الشارقة: عثمان حسن
إن الإطار العام الذي يؤلف قصيدة الإمام الشافعي «إليك إله الخلق أرفع رغبتي» هو إطار إيماني عنوانه الكبير التسليم لله -جل وعلا-، وهو اليقين، الذي يُسيّر المؤمن، ويستولي على سكناته وحركاته، فيوجهه بقوة نحو هذا المعبود، فيرفع إليه الدعاء موقناً من استجابة الخالق ومستسلماً لقضائه وقدره.
هذا الإطار يحكم إبداع الشافعي الشعري، كما في قوله:
تَوَكّلْتُ في رزقي على الله خَالقِي
وأيْقَنْتُ أنَّ الله لا شَكَّ رَازقِي
ومَا يَكُ مِنْ رزقٍ فَليْسَ يَفُوتُني
ولوْ كانَ في قاعِ البِحَار العَوامِق ِ
سَيأتي بِه ِالله العَظيمُ بِفَضْلِه
ولوْ لمْ يَكُنْ مِنّي اللسَانُ بِنَاطِق ِ
فَفِي أيّ شَيءٍ تذهَبُ حَسْرةً
وقَد قَسَمَ الرَّحْمَنُ رزق الخلائق
في الأبيات السالفة، ثمة قوة وحدانية عظمى ممثلة في الله -جل وعلا-، هذه القدرة هي مصدر الرزق، والتصوير الذي قدمه الشافعي، هو تصوير يتناغم مع الأفكار الإيمانية، التي مصدرها التسليم، فهذه القوة الجبارة لا محالة ستأتي بالرزق؛ حيث إن وراءها ملك عظيم، قسم الرزق بين الناس، ولن يبخل عليهم في منح هذا الرزق، حتى لو كان في البحار العميقة.
في قصيدة الإمام الشافعي، التي تحدث عن مناسبتها إسماعيل بن يحيي المزني بقوله: «دخلت على الشافعي في مرضه، الذي مات فيه فقلت: كيف أصبحت؟، قال أصبحت من الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقاً، ولكأس المنية شارباً، وعلى الله جلّ ذكره وارداً، ولا والله ما أدري روحي تصير إلى الجنة أم إلى النار؟.
ثم بكى وأنشد يقول:
إليك إله الخلق أرفع رغبتي
وإنْ كنتُ يا ذا المنِّ والجودِ مجرمَا
وَلَمَا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي
جَعَلْتُ الرَّجَا مِنِّي لِعَفْوِكَ سُلّمَا
تَعَاظمَنِي ذنبي فَلَمَّا قَرنْتُه
بِعَفْوكَ رَبي كَانَ عَفْوكَ أَعْظَما
فَمَا زِلْتَ ذَا عَفْوٍ عَنِ الذَّنْبِ لَمْ تَزَلْ
تَجُودُ وَتَعْفُو مِنَّةً وَتَكَرُّمَا
فيا ليت شعري هل أصير لجنةٍ
أهنأ وإما للسعير فأندما
يعرف الإمام الشافعي كيف يبدأ قصيدته، وهو يعيش حالة نفسية شديدة الصعوبة على قلبه؛ حيث شعر بدنو حياته، فلا ملجأ له غير الله -جل وعلا-، هو الذي يرفع إليه ما به من مصاب، كما أنه، -كما شأن كل المتبتلين - يظل يشعر بأنه مذنب، أمام هذا الجبروت، وهذه العظمة، هذه التي في موازاة ما تتمتع به من قوة، لا يمكن تخيلها، بيدها العفو والمغفرة، وهي التي تدفع بالعبد نحو الجنة فتكافئه، أو تلقيه في نار السعير مذموماً مدحوراً.
في القصيدة ذاتها، يصور الشافعي الحال التي وصلت إليها نفسه، فهو في موقف لا يحسد عليه، كأن أجفانه تفيض دماً من فرط الوجد، كما يتكور على نفسه حين يجن الليل من شدة الخوف، غير أنه حتى وهو في مثل هذا الموقف الذي لا يحسد عليه، لا ينسى خالقه، فهو في حالة ذكر دائم لهذا الرب الذي يستولي على كيانه، وهنا يوجد تشبيه جميل، يريد به الإمام الشافعي، أن يبرر مقدار ما لهذه القوة والربوبية، وما لهذه العظمة، من حضور في وجدان وجوارح المؤمن، الذي يصبح حاضر الذاكرة رغم آلامه، كأنه ينتفض من هذه الآلام، ويصبح في صورة الفصاحة والنباهة وبليغ القول من الكلام.
والذي يتمعن هذه القصيدة حتى آخرها، يلاحظ تركيز الشافعي على مفهوم القدرة بوصفها إحدى الصفات الإلهية الثبوتية الذاتية، والقدرة جاءت من القدير، وهو من أسماء الله الحسنى، وأحد مقاربات أو أشكال هذه القدرة ورودها دالة على لطف ما صنعه الله من كائنات وجمادات وطبيعة، وهي التي جاءت في أجمل صورة، وأحسن نسق، كأنها صورة عن تجليات الخالق ذاته، هذا المتعالي في الأفق الأعلى، الرحمن الرحيم، الذي يسمع الدعاء فيمّن على عبده بالنور والرحمة والصبر وحسن الخاتمة.
في جانب آخر، ثمة ذكر لصفات الخالق، فهو المحسن وهو الذي يستر العورات، وهو الذي إذا ما تعاظم ذنب الإنسان، فأقبل هذا الإنسان على ربه خاشعاً تائباً، غفر له الله ورضي عنه.
مثل هذه العلاقة الوحدانية بين الخالق والمخلوق، هي مرتكز رئيسي عند الشافعي؛ حيث يقول:
عَسَى مَنْ لَهُ الإِحْسَانُ يَغْفِرُ زَلَّتي
وَيَسْتُرُ أَوْزَارِي وَمَا قَدْ تَقَدّما
تعاظمني ذنبي فأقبلتُ خاشعاً
ولولا الرضا ما كنتَ يا ربِّ مُنْعما
فإن تَعْفُ عني تَعْفُ عن متمرِّدٍ
ظَلُومٍ غَشُومٍ لا يزايلُ مأثما
فإن تستقمْ منيَ فلستُ بآيسٍ
ولو أدخلوا نفسي بجُرْم جهنَّما
فإن تستقمْ منيَ فلستُ بآيسٍ
ولو أدخلوا نفسي بجُرْم جهنَّما
ما يمكن التوقف عنده في هذه القصيدة، هو أنها تحتوي على كثير من معاني وصور التجلي الإلهي، وهي الصور التي عرف الخالق من خلالها في الكون والطبيعة، ومن خلال التناغم وتلك الدهشة التي تسير هذا الكون، وربما لا تخلو قصيدة من قصائد الشافعي من مثل هذه التجليات، التي تقع في صلب مراتب الإيمان بالنسبة للعبد، وهو الذي يصير بالنسبة لهذا العابد منزلة يدرك من خلالها معاني النور والإشراق، وحقائق الكون التي لا تحدها حدود؛ حيث يقول: وفي القلب إشراق المحب بوصله إذا قارب البشرى وجاز إلى الحمى.
إنها ينابيع روحانية تملأ نفس الشاعر بقبس من نور فتفيض عيونه بالندم، إنها إشراقات ما كان لها أن تأتي لولا ما استشفته من تلك الآفاق العلى، وتلك الإشارات السامية التي تشع من منبع صاف وفيض غامر لا ينضب.
إن الإطار العام الذي يؤلف قصيدة الإمام الشافعي «إليك إله الخلق أرفع رغبتي» هو إطار إيماني عنوانه الكبير التسليم لله -جل وعلا-، وهو اليقين، الذي يُسيّر المؤمن، ويستولي على سكناته وحركاته، فيوجهه بقوة نحو هذا المعبود، فيرفع إليه الدعاء موقناً من استجابة الخالق ومستسلماً لقضائه وقدره.
هذا الإطار يحكم إبداع الشافعي الشعري، كما في قوله:
تَوَكّلْتُ في رزقي على الله خَالقِي
وأيْقَنْتُ أنَّ الله لا شَكَّ رَازقِي
ومَا يَكُ مِنْ رزقٍ فَليْسَ يَفُوتُني
ولوْ كانَ في قاعِ البِحَار العَوامِق ِ
سَيأتي بِه ِالله العَظيمُ بِفَضْلِه
ولوْ لمْ يَكُنْ مِنّي اللسَانُ بِنَاطِق ِ
فَفِي أيّ شَيءٍ تذهَبُ حَسْرةً
وقَد قَسَمَ الرَّحْمَنُ رزق الخلائق
في الأبيات السالفة، ثمة قوة وحدانية عظمى ممثلة في الله -جل وعلا-، هذه القدرة هي مصدر الرزق، والتصوير الذي قدمه الشافعي، هو تصوير يتناغم مع الأفكار الإيمانية، التي مصدرها التسليم، فهذه القوة الجبارة لا محالة ستأتي بالرزق؛ حيث إن وراءها ملك عظيم، قسم الرزق بين الناس، ولن يبخل عليهم في منح هذا الرزق، حتى لو كان في البحار العميقة.
في قصيدة الإمام الشافعي، التي تحدث عن مناسبتها إسماعيل بن يحيي المزني بقوله: «دخلت على الشافعي في مرضه، الذي مات فيه فقلت: كيف أصبحت؟، قال أصبحت من الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقاً، ولكأس المنية شارباً، وعلى الله جلّ ذكره وارداً، ولا والله ما أدري روحي تصير إلى الجنة أم إلى النار؟.
ثم بكى وأنشد يقول:
إليك إله الخلق أرفع رغبتي
وإنْ كنتُ يا ذا المنِّ والجودِ مجرمَا
وَلَمَا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي
جَعَلْتُ الرَّجَا مِنِّي لِعَفْوِكَ سُلّمَا
تَعَاظمَنِي ذنبي فَلَمَّا قَرنْتُه
بِعَفْوكَ رَبي كَانَ عَفْوكَ أَعْظَما
فَمَا زِلْتَ ذَا عَفْوٍ عَنِ الذَّنْبِ لَمْ تَزَلْ
تَجُودُ وَتَعْفُو مِنَّةً وَتَكَرُّمَا
فيا ليت شعري هل أصير لجنةٍ
أهنأ وإما للسعير فأندما
يعرف الإمام الشافعي كيف يبدأ قصيدته، وهو يعيش حالة نفسية شديدة الصعوبة على قلبه؛ حيث شعر بدنو حياته، فلا ملجأ له غير الله -جل وعلا-، هو الذي يرفع إليه ما به من مصاب، كما أنه، -كما شأن كل المتبتلين - يظل يشعر بأنه مذنب، أمام هذا الجبروت، وهذه العظمة، هذه التي في موازاة ما تتمتع به من قوة، لا يمكن تخيلها، بيدها العفو والمغفرة، وهي التي تدفع بالعبد نحو الجنة فتكافئه، أو تلقيه في نار السعير مذموماً مدحوراً.
في القصيدة ذاتها، يصور الشافعي الحال التي وصلت إليها نفسه، فهو في موقف لا يحسد عليه، كأن أجفانه تفيض دماً من فرط الوجد، كما يتكور على نفسه حين يجن الليل من شدة الخوف، غير أنه حتى وهو في مثل هذا الموقف الذي لا يحسد عليه، لا ينسى خالقه، فهو في حالة ذكر دائم لهذا الرب الذي يستولي على كيانه، وهنا يوجد تشبيه جميل، يريد به الإمام الشافعي، أن يبرر مقدار ما لهذه القوة والربوبية، وما لهذه العظمة، من حضور في وجدان وجوارح المؤمن، الذي يصبح حاضر الذاكرة رغم آلامه، كأنه ينتفض من هذه الآلام، ويصبح في صورة الفصاحة والنباهة وبليغ القول من الكلام.
والذي يتمعن هذه القصيدة حتى آخرها، يلاحظ تركيز الشافعي على مفهوم القدرة بوصفها إحدى الصفات الإلهية الثبوتية الذاتية، والقدرة جاءت من القدير، وهو من أسماء الله الحسنى، وأحد مقاربات أو أشكال هذه القدرة ورودها دالة على لطف ما صنعه الله من كائنات وجمادات وطبيعة، وهي التي جاءت في أجمل صورة، وأحسن نسق، كأنها صورة عن تجليات الخالق ذاته، هذا المتعالي في الأفق الأعلى، الرحمن الرحيم، الذي يسمع الدعاء فيمّن على عبده بالنور والرحمة والصبر وحسن الخاتمة.
في جانب آخر، ثمة ذكر لصفات الخالق، فهو المحسن وهو الذي يستر العورات، وهو الذي إذا ما تعاظم ذنب الإنسان، فأقبل هذا الإنسان على ربه خاشعاً تائباً، غفر له الله ورضي عنه.
مثل هذه العلاقة الوحدانية بين الخالق والمخلوق، هي مرتكز رئيسي عند الشافعي؛ حيث يقول:
عَسَى مَنْ لَهُ الإِحْسَانُ يَغْفِرُ زَلَّتي
وَيَسْتُرُ أَوْزَارِي وَمَا قَدْ تَقَدّما
تعاظمني ذنبي فأقبلتُ خاشعاً
ولولا الرضا ما كنتَ يا ربِّ مُنْعما
فإن تَعْفُ عني تَعْفُ عن متمرِّدٍ
ظَلُومٍ غَشُومٍ لا يزايلُ مأثما
فإن تستقمْ منيَ فلستُ بآيسٍ
ولو أدخلوا نفسي بجُرْم جهنَّما
فإن تستقمْ منيَ فلستُ بآيسٍ
ولو أدخلوا نفسي بجُرْم جهنَّما
ما يمكن التوقف عنده في هذه القصيدة، هو أنها تحتوي على كثير من معاني وصور التجلي الإلهي، وهي الصور التي عرف الخالق من خلالها في الكون والطبيعة، ومن خلال التناغم وتلك الدهشة التي تسير هذا الكون، وربما لا تخلو قصيدة من قصائد الشافعي من مثل هذه التجليات، التي تقع في صلب مراتب الإيمان بالنسبة للعبد، وهو الذي يصير بالنسبة لهذا العابد منزلة يدرك من خلالها معاني النور والإشراق، وحقائق الكون التي لا تحدها حدود؛ حيث يقول: وفي القلب إشراق المحب بوصله إذا قارب البشرى وجاز إلى الحمى.
إنها ينابيع روحانية تملأ نفس الشاعر بقبس من نور فتفيض عيونه بالندم، إنها إشراقات ما كان لها أن تأتي لولا ما استشفته من تلك الآفاق العلى، وتلك الإشارات السامية التي تشع من منبع صاف وفيض غامر لا ينضب.