصحفية تحديداً تقول إن العربي لا يقرأ ربع ما يقرأه الغربي؟
قال: لن أطيل عليك، نحن نقرؤهم أكثر ممّا يقرأوننا؟ نحن نعرف الغرب وآدابه وثقافاته أكثر ممّا يعرفوننا نحن الذين نبدو ضحية لتلك الدعاية الثقافية، قلت له مرة ثانية: كيف؟ قال: أبو بكر يوسف، وسامي الدروبي يعرفان وحدهما اكثر من ٨٠٪ من الأدب الرّوسي. جبرا إبراهيم جبرا يعرف إمبراطورية شكسبير أكثر مما يعرفها أهل لندن الكلاسيكيون والجدد منهم. محمد عناني موسسة ثقافية وحده، يعرف ما كتب بالإنجليزية أكثر من نجوم الثقافة الإنجليزية. أدونيس وحده يعرف غالبية أو أكثرية الأدب الفرنسي، خالدة سعيد نقلت إدغار ألن بو إلى العربية بصفاء لغوي نادر. صالح علماني يعرف الأدب المكتوب بالإسبانية أكثر من أي مثقف أوروبي، وهل تعرف أن أنطوان حمصي ويوسف بنا قد نَقَلا نيقولاي غوغول قبل أكثر من نصف قرن إلى العربية؟ إدوارد سعيد يعرف الثقافة الغربية اكثر من كل ما يمتلكه نعومي تشومسكي، والأدب العالمي الذي لا يقرؤه العرب بلغته الأم، يقرأونه بلغة وسيطة ثالثة.
قال لي: العربي يقرأ أحياناً بثلاث لغات حيوية في العالم: الإنجليزية، والفرنسية، والرّوسية، وهناك جيل من القرّاء العرب اليوم يقرأ باليابانية، والصّينية، والهندية، والألمانية والأوردية، لا تصدّق الدعاية، ولا تصدّق الاستعلاء الثقافي الغربي الكاذب.
قلت له: أرى أن محور ما تقوله لي الآن، إنما يدور حول مركز دائرة واحد: هو الترجمة؟ كأنك تقول: إننا نترجمهم أكثر مما يترجموننا. في هذه أنا معك. ثقافتنا العربية نصفها أو أكثر من نصفها قائم على قراءة الآخر عبر ترجمته إلى لغتنا الأمّ، وهذه ميزة حقيقية.
قال لي: في شأن القراءة تحديداً ليست الميزة فقط في الترجمة، بل في تحدّي القراءة العربي، الظاهرة القرائية الكبرى في العالم، ومركزها دبي في دولة الإمارات.
قلت له: أجل، كل الحق معك، إن مربط الفرس هو في تحدّي القراءة العربي، المبادرة المليونية التي خرقت حاجز الصوت الثقافي الغربي، وجعلت الدعاية الثقافية الغربية عارية وبلا غِطاء.
قال: لم تظهر في الغرب الثقافي القديم ولا المعاصر ظاهرة تشبه ظاهرة تحدي القراءة العربي، فهي مبادرة مدنية حضارية ثقافية تتوجّه إلى المستقبل. قلت له: كأنما الغرب قوقعة ولدت طاووساً. ذلك هو سرّ الدعاية.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"