د. أحمد البركاني *
قد يبدو العنوان غريباً للوهلة الأولى، بل وربما صادماً للبعض: «Monday People» و«Thursday People»! من هم هؤلاء، ومن الذي يرفض إجازة نهاية الأسبوع؟ قبل أن نحكم على الأمر، دعونا نتأمل المعنى الذي يكمن خلف هذا التصنيف غير التقليدي.
في بيئات العمل الحديثة، تتشكل فئتان بشكل واضح. فئة «Thursday People» تترقب نهاية الأسبوع بشغف، ترى في الإجازة خلاصاً من روتين العمل، وتستعيد فيها توازنها الجسدي والنفسي. أما «Monday People»، فهم أولئك الذين يستقبلون صباح الاثنين بحماسة غير معتادة، ينهضون مبكراً، لأن الأسبوع الجديد يعني بداية جديدة، وفصلاً جديداً من مشروع أو حلم شخصي.
لكن، ليس المقصود بهذا التصنيف أن أحدهما أفضل من الآخر، فطلب الراحة لا يتعارض مع الطموح، ولا ينتقص من الإنجاز، إلا أن ما يلفت الانتباه هو تلك القلّة النادرة من الأشخاص، الذين يرون يوم الاثنين فرصة لاكتشاف جديد، ولبنة إضافية في بناء مشروع شغوف.
في عالم ريادة الأعمال، يبرز هذا الفارق بوضوح. كم من شخص ساورته فكرة لتحسين خدمة أو حل مشكلة، كم منّا شاهد منتجاً مبتكراً وقال في نفسه: «كنت أستطيع التفكير في شيء كهذا؟ الفارق الجوهري بين هذه الرغبات وإنجازها هو الشغف، والاستمرارية، وتقبّل الفشل كجزء من الرحلة.
ريادة الأعمال لا تبدأ عادة برأسمال، بل بفكرة، ثم بفضول، فبسؤال بسيط: «لماذا لم تُحل هذه المشكلة بعد؟» ومن هنا تنطلق رحلة التفكير التصميمي، التجريب، النمذجة، والتكرار، وصولاً إلى الحلول القابلة للتطبيق.
دراسة أجراها موقع LinkedIn، عام 2020، صنّفت «التفكير التصميمي»، ضمن أهم خمس مهارات مطلوبة عالمياً. في دولة الإمارات، ظهرت مبادرات بارزة لتعزيز هذه المهارات، مثل «مراكز الشباب المبتكرين»، و«برنامج مسرعات المستقبل»، ما يعكس التوجه نحو خلق بيئة حاضنة للمبدعين من جيل الشباب.
لكن لا تكتمل الصورة دون الحديث عن الفشل، فهو ليس نهاية الرحلة، بل إحدى محطاتها الضرورية. كثير من رواد الأعمال أطلقوا مشاريعهم الأولى، ثم أغلقوها بعد شهور من التحديات، لكنهم عادوا لاحقاً بأفكار أنضج وتجارب أعمق. قصة «كريم» مثال حيّ على ذلك. مؤسساها مدثر شيخة وماغنوس أولسون لم ينجحا من أول محاولة، بل واجها تحديات تتعلق بإقناع السوق، والتمويل، وحتى فاعلية الفكرة. لكن بدافع الشغف والإصرار، أعادا بناء النموذج مراراً، حتى أصبحت «كريم» واحدة من أنجح شركات النقل التشاركي في المنطقة، قبل أن تستحوذ عليها «أوبر»، مقابل 3.1 مليار دولار عام 2019. الشغف هو الوقود الحقيقي لريادة الأعمال، وهو ما يجعل «Monday People» فئة نادرة، ولكنها عالية الأثر، فهم لا يرون في بداية الأسبوع عبئاً، بل نافذة جديدة للإنجاز.
المثير أن معظم رواد الأعمال حول العالم تبدأ رحلتهم في العشرينات، لذا تركّز العديد من الحكومات، ومنها حكومة الإمارات، على دعم جيل Z (من 10 إلى 25 سنة). هذا الجيل لم يتشكل بعد في نمط حياة ثابت، ولا يحمل أعباء ثقيلة بعد، ما يمنحه مرونة أكبر لخوض تجربة الريادة.
لكن، هذا لا يعني أن من هم في الثلاثينات أو الأربعينات أو حتى الخمسينات، قد فاتتهم الفرصة. ريادة الأعمال لا تسأل عن العمر، بل تسأل: هل تملك فكرة، وهل تملك الشغف لتقاتل من أجلها، الشجاعة للتجربة، والاستعداد للتعلم من الفشل؟
التمويل مهم، نعم، لكنه لم يكن قطُّ مفتاح النجاح الوحيد، بل على العكس، كثير من المشاريع بدأت من دون تمويل، لكنها نجحت بسبب الحماس، والبيئة المشجعة، والإيمان العميق بالفكرة.
عزيزي القارئ، إن كنت تنتظر الخميس لتتنفس، فلم تجد بعد ما يشعل حماسك. أما إن كنت ترى الاثنين موعداً لإعادة تشغيل شغفك، فأنت تسير على طريق الريادة، حتى وإن لم تبدأ بعد.
فهل أنت من «Monday People»، أم من «Thursday People»؟
* مدرب ومحاضر في القيادة والابتكار وريادة الأعمال

د. أحمد البركاني*
في خضم التحولات التكنولوجية المتسارعة، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج عالمي ريادي، في تبني وتطوير تقنيات المستقبل، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي. ويأتي هذا التوجه ضمن رؤية طموحة تتجلى في «نحن الإمارات 2031»، حيث يُعد الذكاء الاصطناعي ركيزة أساسية في رسم ملامح الاقتصاد المعرفي والمجتمع المتطور.
لقد أحدثت هذه التقنية ثورة في مختلف القطاعات، من تحليل البيانات إلى إنتاج المحتوى، مروراً بالتصميم، والتعليم، والصناعة، فما كان يتطلب أياماً من الجهد اليدوي، أصبح اليوم يُنجز في دقائق معدودة بدقة تفوق في بعض الأحيان العمل البشري التقليدي. باتت هذه الأدوات تتيح للمعلم إعداد تقرير، وللمصمم إنتاج مواد احترافية، وللكاتب جمع وتحليل مصادر معرفية.. وكل ذلك بكفاءة مذهلة وكلفة منخفضة.
لكن هذا التقدم، ورغم ضرورته، يفرض علينا وقفة تأملية، فثمة قلق متزايد من الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع قدرات الإنسان الذهنية، ففي المجال التعليمي، يلاحظ بعض المعلمين أن الطلبة ينجزون مشاريعهم، عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، من دون فهم حقيقي لما يكتبون، ما يؤدي إلى ضعف في التفكير التحليلي والتعبير الكتابي. حدثني أحدهم عن طالب أخفق في كتابة فقرة واحدة بالامتحان رغم تفوقه في الأبحاث، قائلاً: «لم يكن ضعيفاً.. فقط اعتاد ألا يفكر».
تشبيه العقل بالعضلة ليس مجازاً إنشائياً، بل حقيقة علمية. التفكير، التخيل، النقد، التقييم، والاستنتاج، هي تمارين عقلية أساسية لا يمكن إغفالها من دون عواقب. وإذا تحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى بديل ذهني، فإننا نخسر جوهر ما يجعل الإنسان مبدعاً ومفكراً.
ولا يقتصر الخطر على «هلوسة الذكاء الاصطناعي» — أي تقديمه لمعلومات غير دقيقة — بل يمتد إلى إضعاف الحافز العقلي لدى الفرد، وقد عبّر عن ذلك سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «OpenAI»، بقوله: «الذكاء الاصطناعي هو آخر اختراعات البشر»، مشيراً إلى أن الإنسان قد يتخلى طوعاً عن دوره في التفكير والابتكار، تاركاً المهمة للخوارزميات.
استشعاراً لهذا التحول، بدأت دول ومؤسسات باتخاذ خطوات تنظيمية حكيمة. على سبيل المثال، أقرت جامعة هارفارد سياسة تمنع استخدام الذكاء الاصطناعي في الأبحاث دون تصريح، وأطلقت سنغافورة منصات لتدريب الطلبة على التمييز بين المحتوى البشري والآلي، وتوصي «اليونسكو» بإدماج التربية الأخلاقية الرقمية ضمن المناهج التعليمية.
أما في الإمارات، فريادتها في مجال الذكاء الاصطناعي، لا تعني فقط التفوق التكنولوجي، بل تحمل أيضاً مسؤولية بناء نموذج أخلاقي وتربوي متكامل. نحن بحاجة إلى ميثاق وطني للاستخدام المسؤول، يحدد متى وأين وكيف نستخدم هذه الأدوات، وخاصة في قطاعات مثل التعليم، الصحافة، والبحث العلمي. ولتجنب الانزلاق نحو الاعتمادية الذهنية، يمكن تبني ممارسات بسيطة لكنها فعالة، مثل تخصيص وقت يومي للتفكير أو الكتابة من دون أدوات ذكية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في المهام التكميلية فقط، كتجميع البيانات أو التلخيص، لا في صياغة الرأي أو اتخاذ القرار.
ختاماً، الذكاء الاصطناعي قادم بقوة، وهو بلا شك منجز بشري عظيم، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تطوره، بل في كيفية تعاملنا معه. فلنحرص أن يكون أداة تمكين لا استبدال، وأن نظل مفكرين لا متلقين، ليظل الإبداع البشري في قلب المعادلة، لا على هامشها.
*مدرب ومحاضر في القيادة والابتكار وريادة الأعمال