ما ورائيات أعقلها وتوكل

05:30 صباحا
قراءة دقيقتين
سأتحدث على الخفيف، حتى لا يشعر أحد بأنني أثير مسألة كان الحديث فيها في غير رمضان أطيب أو أقل إحراجاً . وعلى القارئ في المقابل أن يكون كما عهدته دائماً، فطناً لبيباً ودمث الأخلاق، فلا يرميني بأنني أشرت ولم أصرح .
في هذا الشهر الفضيل يرتفع منسوب الدعاء . يصبح ويمسي مدّاً من دون جزر . فتسمع رفرفة أجنحة البركة في كل شبر . أصفى المهج، وأنقى القلوب، ألباب الأحباب في تجاوب ومناجاة، في شذا الأحاديث ونسائم الآيات . النفوس الأمّارة بالسوء كلها آهات وهيهات وحسرات وزفرات على ما فات وخشية مما هو آت، ولكن الآمال معقودة في السماوات، أن تنجو الأجسام والأرواح من النار، من الجحيم الصغرى في الشرق الأوسط، إلى جهنم الكبرى في الآخرة .
لكن في الأمر لكن، تصيب المرء باللكنة، مهما تبلغ البلاغة والفصاحة من مُكنة . غير أن القضية ليست عويصة . خذ ورقة، أعني رزمة، وعد إلى قوائم الأدعية وصنفها . وتعال أخبرني، رحم الله والديك في الدنيا والآخرة، ماذا بقي للفرد من عمل أو مسؤولية في هذه الدار الفانية، خصوصاً إذا عمل لدنياه كأنه يعيش أبداً؟ إنسان بلا واجبات . كل صغيرة وكبيرة ينتظرها من السماء .
أرجو التزام الهدوء والمجادلة بالتي هي أحسن . قبل كل شيء لا تنس أننا نتحدث عن عالم عربي لا ينتج شيئاً . ليس له اكتفاء ذاتي غذائي . الفجوة الغذائية بين يديك بنقرة فأرة . يقيناً أكثر من مئة مليار دولار . والصناعة، الله الله . والمناعة الاقتدارية العسكرية، في الريح . والطب والعلوم والتقانة، عالة على البلدان المتقدمة، وعلى البلدان التي كنا نحن وهي في "الهواء سواء"، وفي هوى التخلف سواسية .
سيجد كتبة الأدعية ورواتها ذرائع كثيرة، في مقدمتها: "وما تشاؤون إلا أن يشاء الله" . لكن الواقع المتردي طوال عشرات السنين، يدلنا على أن العرب لم يعودوا يفهمون الفارق بين التوكل على الله، وبين التواكل الذي أوصل الأمة إلى التآكل . الحضارات والتقدم والمجد التاريخي وفرض الوجود على الساحة العالمية، لا تأتي بالكلام . هل نسيتم درّة عمر بن الخطاب في المسجد؟ الناس اليوم أسوأ . شيّدِ المصانع والجامعات والمختبرات وازرعِ الأرض، ثم اسألِ السماء النجاح والتوفيق . دجج الجيوش بأرقى الأسلحة والعلوم والخطط، ثم اطلب من الله التأييد والمباركة .
لزوم ما يلزم: النتيجة المنطقية: السماء لا تستجيب للأمة، عقاباً على هذا الأسلوب الذي يحتاج إلى تقويم ليصبح إسلامياً بحق .

عبداللطيف الزبيدي
[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"