صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
خالد عبدالله سيار الحوسني
ماجستير في السياسة والتجارة الدولية
أحدث مقالات خالد عبدالله سيار الحوسني
30 أكتوبر 2025
وعي ذاتي للأعمال.. صناعة القرار الوطني

خالد الحوسني*

في زمن تتسارع فيه التحولات الاقتصادية، وتتعقد فيه سلاسل التوريد العالمية، لم يعد القرار التجاري شأنًا خاصًا بصاحبه، بل أصبح قرارًا وطنيًا يؤثر في استقرار الاقتصاد وقدرته على الصمود.
إن الوعي الذاتي لدى رجال الأعمال لم يعد ترفًا أخلاقيًا، بل ركيزة سيادية من ركائز الاقتصاد الحديث، تعكس مدى نضج المنظومة الوطنية في التعامل مع تحديات العولمة.
حين يختار رجل الأعمال موردًا خارجيًا بدل المحلي، فهو لا يقرر فقط في ميزانية شركته، بل يؤثر في ميزان المدفوعات الوطني وفرص العمل واستدامة الدورة الاقتصادية.
وكثير من الشركات الصغيرة والمتوسطة تغلق أبوابها، لأنها لا تجد الدعم من الشركات الكبرى، التي تبحث عن الربح السريع عبر الاستيراد، متجاهلة أن الخسارة الكبرى تقع على الاقتصاد الوطني نفسه، حين يتآكل نسيجه الإنتاجي المحلي.
إن الوعي الذاتي لا يُقاس بعدد الصفقات أو حجم الأرباح، بل بمدى إدراك صاحبه أثر قراراته على المجتمع والاقتصاد، وحين يدرك رجل الأعمال أن كل فاتورة شراء هي مساهمة في رسم مستقبل وطنه، يتحول العمل التجاري إلى عمل وطني بامتياز.
لقد نجحت برامج المحتوى المحلي في وضع الأطر التنظيمية والتحفيزية، لكن المرحلة القادمة، تتطلب الانتقال من الالتزام بالقوانين إلى القناعة بالرسالة، فالشراء من المورد المحلي ليس مجرد استجابة لشرط رقابي، بل هو استثمار وطني واعٍ في بيئة الإنتاج المحلية، وفي استدامة سلاسل القيمة، التي تحفظ استقلال الاقتصاد وتنوعه.
إن الوعي الذاتي هنا يعني أن يتحول معيار الشراء من الأرخص إلى الأجدر، ومن النسبة المطلوبة إلى الأثر الوطني المحسوس.
كما أن الشراء المحلي الواعي يسهم في تقليل البصمة الكربونية وتعزيز الاستدامة البيئية، محققًا قيمة اقتصادية ومجتمعية في آن واحد، ومكرسًا ثقافة ابتكار وطنية تنافس عالميًا بجودتها لا بحمايتها.
ليست الحكومة وحدها من تتحمل مسؤولية ترسيخ هذا الوعي، بل هناك منظومة متكاملة تشترك فيها الأطراف كافة:
* الدولة بسياساتها التحفيزية وتشريعاتها المرنة.
* غرف التجارة واتحادات الأعمال عبر برامج التدريب والإحصاءات والتحليل.
* الإعلام الاقتصادي والمستهلكون بتعزيز ثقافة التفضيل الوطني.
* رجال الأعمال أنفسهم في مقدمة الصف، فهم من يحوّلون النصوص إلى ممارسات، والسياسات إلى نتائج، والمفاهيم إلى واقع.
ويتسع مفهوم الشراكة في بناء الوعي، ليشمل المورد الذي يرفع جودة إنتاجه، والمصنع والتاجر اللذين يمنحان المورد المحلي الأولوية، حفاظًا على استقرار سلاسل الإمداد، والمستهلك الذي يختار المنتج الوطني بوعي ومسؤولية، ليصبح الجميع شركاء في استدامة الدورة الاقتصادية.
كما يمتد هذا الوعي إلى المستثمر الأجنبي، الذي يدرك أن دعم المورد المحلي ليس التزامًا إداريًا، بل استثمار في استقرار السوق الذي يعمل فيه وضمان لاستمرارية شراكته مع الاقتصاد الوطني.
كل يوم يتأخر فيه الوعي الذاتي تتراجع فيه القدرة التنافسية المحلية.
العالم يتغير بسرعة، ومن لا يمتلك رؤية اقتصادية وطنية قائمة على الوعي الذاتي سيجد نفسه غدًا مستهلكًا لا صانعًا، وتابعًا لا مؤثرًا.
إن الاستثمار في هذا الوعي اليوم هو استثمار في استقرار السوق واستدامة المكانة الاقتصادية للدولة.
توصيات موجزة لصنّاع القرار
1- إدراج مؤشر الوعي بالمحتوى المحلي، ضمن تقارير الأداء الوطني لقياس الأثر الفعلي لا الشكلي.
2 - ربط الحوافز الحكومية بمستوى الممارسات الواعية لا بنِسب الامتثال الورقية.
3 - إطلاق برامج اقتصادية توعوية لرجال الأعمال، حول أثر قرارات الشراء على الاقتصاد الكلي.
4- إبراز قصص النجاح المحلية كنماذج ملهمة في الإعلام الاقتصادي.
5- تحفيز الجودة والابتكار المحلي بوصفهما سلاح المنافسة لا مظلة الحماية.
حين يصبح القرار التجاري فعلًا وطنيًا، يتحول السوق إلى منظومة وعي جماعي، ويصبح كل عقد توريد أو عملية شراء مشاركة في صناعة مستقبل الدولة واقتصادها، فمن يشتري محليًا بعقل وضمير، يشارك في بناء أمة تكتفي بذاتها.. وتثق بقدرتها.
إن الوعي الذاتي للقطاع الخاص ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل خيار استراتيجي طويل المدى يختبر مدى إيمان المؤسسات برسالتها الوطنية، ويقيس قدرتها على تحويل الأرباح إلى استدامة، والمصلحة الخاصة إلى منفعة عامة.

* ماجستير في السياسة والتجارة الدولية

14 سبتمبر 2025
بين الخيال البشري والذكاء الاصطناعي.. ميلاد فكر جديد

خالد عبدالله سيار الحوسني*

الكاتب والذكاء الاصطناعي: من يملك الجوهر؟ في زمن تتسارع فيه التحولات التقنية بين الخيال البشري والذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال جوهري: من يملك جوهر الإبداع؟ الكتابة تظل فعلاً إنسانياً أصيلاً ينبع من خيال الكاتب، بينما يعمل الذكاء الاصطناعي على صقل الفكرة وترتيبها لتكون أكثر وضوحاً للمتلقي. كما غيّرت الطباعة والحاسوب مسار الحضارة، حيث يقف الذكاء الاصطناعي اليوم على أعتاب إعادة تشكيل الفكر الإنساني ويُستخدم بالفعل في العديد من الدول لدعم التعليم وتعزيز تجربة المعلمين والطلاب.
بين المشقة والإبداع
الكتابة تحتاج إلى جهد وصبر والذكاء الاصطناعي يخفف بعض هذه المشقة عبر تقليص المهام التقنية المتكررة وتوفير الوقت، لكنه لا يقلل من قيمة الكاتب، بل يحفزه على التركيز في جوهر النص والفكرة العميقة بدل الانشغال بالشكل وفي عصر ازدحام المعلومات، لم تعد الفكرة وحدها كافية، بل أصبحت طريقة عرضها وتأثيرها عنصراً حاسماً، هنا يظهر دور الذكاء الاصطناعي كوسيط يُعين الكاتب على تنظيم أفكاره وصياغتها بما يضاعف جاذبيتها وأثرها.
التكامل لا التبعية
العلاقة بين الكاتب والذكاء الاصطناعي ليست علاقة استبدال، بل تكامل، الكاتب يزود النص بالفكرة الجوهرية والإبداع الإنساني، فيما تضيف الأداة أبعاداً جديدة وتوسع دائرة الأثر وكما أحدثت الطباعة ثورة في نشر المعرفة، ثم جاء الحاسوب ليعيد تشكيل طرق التفكير والعمل، فإن الذكاء الاصطناعي اليوم ليس سوى امتداد طبيعي لتلك الرحلة، غير أن الأداة لا تلغي الحاجة إلى المهارة، فالكاتب الذي يترك كل شيء للآلة يفقد صوته الخاص، أما الذي يستخدمها بحكمة فيضاعف قدراته.
الذكاء الاصطناعي كرفيق معرفي
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد وسيلة تقنية، بل تحول إلى رفيق معرفي يعين الإنسان على استثمار وقته بأفضل ما يكون، يفتح نوافذ جديدة للتفكير ويوسّع المدارك ويتيح فرصة للتفرغ لما هو أعمق وأبقى وهنا يدرك المرء أن القيمة الحقيقية ليست في سرعة الأداة، بل في قدرتها على دفع العقل البشري نحو المزيد من الإبداع.
من الفرد إلى المجتمع
الدول والمؤسسات التي تتبنى الذكاء الاصطناعي في السياسات والتعليم تتقدم في سباق الاقتصاد المعرفي، بينما يتأخر من يكتفي بالانتقاد والانغلاق. وكما أحدثت الثورة الاصطناعية نقلة نوعية، فإن الثورة الرقمية القائمة على الذكاء الاصطناعي تفتح أفقاً لاقتصاد أكثر مرونة وابتكاراً، يقوده المبدعون ورواد الأعمال وتوظف بعض الدول الذكاء الاصطناعي في تصميم السياسات وتحليل البيانات، بينما تستثمر شركات القطاع الخاص فيه لتعزيز الابتكار والإنتاجية.
في التعليم وصناعة القرار
لم يعد دور الذكاء الاصطناعي مقتصراً على مساعدة الكُتَّاب والأفراد، بل أصبح عنصراً أساسياً في صياغة القرار وتقديم البدائل بسرعة تفوق قدرات الإنسان وفي التعليم، تحول إلى شريك معرفي يعيد تشكيل العلاقة بين المعلّم والطالب، حيث يتيح تخصيص التعلم وفق قدرات كل طالب ويزوّد المعلّم ببيانات دقيقة عن أدائهم، ما يجعل العملية التعليمية أكثر تفاعلية وثراءً ويتيح للجميع المشاركة في بناء المعرفة بدل الاقتصار على التلقين التقليدي.
إن الاعتقاد بأن النصوص تفقد قيمتها باستخدام الذكاء الاصطناعي يتجاهل حقيقة جوهرية: الفكرة تولد في العقل البشري والإبداع يمنحه الكاتب، بينما الأداة تظل جسراً لتوصيلها للآخرين. والسؤال الحقيقي ليس: هل سيحل الذكاء الاصطناعي مكان الكاتب؟، بل: كيف يمكن توظيفه ليمنح النص أثراً أوسع وبُعداً أعمق؟ على الكُتَّاب والمعلمين وصناع القرار استثمار الذكاء الاصطناعي بحكمة لتعزيز الإبداع والمعرفة، فالهدف هو خدمة الفكر الإنساني لا العكس.

[email protected]* ماجستير في السياسة والتجارة الدولية

7 سبتمبر 2025
الوسطية.. جسر الاستقرار وحصن المجتمع

خالد عبدالله سيار الحوسني*

في عالم تتصاعد فيه الصراعات الفكرية والسياسية وتتنازع فيه أصوات التطرف والانفتاح المفرط، تظل حاجة المجتمعات إلى بوصلة تحفظ توازنها واستقرارها أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، الوسطية ليست مجرد شعار أخلاقي، بل إطار عملي متين يستند إلى قول الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ «البقرة: 143»، إنها آية تختصر فلسفة البناء الاجتماعي المتوازن، حيث لا إفراط يفضي إلى الانغلاق ولا تفريط يؤدي إلى الذوبان. وقد أشار ابن كثير في تفسيره إلى ذلك بقوله: «وقد اجتمعت في هذه الأمة الفضائل كلها، فليس فيها غلو في الدين ولا تساهل في الحق، بل هي أمة قائمة على الاعتدال والوسطية في جميع أمورها».
تعدد الأطياف.. الإسلام، الأديان والعلمانية
الواقع الإنساني، سواء في الفضاءات الدينية أو العلمانية، يظهر أطيافاً مختلفة من الممارسة الفكرية يمكن تصنيفها في ثلاث اتجاهات رئيسية:
• المتشددون: يلتزمون بالنصوص أو المبادئ بجمود ويرفضون أي اجتهاد أو حوار، مما يؤدي إلى صدام مستمر مع الآخر. وهذا التشدد قد يجعل الفئات الضعيفة في المجتمع –ولا سيما ضحايا التنمّر، سواء الديني أو العلماني– أكثر عرضة للاستقطاب الخارجي.
• المفرطون في المرونة: يسعون إلى الانفتاح بلا حدود، ما يضعف الهوية والثوابت الأساسية، مثال ذلك بعض الحركات التي تتخلى عن قيمها التاريخية والدينية بحجة التطور وتتبنى كل ما يأتي من الخارج دون تمحيص، مما يُفقد المجتمع تماسكه وهويته الأصيلة.
* الوسطيون: يمثلون الفئة الأقدر على إدارة التنوع وبناء السلم الأهلي، يوازنون بين النص والعقل وبين الثوابت والمتغيرات، هذه الفئة هي التي قادت نهضات حضارية عبر التاريخ، مثلما حدث في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، حيث استوعب المسلمون علوم وفنون الأمم الأخرى وطوّروها بما يتوافق مع قيمهم.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن العلمانية لا تعني بالضرورة اللادينية، فقد يكون الشخص علمانياً في نظرته لعلاقة الدين بالسياسة، لكنه في الوقت نفسه مؤمناً ملتزماً في حياته الشخصية وهذا يميزها عن اللادينية التي تقوم على رفض المرجعية الدينية كلياً أو جزئياً
غياب الوسطية.. مخاطر الفوضى والتفكك
حين تغيب الوسطية، يصبح المجتمع عرضة لثنائية خطيرة:
* هيمنة التشدد: التي تولّد التطرف والعنف والإقصاء، كما شهدته بعض الدول التي غلبت فيها الخطابات الأصولية الصدامية.
* هيمنة الانفتاح المفرط: التي تفكك الهوية وتؤدي إلى الذوبان في ثقافات أخرى، وهو ما شهدته مجتمعات فقدت ثوابتها أمام موجات العولمة.
التاريخ الحديث يكشف أن المجتمعات التي لم تستطع بناء معادلة التوازن بين هذين القطبين، دخلت في دوامة من الصراعات الداخلية وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.
الوسطية ودور الشباب في العصر الرقمي
تتجلى أهمية الوسطية بشكل خاص في حماية الشباب من تحديات العصر الرقمي، ففي ظل سيولة المعلومات، قد ينجذبون إلى التطرف الذي يمنحهم شعوراً زائفاً بالقوة والانتماء، أو إلى الانفتاح المفرط الذي يفقدهم هويتهم ويوقعهم في تيه فكري، الوسطية هنا توفر للشباب مساراً آمناً يجمع بين الاعتزاز بالهوية والقدرة على التفكير النقدي، مما يحصنهم ضد الوقوع في فخ الانغلاق أو الذوبان.
الوسطية.. الجسر المشترك بين الأطراف
في ظل هذا الانقسام، يبرز الوسطيون كجسر حقيقي، فهم القادرون على التقاطع مع الطرفين:
* يجمعون بين العقلانية التي يسعى إليها المفرطون.
* وبين الحفاظ على الثوابت التي يتمسك بها المتشددون.
هذا التقاطع يجعل الوسطية عامل ربط يحول الاختلاف إلى طاقة إيجابية ويعيد تشكيل الانقسام إلى تنوع مثمر.
مأسسة الوسطية.. خطوات عملية
إن الوسطية ليست مجرد فكرة نظرية، بل يجب أن تتحول إلى منهج عملي متجذر في مؤسسات الدولة. يمكن تحقيق ذلك من خلال:
1. التعليم: إعادة صياغة المناهج الدراسية لتشمل قيم التسامح والحوار وتدريس تاريخ الحضارة الإسلامية من منظور وسطي يبرز إنجازاتها في العلوم والفنون، بعيداً عن النزعات الإقصائية، مع الموازنة بين الثوابت التي تحفظ الهوية والمتغيرات التي تواكب العصر.
o مثال: التجربة الماليزية في إدماج قيم التعددية الدينية ضمن المناهج التعليمية.
2. الإعلام: إنشاء منصات ومبادرات رقمية تدعم الخطاب الوسطي وتستقطب الشباب وتفكك الأفكار المتطرفة بمحتوى بديل جذاب.
3. المؤسسات الدينية والثقافية: دعم المؤسسات الرسمية والمراكز الفكرية لتكون بؤراً للإشعاع الوسطي.
4. التشريعات: مراجعة القوانين لضمان حماية التعددية الفكرية ومنع التحريض على الكراهية، مع الحفاظ على قيم المجتمع الأساسية.
مثال: القوانين الإماراتية لمكافحة التمييز والكراهية (2015).
ختاماً، الوسطية ليست مجرد حلٍّ وسط بين الإفراط والتفريط، بل بَوْصلة استقرار وضمانة لتنمية متوازنة، تحوّل التنوع من تهديد إلى طاقة إيجابية.
إنها خيار استراتيجي للدول، يجب أن يُترجَم إلى سياسات تعليمية وإعلامية وتشريعية وثقافية، فالمجتمعات التي اعتمدت الاعتدال والتسامح والهوية المنفتحة –مثل الإمارات وماليزيا– نجحت في تعزيز مكانتها وحماية مكتسباتها وعلى الحكومات اليوم أن تدرك أن الاستثمار في الوسطية هو استثمار في الأمن والاستقرار المستدام، وأن تحويلها إلى استراتيجية وطنية هو السبيل الأمثل لمواجهة التطرف والانفتاح المفرط.
*ماجستير في السياسة والتجارة الدولية

[email protected]

17 أغسطس 2025
الممر الاقتصادي بين أرمينيا وأذربيجان.. استثمار خليجي ذكي

تشهد منطقة جنوب القوقاز تحولات عميقة في ظل الصراعات الإقليمية المتشابكة والتنافس بين القوى الكبرى. في هذا السياق، يواجه الاتفاق الثلاثي بين الولايات المتحدة وأذربيجان وأرمينيا تحفظات من بعض الأطراف الإقليمية، ما يزيد من تعقيد المشهد. رغم ذلك، يبرز مشروع الممر الاقتصادي بين أرمينيا وأذربيجان كفرصة فريدة لتحويل نقطة توتر إلى منصة للتنمية والتعاون. وفي قلب هذه الرؤية، ينبثق مفهوم الممر العشري، الذي يمثل مساراً استراتيجياً يربط آسيا بأوروبا عبر قوى إقليمية كبرى، ما يفتح آفاقاً لتعزيز التكامل متعدد الأقطاب وإعادة تشكيل الموازين الاقتصادية والسياسية في المنطقة.
دروس من التاريخ: الشمولية شرط النجاح
تعلمنا من التاريخ أن نجاح الممرات التجارية الكبرى، مثل طريق الحرير، لم يكن مجرد نتيجة لبنية تحتية متطورة، بل ارتبط أساساً بشمولية الأطراف المعنية. فاستبعاد بعض الأطراف أدى إلى تصاعد التوترات وتقليص فرص التنمية. لذا، يتطلب نجاح مشروع الممر إشراك جميع الدول المعنية، مع بناء آليات تواصل شفافة تضمن مشاركة فعالة وتحقيق مصالح مشتركة، فضلاً عن إدارة مبكرة للمخاطر.
أدوار القوى الكبرى ودور الخليج
تتباين مصالح القوى الكبرى في المنطقة:
* تسعى الولايات المتحدة إلى تقليل اعتماد دول القوقاز على النفوذ الروسي، وتوجيه إشراك الصين ضمن توازنات مدروسة، مع الحد من تحالفات إيران–روسيا–تركيا، وتعزيز علاقاتها مع دول الخليج كموازن استراتيجي.
* تحاول روسيا الحفاظ على نفوذها التاريخي وتجنب العزلة عبر المشاركة البناءة.
* تعمل إيران على ترسيخ حضورها وضمان مصالحها الأمنية والاقتصادية.
* تطمح تركيا لتعزيز دورها كمركز لوجستي إقليمي.
* تسعى الصين لتوسيع نفوذها الاقتصادي عبر شبكة علاقات متعددة الأطراف.
* بينما توسع دول الخليج دورها الاستثماري والاقتصادي والدبلوماسي لتعزيز حضورها الإقليمي ودعم التعاون المتعدد الأطراف.
في ظل هذه الديناميكيات، تتضح الحاجة إلى معادلة الربح المشترك التي تحقق مكاسب استراتيجية واقتصادية لكل طرف، وتضمن استقراراً وتعاوناً مستداماً في المنطقة.
رصيد خليجي في صياغة التوازنات الإقليمية
تمتلك دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات والسعودية وقطر، رصيداً مالياً واقتصادياً وخبرة دبلوماسية متقدمة تؤهلها للعب دور محوري في إنجاح الممر. ويُفضل أن يكون التعاون الخليجي في هذا المجال تكاملياً، يقوم على التنسيق وتبادل الخبرات دون فرض قرارات موحدة صارمة، بما يضمن المرونة في مواجهة التحديات. كما يُستحسن تجنب المنافسة غير البنّاءة لضمان تحقيق مكاسب مشتركة مستدامة. ومن شأن هذا النهج، إذا ما نُفِّذ عبر أطر وهيئات خليجية منسقة، أن يعزز الثقة بين الأطراف المعنية ويوفر ضمانات استثمارية قوية، ما يسهم في جذب التمويل اللازم لتطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية للممر.
خطوات نحو تحقيق التكامل والتنسيق
لتحويل الرؤية إلى واقع، تُقترح الخطوات التالية:
* تأسيس لجنة استثمارية إقليمية مشتركة تضم جميع الدول المعنية لتعزيز التنسيق وتكامل الجهود.
* إطلاق صندوق استثماري مشترك يركز على تطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية الحيوية.
* اعتماد آليات دبلوماسية سريعة ومرنة لحل النزاعات المحتملة، بما يحفظ استقرار المشروع.
* وضع جداول زمنية واضحة ومؤشرات أداء دورية لضمان المتابعة والمراجعة المستمرة.
إدارة المخاطر وبناء الثقة
لا يقل أهمية عن التنفيذ الفعلي، وجود آليات واضحة لمنع استغلال الممر لأغراض عسكرية، وإنشاء خطوط اتصال أمنية بين الأطراف، بالإضافة إلى خطط بديلة في حالة رفض بعض الأطراف المشاركة. في هذا الصدد، تلعب الدبلوماسية الخليجية دور الوسيط النشط في احتواء الأزمات وتعزيز مسارات التعاون.
الممر العشري لإعادة تشكيل أوراسيا
يمثل الممر العشري فرصة استراتيجية لإعادة رسم خريطة النفوذ الاقتصادي والسياسي في أوراسيا. نجاحه يعتمد على إدارة شاملة ومتوازنة تدمج مصالح جميع الأطراف وتبنّي ضمانات واضحة. من خلال ذلك، يمكن للممر أن يعزز التنمية المستدامة ويخفض احتمالات الصراع، ويفتح آفاق تعاون جديدة بين القوى الإقليمية والعالمية، ليصبح رافعة استراتيجية تُعيد صياغة العلاقات في منطقة معقدة ومتنوعة.
* ماجستير في السياسة والتجارة الدولية

*[email protected]

3 أغسطس 2025
كيف مهّدت العواصم العربية الطريق لفرنسا؟

خالد عبدالله سيار الحوسني*

الاعتراف الفرنسي المرتقب بدولة فلسطين، لا يُعد استجابة ظرفية، بل يمثل ثمرة لمسار دبلوماسي عربي هادئ، قائم على التنسيق والتراكم، لا على المبادرات الانفرادية أو الخطاب الانفعالي.

إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عزمه اتخاذ هذه الخطوة رسمياً خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول المقبل، يعكس نضجاً سياسياً وأخلاقياً تبلور بفعل تفاعل عربي متكامل، اتّسم بالرصانة والفاعلية، بعيداً عن الاستعراض. وفي هذا الإطار، برزت الإمارات من خلال قوتها الناعمة، والسعودية بتحركها السياسي الوازن، وقطر بوساطاتها النشطة، ومصر بثقلها التاريخي، والأردن بمكانته القانونية، وسلطنة عُمان بحكمتها الدبلوماسية. وقد عملت هذه العواصم بتناغم ملحوظ، من دون سعي للتصدر، بل بروح جماعية تهدف إلى تثبيت منطق الحلول العادلة والمستدامة.

لماذا فرنسا؟

لم يكن التحرك العربي عشوائياً، بل كان موجّهاً نحو عاصمة أوروبية ذات ثقل سياسي وموقف متوازن نسبياً تجاه القضية الفلسطينية. فرنسا، كعضو دائم في مجلس الأمن، وقوة فاعلة في أوروبا، وإحدى دول مجموعة السبع، لطالما كانت أكثر استعداداً لسماع الصوت العربي العقلاني. ووفقاً لتصريح وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، فإن «فرنسا تؤمن بأن الاعتراف بدولة فلسطين هو خطوة ضرورية لإحياء آفاق السلام». ومع أن خطابها ليس جديداً، فإن ترجمة هذا الموقف إلى خطوة عملية تضع باريس في موقع ريادي يعزز المسار العربي دولياً.

الإمارات: تأثير صامت، لكنه فعّال

برز الدور الإماراتي الهادئ بفضل علاقاتها الاستراتيجية مع باريس في مجالات عدة. نقلت موقفاً عربياً متزناً داعماً للاعتراف كخطوة بناءة نحو الاستقرار، بعيداً عن المزايدات. وعلى الأرض، عززت هذا التأثير بمبادرات إنسانية خلال حرب غزة، مثل جسر جوي للمساعدات واستقبال الجرحى، ما لفت أنظار الإعلام الفرنسي. وعند إعلان ماكرون نيته، رحبت الإمارات رسمياً، ما يعكس تنسيقاً مسبقاً يركز على النتائج أكثر من الواجهة.

تناغم عربي متعدد الأطراف

إلى جانب الإمارات، لعبت السعودية دوراً سياسياً بارزاً من خلال اتصالاتها المباشرة مع باريس، تُوّجت بزيارة وزير خارجيتها قبيل الإعلان الفرنسي. أما قطر، فكان لها دور محوري في الوساطة الإنسانية، ونقل صوت الضحايا إلى المنابر الدولية، فيما ركزت مصر على تثبيت مرجعية حل الدولتين في خطابها الدبلوماسي داخل المحافل الدولية، وسلطنة عمان عززت المسار السياسي عبر قنواتها المباشرة، داعية لحلول سلمية لا تصعيدية، بينما وظّف الأردن مكانته القانونية والتاريخية في ملف القدس واللاجئين لدعم المسار العربي بأدوات دبلوماسية فعالة.

حين تحدّثت غزة بصمت

لم يكن الدافع الفرنسي سياسياً فقط، بل كان أخلاقياً أيضاً، بعد تصاعد صور المأساة في غزة، وخاصة قصف مستشفى الشفاء في إبريل/نيسان 2024، التي أثرت بعمق في الرأي العام الفرنسي.

وسائل إعلام ك France 24 وTV5Monde ساهمت في فتح نقاش حول «المسؤولية الدولية». العواصم العربية دعمت هذه اللحظة بالفعل الميداني عبر مساعدات وإجلاء طبي، ما مهد الأرضية النفسية والسياسية لخطوة باريس.

رفض الاختزال وتثبيت الرؤية الجماعية

سارع بعض المحللين إلى نسب الاعتراف لطرف عربي واحد، متجاهلين الجهود المتكاملة التي اشتغلت بصمت. السياسة الدولية تُبنى على تنسيق دقيق وصبر تراكمي، لا على ضغوط فردية أو صخب إعلامي. وقد برهنت الإمارات بتحركها الهادئ والمنظم أن التأثير الحقيقي يعتمد على الثقة والتوقيت. كما أكّد مقال صحيفة الخليج (6 يوليو/تموز 2025)، بعنوان: «ديناميات التباين في الإقليم العربي: بين الفرصة والتحدي»، أن التنوع في الأداء العربي فرصة للتكامل، لا للتنافس. وهذا يتجلى في مشهد الاعتراف الفرنسي كنتاج لحراك عربي جماعي متكامل.

ما الذي يمكن البناء عليه؟ الموقف الفرنسي يفتح الباب أمام حراك دبلوماسي عربي لدفع دول أوروبية أخرى لاتخاذ خطوات مماثلة. وإن كانت إيطاليا وألمانيا من بين الأسماء المطروحة، فإن استمرار النجاح مرتبط بقدرة العرب على الحفاظ على نسق جماعي يرتكز على التنسيق والتكامل بعيداً عن التنافس أو المبادرات الانفرادية، لأن الحضور الموحد والمتوازن هو ما يصنع الفارق الحقيقي في الساحات الدولية. فالاستمرار في الوحدة هو ضمان التأثير الحقيقي على مستوى السياسة الدولية.

خاتمة: حين يُصنع الفعل في الظلال

الاعتراف الفرنسي المرتقب ليس حدثاً لحظياً، بل نتيجة نضج سياسي وأخلاقي تراكمي شاركت فيه عدة عواصم عربية بحكمة وصمت. وإن كانت بعض الأطراف تركز على من يصرّح أكثر، فإن الفاعلين الحقيقيين هم من يعرفون متى يتحدثون ومتى يكتفون بالتأثير. ففي السياسة، كما في الظلال، كثيراً ما يكون الصمت هو من يوجّه النتيجة. وكما يُقال: «القوة الحقيقية تكمن في القدرة على التنسيق والعمل خلف الكواليس، وليس في التصريحات الصاخبة».

*ماجستير في السياسة والتجارة الدولية

[email protected]

22 يوليو 2025
مناورة التنازل.. استراتيجية حماية المصالح

خالد عبد الله سيار الحوسني*

في عالم تحكمه معادلات النفوذ وموازين الردع، لا يكون الصمود دائماً في المواجهة، ولا يُقاس الاستقلال السياسي برفع الصوت فقط. فالدول التي تُدرك فن إدارة التنازل، كما تناولته بعض مدارس السياسة الواقعية الحديثة (Waltz، 1979; Nye، 2004)، لا تُفرّط بالسيادة، بل تناور لحمايتها. هذا النوع من التنازل، المعروف في علم الاستراتيجية ب«التنازل الوقائي»، لا يصدر عن ارتباك أو تراجع، بل عن قراءة واعية للكُلفة والعائد، واستثمار ذكي للهامش الزمني لصناعة القرار.
حين تتنازل الدول، خصوصاً في ملفات حساسة، لا تفعل ذلك دائماً من موقع ضعف أو خضوع، بل قد يكون التنازل مظهراً من مظاهر القوة طويلة النفس، حين يُدرج ضمن استراتيجيات الاحتواء المرحلي أو تدوير الزوايا في وجه الضغوط الدولية أو التوازنات الإقليمية. التنازل في هذه الحال لا يُنظر إليه كفقدان موقف، بل كامتلاك زمام القرار وتوقيت الانحناء المؤقت للعاصفة، وهو ما يُعد في كثير من المدارس الاستراتيجية ذكاءً أكثر منه رضوخاً.
في التجربة الإماراتية، ثمة محطات عدة تؤكد توظيف هذا النهج بوعي سيادي. في الأزمة الخليجية، حين اختارت الدولة ضبط النفس وتمرير الرسائل بعيداً عن التصعيد الإعلامي، لم يكن ذلك تفريطاً في السيادة، بل ترسيخاً لها من خلال التماسك الداخلي والثقة في المسارات القانونية والدبلوماسية. وفي ملف التطبيع، لم يكن التوقيت ولا الأسلوب وليدي ضعف أو ضغط، بل تموضعاً استباقياً مدروساً استند إلى قراءات أوسع لمعادلات القوة في المنطقة.
المسألة إذاً ليست في طبيعة التنازل بل في سياقه. تنازل تحت الضغط الشعبي أو خوفاً من فقدان السيطرة يختلف جذرياً عن تنازل محسوب بميزان الأثر والمردود الاستراتيجي. ولهذا يُستحسن ألا يُحاكم القرار السيادي بمنطق العاطفة أو الانفعال الشعبي اللحظي، بل بمنهجية تقوم على ثلاثة أركان: أفق الرؤية، سلامة المؤسسات، وثبات المصلحة العليا.
هناك فارق بين «تقديم تنازلات» و«التنازل كنهج استسلامي». الأول تكتيك تلجأ إليه الدولة عندما ترى أن تحقيق الهدف في المرحلة الراهنة قد يترتب عليه كلفة أكبر من تأجيله، بينما الثاني تفريط واضح يفتح المجال لتآكل الهيبة أو فقدان الردع. التحدي الاستراتيجي يكمن في إبقاء التنازل ضمن حدوده الزمنية والمؤسساتية، دون تحوله إلى سابقة أو نمط متكرر.
الخطاب الإعلامي أو الشعبي الذي يُطالب الدولة بالكشف عن نواياها وأسرارها في كل موقف، يغفل أحياناً أن وضوح الموقف قد يضر بالموقف. التعتيم الاستراتيجي لا يعني التضليل، بل هو جزء من منظومة إدارة التعقيد. وعلى هذا الأساس، فإن الحفاظ على الغموض البنّاء في بعض القرارات يعزز قدرة الدولة على المناورة، ويمنحها هامشاً أكبر للمفاجأة أو تعديل المسار من دون كلفة سياسية عالية.
ولذلك، لا يُنصح على المستوى الشعبي بتفسير كل تنازل على أنه ضعف، ولا على الدولة بكشف كل أبعاد خطواتها. فالتوازن بين السرية والشفافية، وبين الرسائل الداخلية والقرارات السيادية، هو ما يصنع السياسة الرصينة لا الصاخبة.
بناءً عليه، فإن التعامل الاستراتيجي مع مفهوم التنازل يقتضي ما يلي:
1- تطوير وحدة داخلية لتحليل القرارات ذات الأثر السيادي ضمن مجلس السياسات العليا، بهدف مراجعتها وفق مصفوفة كلفة/منفعة غير ظاهرة للعامة.
2- اعتماد آلية اتصال سيادي محكّمة، تُصدر إشارات مدروسة تكفي لإشغال الفراغ الإعلامي من دون كشف التكتيك أو إضعاف الموقف.
3- الحرص على ربط كل تنازل بمراجعة دورية تضمن عدم تحوله إلى واقع دائم، مع تضمين ذلك في التقييم السيادي للأثر الشامل.
في المقابل، يجب الحذر من ثلاثة أخطاء:
1- أولها، تقديم التنازل كمنجز من دون ربطه بالأثر المتوقع، ما يفتح باب السخرية أو التشكك.
2- ثانيها، تبرير التنازل داخلياً بلغة إنشائية تفتقر إلى العقلانية، ما يُفقد القرار عمقه.
3- ثالثها، الانزلاق إلى شخصنة القرار، مما يربطه بمرحلة أو إدارة أو قائد من دون ربطه بالمؤسسات والسيادة الوطنية.
ليس كل تنازل ضعفاً، كما أن كل تشدد ليس قوة. فالدول الرشيدة تُحسن حساب اللحظة التي تنحني فيها لتُعيد التموضع، لا لتنكسر. وفي سياقات التنافس الإقليمي والدولي، تصبح المناورة عبر التنازل المؤقت أداة فعّالة لصيانة المصالح العليا، حين تُدار ضمن هندسة مؤسسية لا تتنازل عن جوهر السيادة، وإن بدت مرنة في الشكل والتوقيت.

[email protected]

*ماجستير في السياسة والتجارة الدولية