«النفط»، أكثر المفردات تناولاً في حياتنا العربية اليوم، تدخل في تفاصيل ما نحن في أتونه أو ما يحيط بنا، في الاقتصاد والسياسة والثقافة والاجتماع.. إلخ.
نتكلم عن اقتصاد النفط، وعن السياسة النفطية، وعن الثقافة التي جاء بها النفط، وربما يجترح أحد الباحثين ذات يوم فرعاً في علم الاجتماع اسمه: علم اجتماع النفط يناقش فيه ما أحدثه ويحدثه النفط من تغيرات في التركيبة الاجتماعية للبلدان المنتجة له، أو المتأثرة بعوائده، وما تركه ويتركه من تأثيرات في سلوك الناس ونمط معيشتهم.
بهذه المعاني بدت لي مفردة النفط مفردة جديدة على اللغة العربية، دخلت قاموسنا مع اكتشاف النفط وتسويقه وما نجم عن ذلك من آثار، حتى وقعت عيناي على هذه المفردة في كتاب وردت فيه إشارة إلى كيف تأسست مدينة بغداد، ولم يكن من شأن هذا الكتاب الذي ألّفه عبدالحليم عباس أن يتناول هذا التأسيس، فهو مخصص لسيرة أبي نواس الذي ما زال تمثاله شامخاً في بغداد المدينة التي سحرت الشاعر المولود في قرية من قرى الأهواز لرجلٍ قادم من دمشق وفتاة فارسية.
ولكي يأتي الكاتب على حياة الشاعر بدأ الحديث بحكاية تأسيس بغداد، يوم قصد الخلاء الذي كانته، شاب أسمر مهيب الطلعة منحدر من الهاشمية قرب الكوفة وجال في السهل الممتد بين دجلة والصّراة، يسائل الساكنين عن موضعٍ صالح يبني فيه مدينة، فدلّوه على خير مكان في هذا السهل العريض، ولم يكن هذا الشاب سوى أبي جعفر المنصور نفسه.
أمر أبو جعفر، حسب قول الكاتب، بأن تخط على هذه الأرض خطوط من رماد، ثم يوضع على هذا الرماد النفط، ولما التحمت النار وصارت طرائق، نظر إليها وقال: «هكذا يجب أن تكون مدينتي».
لجأتُ إلى المعاجم باحثاً عن معنى كلمة النفط فيها، فما وجدت إلا معاني قديمة، لا علاقة لها بمعنى النفط الذي نعرفه اليوم، وجاء هذا المعنى الأخير في الشروحات التي توضح استخدام المفردة في حياتنا المعاصرة، فعزيت أمر استخدام مفردة النفط في حديث عبدالحليم عباس عن أبي جعفر المنصور إلى أن الكاتب نفسه هو ابن اليوم، وبالتالي فإنه وظفّها بالمعنى الذي نعرفه.
لكن بدت لي جذّابة جداً حكاية نفط أبي جعفر المنصور، أتكون تلك نبوءة بأن المدينة التي «صارت طرائق» ستكون منذورة من حيث لم يرد بانيها لطمع الطغاة والغزاة وأعوانهم من الدعاة، وسيكون النفط من بين أسباب هذا الطمع؟