عادي

روايات ضد التطرف

02:01 صباحا
قراءة دقيقتين
علاء الدين محمود

يظل الأدب هو الحالة الجمالية التي تقف على الدوام ضد القبح والتطرف، وفي جميع المنعطفات التاريخية الحاسمة التي ظهر فيها التعصب للأفكار الدينية والسياسية، كان الأدب حاضراً يلوح بالرفض، ويبرز دوره الكبير من خلال أجناسه المختلفة ليشكل عالماً موازياً، يناهض بلا هوادة التطرف ويحرّض على قيم الخير والجمال والانتماء للحياة، ويدعو شعوب العالم لسيادة قيم التسامح والمساواة، والانفتاح على الثقافات المختلفة من خلال فضيلة الحوار ونبذ العنف والإقصاء، ومواجهة أي خطاب يحاول أن يغيّب العقل، ويقتل حرية الفكر.
وفي مجال الرواية برزت العديد من الأعمال التي تسخر من الأفكار الاقصائية والعقول الشمولية، على نحو ما نطالعه في أدب جورج أورويل، وكوميديته التي نصبها في وجه أعتى الأنظمة التي قللت من شأن الفكر والفرد، وكذلك السخرية التي تجول في كتابات غابرييل غارثيا ماركيز وهو يرصد «متاهة الجنرال»، وتقلباته المضحكة، ما أنتج سرديات تتهكم من تلك الدوغمائية والأفكار التي حولت حياة الناس إلى جحيم لا يطاق، وأيضاً أعمال الروائي الفيلسوف ميلان كونديرا، وكتابته التي نصبت «حفل للتفاهة»، يبرز خلالها طرائق تفكير الجنرالات الممعنة في إذلال الآخر، وكثير من الأعمال لأدباء عالميين انفتحت على مشاهد مأساوية في تاريخ البشرية سادت فيها العصبيات العقائدية والمذهبية والسياسية، وكان ضحيتها الإنسان، فكان أن انبرت أعمال روائية عظيمة، أقامت مواجهة ثقافية وجمالية ضد ثقافة التضليل.
وربما تمثل رواية ماركس والدمية، الصادرة حديثاً للكاتبة مريم مجيدي امتداداً لتلك الأعمال الروائية التي وقفت ضد التشدد والتطرف، فقد جاءت الرواية وهي تعكس التفاصيل الصغيرة التي قد تسقط عن الذاكرة، في يوميات البشر الذين يعيشون تحت وطأة أنظمة شيدت على فكرة التشدد والامتلاك المطلق للحقيقة، وانعكاس ذلك على حياة التشرد والنزوح لملايين البشر، ناهيك عن الذين يبقون تحت ظل تلك الأنظمة الظلامية. وترصد الروايات تلك التحولات الكبيرة التي تطرأ على حياة الناس، حيث يتحول الكثير منهم إلى أشباح بلا روح، ويرزح آخرون تحت أقبية مظلمة، لا لشيء سوى الاختلاف الفكري.
وتنسج الرواية عوالمها الخيالية التي تنشد عالماً مختلفاً، يسود فيه الجمال والخير، ويصل فيه البشر إلى تفاهمات بشأن التعدد والاختلاف الثقافي، وينشأ حوار مع الآخر، من أجل أن تسود ثقافة السلام والمحبة والتسامح ليتغير وجه العالم، وربما تأتي أهمية العمل الروائي من خلال ذلك الصدق العالي في السرد، في وصفه الأيام الرهيبة التي عاشت تفاصيلها الكاتبة وأسرتها.

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"