صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
عبدالله بن محمد بن بطي آل حامد
كاتب
أحدث مقالات عبدالله بن محمد بن بطي آل حامد
30 سبتمبر 2025
الإمارات تبني أكبر جسر حول العالم

عبدالله بن محمد بن بطي آل حامد*

شكلت الجسور عبر التاريخ شرايين الحياة للحضارات، ربطت المدن والشعوب، وفتحت طرق التجارة والمعرفة، وكانت رمزاً إنسانياً للتحول من العزلة إلى التواصل ومن الخلاف إلى التلاقي. وبهذا شكّلت الجسور ثورة في شكل حياة المجتمعات، حين أصبحت الحياة أوسع من مساحاتها المعتادة، وأصبحت الإمكانات أكثر فاعليةً وأثراً.
والجسر الذي نتحدث عنه هنا لا يقل أهمية عنها، بل قد يكون أوسع أثراً وأعمق حضوراً في حياة الناس واقتصاداتهم وثقافاتهم ووجدانهم. فهو جسرٌ للمعرفة الخالصة والإبداع والتبادل، وهو جسر عابر للغات والبلدان والثقافات والإمكانات والأزمنة، جسر تُقاس جدواه بقدرته على تحويل الطاقات والموارد والإبداعات إلى قيمة عامة. إننا أمام مفهوم للجسر بوصفه بنية عبور متبادل للأفكار والمهارات ورأس المال الثقافي.
نحن أمام مشروع ضخم بحجم الطموح وبحجم الإيمان بالطاقات، تتجسد ملامحه عبر «قمة بريدج» المزمع عقدها في إمارة أبوظبي، التجمع الأكبر من نوعه في العالم، والذي يجمع كافة صناع الإعلام والقيمة والرسالة والمحتوى من شتى القطاعات والمجالات: من الأدب والنشر والترجمة، إلى السينما والتلفزيون والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى الموسيقى وفنون الأداء، مروراً بصناعات الألعاب والواقعين المعزّز والافتراضي، والتصميم والعمارة، والحِرَف والمنتجات الثقافية، والإعلام ومؤسساته، وصولاً إلى الجامعات ومراكز الأبحاث وحاضنات الابتكار. وتجمع أيضاً القادة وصناع القرار وأصحاب الرؤى في مساحة مشتركة من التفاعل والتبادل.
إنها قمة ملهمة، تقدم فرص الأعمال والاستثمار وتبادل المنفعة والعوائد، والشراكة وتطوير الأعمال وتحويل الأفكار إلى مشاريع بطريقة غير تقليدية، بعيدة عن الرسمية المعتادة، وأكثر قرباً من روح المستقبل الذي يحملنا إليه هذا «الجسر»، حيث يجد كل مبدع ومنتج قيمة أو رسالة أو فكرة في هذا العالم مساحة تمنحه الدفء والانتماء والتحفيز في آن.
ولا تقف القمة عند حدود اللقاء، بل تفتح مساراتٍ عملية للتواصل والتعلّم وبناء الشراكات، من خلال مختبرات للإنتاج المشترك، وحلقات لتقريب التشريعات من واقع الصناعة، وأسواق تربط المشاريع بجهات التمويل والتوزيع، وفضاءات عروض فنية وبحثية لتبادل الخبرات، إضافة إلى جلسات توافق مهني لتوحيد معايير القياس وتأهيل الكفاءات.
في هذه البيئة الديناميكية تُبنى جسور الثقة، ويتكرّس الشعور بالانتماء إلى مجتمع مهني عالمي، وتتحول الشبكات العابرة للحدود إلى فرص استثمارية قابلة للقياس، وإلى شراكات قادرة على الصمود أمام التقلبات.
ولأننا ننطلق في رؤيتنا من الأعالي، كما علّمنا قادتنا، تشكّل القمة الانطلاقة العملية ل«بريدج»، بوصفه منظومة دائمة للعمل والإبداع على مدار العام. فهو الفضاء الذي ينظّم اللقاء بين المبدع والمستثمر، وبين الموزّع والمنصة، وبين التشريعات وشركات المحتوى، وبين الجامعات ومسرّعات الأعمال. إنها البداية لتأسيس شبكة فاعلة تجعل من الثقافة والوسائط الإبداعية جزءاً عضوياً في المشهد العالمي العام، وأداةً عملية لتعزيز الانتماء والوصول والتنوّع.
لقد أردنا أن يكون ل«بريدج» أبعاد استراتيجية دائمة التفاعل، ترسم مسارات طويلة المدى تمتد إلى الاقتصاد والمجتمع والثقافة والتنظيم. فمن الناحية الاقتصادية، سيعمل على توسيع قاعدة الاقتصاد غير المادي عبر سلاسل قيّمة تمتد من الفكرة إلى المنصّة، ومن المنصّة إلى السوق، بما يُسهم في تسريع نمو الشركات الناشئة، ويستقطب الاستثمارات، ويوفر وظائف نوعية للشباب.
ومن الناحية الاجتماعية، يعزز «بريدج» الاندماج الثقافي، ويمنح الأصوات المختلفة منفذاً عادلاً إلى المنصات، كما يُرسّخ ثقافة التعلّم مدى الحياة والمهارات الرقمية. وفي البُعد الثقافي والفني، يسهم في تطوير الذائقة العامة، وحماية تنوع اللغات والثقافات والتراث، ويفتح المجال أمام ابتكارات مفاهيمية وتقنية جديدة.
أما البُعد التنظيمي، فيتمثل في تقريب التشريعات من واقع الصناعة عبر حوار مؤسسي فاعل، كل تلك النواحي تشكل أبعاداً إضافية لترسيخ مكانة الدولة مركزاً عالمياً لترابط الأمم، ونقل الرسالة الثقافية من نطاق العرض إلى نطاق التأثير.
لقد اختارت دولة الإمارات أن تبني هذا الجسر، لأنها تتحرك وفق رسالة واضحة: أن تكون مبادِرة إلى دور عالمي غير مسبوق، يجعل من ربط العقول والطاقات جسراً دائماً ومفتوحاً على كافة الاتجاهات. فالإمارات، التي صنعت من الانفتاح والتنوّع قاعدةً لهويتها المعاصرة، ترى أن قيادة المستقبل تبدأ من بناء البنى التحتية غير المادية، وتؤمن بأنها قادرة، بما تمتلكه من خبرةٍ في صناعة المنصات الدولية، على تحويل «بريدج» إلى عقدة وصل كبرى في شبكة المحتوى العالمي، عقدة تمنح المنطقة والعالم نموذجاً عملياً لكيفية إدارة القيمة الكامنة كأصل استراتيجي مستدام.

*رئيس المكتب الوطني للإعلام ورئيس مجلس الإمارات للإعلام، رئيس «بريدج»

7 أكتوبر 2024
الاقتصاد.. وتشكيل المشهد الإعلامي العالمي

عبدالله بن محمد بن بطي آل حامد

يلعب الإعلام دوراً كبيراً في تعزيز التنمية الاقتصادية، سواء بتسليط الضوء على الإنجازات والتطورات والتغيرات الاقتصادية، أو تحقيق إيرادات واستثمارات تعزز الاقتصاد الوطني.
والحقيقة أن وسائل الإعلام لم تكن يوماً مجرد أدوات ترفيه أو وسائط لنشر الأخبار، بل هي صناعة اقتصادية بحد ذاتها تلعب دوراً حيوياً في توجيه الاقتصاد الوطني والعالمي، بما تملكه من أدوات تؤثر بشكل مباشر في صناع القرار والرأي العام والسياسات الاقتصادية، من خلال عملها المتمثل في نقل المعلومات وتفسير وتغطية الأحداث الاقتصادية، إذ تعتبر هذه الصناعة واحدة من أكبر الصناعات في العالم، حيث تبلور صياغة الاقتصاد والسياسة وثقافة المجتمع، ثم تعيد تصديرها إلى دول العالم الأخرى مرة ثانية، فالإعلام يعمل في الوقت الحاضر على الاستثمار في المعرفة في عالم يشهد في كل لحظة ثورة تكنولوجية في شتى المجالات.
وبالطبع لم يعد الهدف من الإعلام تقديم معلومات وتغطيات فقط، بل تحول إلى صناعة تحتاج الى رؤوس أموال ضخمة، وهي صناعة بات لها دور كبير في دفع عجلة النمو، الأمر الذي ساهم في ظهور مصطلح اقتصاديات الإعلام، الذي يهتم بتلبية احتياجات الجمهور عبر تقديم خدمة جيدة تحقق عائداً مادياً مربحاً يدعم استمرار النشاط الإعلامي. ويمكن القول إن الإعلام هو ركيزة الاقتصاد والتنمية، يروج بفاعلية وكفاءة للفرص الاقتصادية والاستثمارية، عبر الإعلام بشقيه الرقمي والتقليدي.
ولا شك في أن العلاقة بين الإعلام والاقتصاد وثيقة ومتشابكة لأن الإعلام يساعد في توجيه السياسات الاقتصادية، ينشر آراء الخبراء ويعرض تحليلاتهم ويفتح النقاش العام حول القرارات الجديدة.
وتولي دولة الإمارات اهتماماً كبيراً بالاقتصاد الإبداعي الذي يعتبر الإعلام أحد أهم مموليه، حيث يعتبر من أسرع القطاعات الاقتصادية نمواً حول العالم، إذ يُساهم بنحو 6.1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ويحقق عائدات سنوية تزيد على تريليوني دولار، لذلك تعمل الدولة على استقطاب المبدعين والمستثمرين والموهوبين من أنحاء العالم.
ولدعم الاقتصاد الإبداعي، أطلقت الإمارات برامج ومبادرات متعددة من أبرزها الاستراتيجية الوطنية للصناعات الثقافية والإبداعية التي تعزز الشراكة بين الصناعات الثقافية والإبداعية والاقتصاد الوطني، بما يجعل من الإمارات حاضنة للمواهب والمبدعين على امتداد العالم.
وفي ظل الحاجة إلى التمويل والاستثمار تبرز الحاجة إلى أن تُطوِر وسائل الإعلام نماذج إيرادات مبتكرة، حيث من المتوقع أن تتشكل مجموعات إيرادات جديدة في الإعلانات والبث المباشر والأسواق الناشئة، خصوصاً بعد أن استعادت صناعة الترفيه والإعلام توازنها وارتفعت الإيرادات العالمية بنسبة 5٪ إلى 2.8 تريليون دولار في 2023.
ويدخل الإعلان الذي شهده صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، عن إطلاق إطار للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي بين دولة الإمارات والولايات المتحدة الأمريكية أثناء زيارة سموه الأخيرة لواشنطن، ضمن جهود الاستثمار في التكنولوجيات المتقدمة، حيث سيكون لهذا التعاون كبير الأثر في قطاع الإعلام الذي يمكنه الاستفادة من مخرجاته، الأمر الذي يعزز من قدراته على مواكبة التحولات الرقمية المتسارعة، ما يساهم في انتعاش اقتصاد الإعلام ويؤدي إلى زيادة تأثيره على المستويين الإقليمي والعالمي.
ورسمت توجيهات سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، خارطة طريق عمل المنظومة الإعلامية في الإمارات، حيث أكد سموه على ضرورة أن يواكب القطاع الإعلامي في الدولة أبرز التطورات التكنولوجية في العالم في مجال صناعة الإعلام وصياغة التأثير الإعلامي، وبفضل متابعة سموه الحثيثة حقق وسيُحقق قطاع الإعلام في الدولة قفزة نوعية في مجال استثمار التقنيات المتطورة من أجل ريادة الإعلام الإماراتي.
وعندما نتحدث عن التكنولوجيات المتقدمة ودورها في اقتصاد الإعلام، لا بد أن نتوقف عند جهود مهندس الذكاء الاصطناعي في الإمارات سمو الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، نائب حاكم إمارة أبوظبي، مستشار الأمن الوطني، رئيس مجلس الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدِّمة، حيث يعمل سموه على بناء مستقبل تقوم فيه التكنولوجيا بدور فاعل في خدمة الإنسانية وتعزيز مستوى الرفاهية والاستدامة والتواصل بين دول العالم.
ولا شك أن المبادرات والبرامج التي أطلقها سموه سيكون لها كبير الأثر في قطاع الإعلام، وعلى رأسها الشراكة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي بين «إم جي إكس» و«بلاك روك» و«جلوبال إنفراستركتشر بارتنرز» و«مايكروسوفت» للاستثمار في مراكز البيانات، والتي أعلن عنها سموه مؤخراً وتعتبر واحدة من المبادرات التي سيستفيد منها قطاع الإعلام، فالاستثمار في مراكز البيانات الضخمة يتيح للإعلام إمكانية الوصول لبنى تحتية تكنولوجية متقدمة توفر قدرات معالجة هائلة، هذه القدرات تساعد وسائل الإعلام على إنشاء محتوى بشكل أسرع وأكثر كفاءة.
كما كان للبنية التحتية المتقدمة للاتصالات في دولة الإمارات تأثير كبير في اقتصاديات الإعلام، حيث كانت دولة الإمارات سباقة في الاستثمار في قطاع الاتصالات وهو الأمر الذي ظهرت نتائجه في احتلالها المرتبة الأولى عالمياً في مؤشر جاهزية البنية التحتية للاتصالات في تقرير الأمم المتحدة 2024،
وختاماً، أصبح الاقتصاد الإعلامي قوة دافعة أعادت تشكيل المشهد الإعلامي العالمي، حيث لم يعد مجرد تفاعل بين العرض والطلب، بل هو منظومة معقدة تتداخل فيها التكنولوجيا والسياسة والثقافة، وتحولات تكنولوجية سريعة في عصر الرقمنة، فرضت واقعاً جديداً، وأحدثت تحولاً جذرياً في هذه الصناعة. لكن يبقى التحدي في تقديم إعلام عصري متطور ومحتوى جاذب يخدم توجهات الدول وينعش اقتصادياتها، مع قدرته على التكيف مع التطورات التكنولوجية لتحقيق إيرادات تنافسية وتنمية مستدامة للمؤسسات الإعلامية.