في عالم تتسارع فيه التحولات، وتتشابك فيه التحديات الاقتصادية والتقنية والجيوسياسية بصورة غير مسبوقة، لم يعد التميز الحكومي ترفاً تنافسياً، بل ضرورة استراتيجية تحدد قدرة الدول على البقاء في صدارة المشهد العالمي. وفي خضم هذا الواقع، تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة تقديم نموذج حوكمة استثنائي، يقوم على الاستباقية والمرونة والجاهزية، وهو ما تجلى مجدداً بتصنيفها ضمن أكثر عشر حكومات كفاءة وفاعلية على مستوى العالم في مؤشر «تشاندلر للحكومات الرشيدة 2026».
هذا الإنجاز، الذي جاء ضمن تقييم شامل ل133 دولة، ليس مجرد رقم يُضاف إلى سجل المؤشرات الدولية، بل ترجمة عملية لرؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، ومتابعة أخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة. رؤية أعادت تعريف العمل الحكومي وفق منطق مختلف، يتعامل مع الحكومة بوصفها أداة استراتيجية لصناعة المستقبل واستباق المتغيرات، ويترجم الطموحات الوطنية إلى إنجازات ملموسة تلامس الإنسان مباشرة.
ولفهم عمق ما تحقق، يحسن التوقف عند المعايير التي يقوم عليها المؤشر. فهو يستند إلى سبعة محاور رئيسية تضم 35 مؤشراً فرعياً، تشمل القيادة والاستشراف، وقوة المؤسسات والسياسات، وكفاءة إدارة الموارد، وجاذبية الأسواق، والتأثير العالمي، والسمعة الوطنية، والدبلوماسية الدولية. وهي معايير لا يمكن التفوق فيها بإجراءات شكلية، بل تتطلب منظومة عمل متكاملة تجمع بين وضوح الرؤية وكفاءة التنفيذ، وبين التخطيط بعيد المدى والاستجابة السريعة للمستجدات.
اللافت في الأداء الإماراتي أنه لم يحقق تقدماً عاماً فحسب، بل تصدر العالم في مؤشرات حيوية، أبرزها: الابتكار الحكومي، والقدرة على تحديد الأولويات الاستراتيجية، والمرونة في تطبيق الخطط، وفائض ميزانية الدولة. هذه المراتب الأولى عالمياً تكشف عن نمط حوكمة فريد، يقرأ المستقبل قبل وقوعه، ويخطط بعقلية مرنة لا تتجمد عند خطة واحدة، بل تتكيف مع المستجدات من دون أن تفقد بوصلتها، ويوظف الموارد بكفاءة تضمن استدامة الإنجاز.
ولا يقل أهمية حصول الدولة على المرتبة الثانية عالمياً في الرضا عن الخدمات الحكومية، والقدرة على التكيف، والتوظيف. فهذه المؤشرات انعكاس مباشر لأثر السياسات في حياة الإنسان، وهو الجوهر الذي تنطلق منه الرؤية الإماراتية.
فالحكومة الناجحة ليست تلك التي تحقق أرقاماً في التقارير، بل التي ينعكس أداؤها على جودة حياة المواطن والمقيم، وعلى ثقة المستثمر، وعلى قدرة الدولة على استقطاب الكفاءات والمواهب العالمية وتوفير بيئة محفزة للإبداع والإنتاج.
كما أن المرتبة الثالثة عالمياً في الرؤية طويلة المدى وكفاءة التنسيق المؤسسي تؤكد أن العمل الحكومي لم يعد قائماً على جهود منفصلة، بل ضمن منظومة متكاملة تعمل بانسجام نحو أهداف مشتركة. وهذا التكامل المؤسسي هو ما يفسر سرعة الإنجاز وقدرة الدولة على تحويل الرؤى الكبرى، مثل «نحن الإمارات 2031»، إلى مخرجات ملموسة، وإلى مشاريع تحولية تعيد تشكيل القطاعات الحيوية وتفتح آفاقاً جديدة للنمو.
ما يميز هذا الإنجاز أنه يأتي في مرحلة عالمية بالغة التعقيد، حيث تتراجع كفاءة كثير من الحكومات أمام أزمات متتالية. وفي هذا السياق، يصبح بقاء الإمارات في الصدارة دليلاً على أن نموذجها ليس وليد ظروف استثنائية، بل ثمرة بناء مؤسسي متراكم، تقوده قيادة استثنائية تؤمن بأن المستقبل يُصنع بالعمل لا بالانتظار، وأن الفرص تُهندَس بقرارات جريئة ورؤية واضحة، وبثقافة عمل لا تعرف المستحيل.
ويعكس هذا الأداء قناعة راسخة بأن التميز الحكومي ليس حدثاً عابراً، بل ممارسة يومية تترجمها فرق العمل الوطنية في كل قطاع. فالنتائج التي تحققها الإمارات اليوم لم تكن لتظهر لولا ثقافة مؤسسية تجعل من الجودة معياراً ثابتاً، ومن الابتكار خياراً يومياً، ومن الإنسان غاية ووسيلة. وهذه الثقافة هي التي تصنع الفرق بين حكومة تنجز مهامها، وحكومة تصنع نموذجاً يُدرَّس عالمياً.
كما يعكس هذا الأداء حقيقة مهمة: أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان. فالمراتب المتقدمة في التوظيف والخدمات الحكومية ليست نتيجة للسياسات وحدها، بل لاستثمار طويل المدى في الكفاءات الوطنية، وفي ثقافة عمل تجعل من خدمة الناس غاية لا مجرد وظيفة، ومن رضا المتعامل مقياساً حقيقياً لنجاح أي مبادرة.
في المحصلة، يحمل تصدّر الإمارات مؤشر تشاندلر رسالة أعمق من مجرد تصنيف دولي. فهو إعلان بأن نموذج الحوكمة الإماراتي قابل للقياس والمقارنة عالمياً، وأنه يقدم نفسه مرجعاً يُحتذى في بناء حكومات المستقبل. وهو في الوقت ذاته التزام بمواصلة الطريق، لأن الريادة في الحوكمة ليست محطة وصول، بل مسار متجدد، تؤكد فيه الإمارات يوماً بعد يوم أن صناعة المستقبل خيار وطني راسخ، وأن الطموح الإماراتي لا سقف له ما دامت القيادة تُلهم والإنسان يُبدع.
تكشف قراءة المشهد الإقليمي الراهن أن النظام الإيراني ما زال يصرّ على السير في طريق الأزمات، متجاهلاً كل الدعوات العاقلة إلى التهدئة واحترام قواعد حُسن الجوار. فالسلوك القائم على التهديد واستهداف أمن دول الخليج العربي بالصواريخ والطائرات المسيّرة لا يمكن وصفه إلا بأنه عدوان مرفوض، يهدد أمن المنطقة واستقرارها، ويفتح الباب أمام مخاطر لا تقف عند حدود دولة بعينها، بل تمتد آثارها إلى الملاحة والاقتصاد والطاقة والأمن الدولي.
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في حادثة عابرة أو توتر محدود، بل في نهج سياسي وأمني متكرر يقوم على استخدام القوة والضغط والتهديد بدلاً من الحوار المسؤول. فحين تتحول الجغرافيا إلى ساحة ابتزاز، وحين تصبح الممرات البحرية وأمن المدنيين وأمن الدول أدوات في حسابات سياسية ضيقة، فإن ذلك يعني أن المنطقة أمام سلوك خطير لا يجوز التقليل من شأنه أو التعامل معه باعتباره مجرد خلاف سياسي قابل للتطبيع اللفظي.
لقد أثبتت دولة الإمارات العربية المتحدة، ومعها دول الخليج العربية، أن خيارها الثابت هو الاستقرار، وأن قوتها لا تعني الاندفاع إلى التصعيد، بل القدرة على حماية السيادة، وضبط النفس، والتمسك بالقانون الدولي. وهذا الموقف لا يعكس ضعفاً أو تردداً، بل يعكس ثقة دولة تعرف جيداً كيف تحمي أمنها، وفي الوقت نفسه لا تسمح بأن تُجرّ المنطقة إلى فوضى أوسع يدفع ثمنها المدنيون والشعوب والاقتصادات.
إن العدوان الإيراني، بمختلف صوره، يضع النظام الإيراني أمام مسؤوليته السياسية والقانونية والأخلاقية. فالدول لا تُبنى بالتهديد، ولا تُدار العلاقات الإقليمية عبر الصواريخ والمسيّرات، ولا يمكن لأي نظام أن يفرض نفوذه على محيطه من خلال الخوف. إن احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وتسوية النزاعات بالطرق السلمية ليست شعارات دبلوماسية، بل قواعد أساسية لاستقرار النظام الدولي.
ومن هنا تأتي أهمية الموقف الإماراتي القائم على الجمع بين الصلابة والحكمة. فالإمارات العربية المتحدة لم تكن يوماً دولة تصعيد أو مغامرات، بل دولة بناء وتنمية وسلام، تؤمن بأن الردع الحقيقي لا يكون فقط بالجاهزية العسكرية، بل أيضاً بقوة المؤسسات، ووضوح الموقف، وحضور القانون، وتوثيق الانتهاكات، وإعداد الملفات التي تضمن عدم إفلات المعتدي من المساءلة. فحين تقع الاعتداءات، لا تكون المعركة عسكرية فقط، بل تبدأ أيضاً معركة الحقيقة والوثيقة والدليل.
إن توثيق الجرائم والانتهاكات ليس عملاً إجرائياً فحسب، بل هو واجب سيادي ورسالة سياسية واضحة، أن أمن دول الخليج العربي ليس مباحاً، وأن المدنيين ليسوا ورقة ضغط، وأن القانون الدولي لا يجوز أن يبقى صامتاً أمام سلوك يهدد الاستقرار الإقليمي. فالعدالة لا تقوم على الانفعال، بل على الأدلة، ولا تُبنى على الخطابات، بل على الملفات القانونية المتماسكة.
ويخطئ النظام الإيراني إذا اعتقد أن الاعتداءات أو التهديدات قادرة على كسر إرادة دول الخليج العربية أو فرض واقع جديد عليها. فقد أثبتت التجارب أن الأزمات تزيد دول الخليج تماسكاً، وأن أمنها المشترك ليس عبارة بروتوكولية، بل حقيقة استراتيجية. فالاعتداء على أمن دولة خليجية هو تهديد لأمن المنظومة كلها، وأي محاولة لزعزعة استقرار المنطقة ستواجه بموقف واضح، رصين، وحازم.
إن ما يميز الموقف الإماراتي أنه يستند إلى إرث راسخ من الحكمة السياسية، أساسه احترام الجوار، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، والانحياز إلى الحلول السلمية، من دون التفريط في السيادة أو التهاون مع العدوان. وهذه المعادلة هي التي تمنح السياسة الإماراتية قوتها: قوة لا تبحث عن الحرب، لكنها لا تسمح بالاعتداء، وحكمة لا تبرر أخطاء المعتدي، لكنها تمنع الانزلاق إلى ردود غير محسوبة.
ولا ينبغي أن يُفهم ضبط النفس الخليجي على أنه قبول بالأمر الواقع. فالصبر السياسي له حدود، واحترام القانون الدولي لا يعني ترك المعتدي بلا حساب. بل إن الدول الرشيدة هي التي تختار أدواتها بعناية، وتدير الأزمات بعقل بارد، وتحافظ على حقها في الدفاع عن أمنها وسيادتها وفق القواعد المشروعة.
إن المنطقة اليوم أمام اختبار جديد: إما أن تنتصر لغة الدولة والقانون والسيادة، وإما أن يُترك المجال لمنطق الميليشيا والتهديد والابتزاز. ولا شك أن دول الخليج العربية اختارت الطريق الصحيح، طريق حماية الأمن، وصون المدنيين، والدفاع عن الاستقرار، وبناء الشراكات مع الدول التي تحترم السيادة وتدرك أن أمن الخليج جزء من أمن العالم.
إن دول الخليج العربية لا تطلب أكثر من حقها الطبيعي في الأمن والاستقرار والسيادة. لكنها في المقابل لن تقبل أن يكون أمنها ساحة اختبار لأحلام النفوذ أو أوهام السيطرة. فزمن فرض الإرادة بالقوة قد انتهى، ومن يريد علاقة طبيعية مع محيطه فعليه أن يبدأ من القاعدة الأولى: احترام سيادة الدول، ووقف العدوان، والعودة إلى منطق الدولة لا منطق التصعيد.
لم يعد مصطلح «الدولة الشقيقة» في الخطاب السياسي الإماراتي وصفاً عاطفياً تقليدياً، أو امتداداً آليّاً لرابطة اللغة والجوار والدين، بل أصبح مفهوماً سيادياً أكثر اتساعاً، يربط الأخوّة بالفعل السياسي المسؤول، وبالموقف الواضح ساعة الاختبار، وبالالتزام المشترك بالقانون الدولي، وحماية الاستقرار. وفي العلاقات الدولية، لا تُقاس قوة الروابط بما يقال في المناسبات فقط، بل بما يترجم إلى دعم، وتنسيق، وشراكة، واحترام متبادل عند الأزمات.
تقليدياً، ارتبطت عبارة الدول الشقيقة في المجال العربي بروابط قومية وتاريخية وإنسانية عميقة. وهذه الروابط باقية في مكانها، ولا تنتقص منها أيّ قراءة جديدة. فالإمارات نشأت وهي تؤمن بأن محيطها، الخليجي والعربي، هو امتداد طبيعي لأمنها، وهويتها، ومصالحها. لذلك ظلت العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي، وسواها من الدول العربية، قائمة على معنى أصيل للأخوّة، يتجاوز البروتوكول إلى وحدة المصير والتضامن في الشدائد.
غير أن المصطلح في العلاقات الدولية أوسع من دلالته اللغوية. ففكرة العلاقات الشقيقة، كما تظهر في تجارب الدول عبر التاريخ، تقوم على بناء روابط طويلة المدى بين المجتمعات والمؤسسات، وتبادل الخبرات، التعليمية والثقافية والاقتصادية، وتعميق الاتصال بين الشعوب. لذلك، فإن «الشقيقة» في القراءة السياسية الحديثة ليست صفة نسب، بل صيغة ثقة. هي دولة تفتح قنوات تعاون منتظمة، وتحترم المصالح المتبادلة، وتتعامل مع أمن الشريك بوصفه جزءاً من أمن أوسع.
لكن التجربة الإماراتية أضافت إلى هذا المفهوم بعداً معاصراً. فالدولة الشقيقة لم تعُد بالضرورة هي الدولة التي تشترك معنا في اللسان وحده، بل هي أيضاً الدولة التي تتقاطع معنا في القيم الكبرى: احترام السيادة، رفض الاعتداء، صون المدنيين، تغليب الحوار، حماية الاقتصاد العالمي، وبناء التنمية المستدامة. بهذا المعنى تصبح الأخوّة علاقة مسؤولية لا علاقة مجاملة، وموقفاً عملياً لا وصفاً إنشائياً.
وقد ظهر هذا الاتجاه بوضوح خلال مرحلة الاعتداءات الإيرانية السافرة التي استهدفت دولة الإمارات العربية المتحدة، وعدداً من دول المنطقة. ففي تلك اللحظة، تكشفت خريطة الأشقاء الحقيقيين: دول عربية وقفت بموقف موحد يدين الاعتداء ويدعم حق الدولة في حماية سيادتها وأمنها، ودول صديقة من خارج الإقليم أعلنت تضامنها، ورفضت المساس بأمن الإمارات، ودعت إلى وقف التصعيد والعودة إلى المسار السياسي. هنا أعادت الإمارات توصيف المفهوم بهدوء وحكمة: الشقيق هو من يقف معك دفاعاً عن القانون، لا من يكتفي بالعبارة الدبلوماسية.
هذه القراءة لا تدفع نحو الاستقطاب، بل نحو ضبط معايير العلاقات. فالإمارات لا تبني سياستها الخارجية على الانفعال، وإنما على مبادئ ثابتة أرساها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، وتستمر قيادتنا الرشيدة في اتباعها، وفي مقدمتها العدالة، وحسن الجوار، وعدم التدخل، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، ودعم المؤسسات الدولية. لذلك جاء الموقف الإماراتي في الأزمة متوازناً: صلابة في حماية السيادة، وحكمة في الدعوة إلى الحوار، وحرص على أمن جميع المقيمين والزائرين، على أرض الدولة.
من هنا تتضح دلالة التوسيع الإماراتي لمفهوم «الدول الشقيقة». فهو ليس تخلياً عن العروبة، بل ترقية لمعناها في عالم مترابط. الأخوّة العربية أساس راسخ، غير أن الأخوّة السياسية الحديثة تضيف إليها الشراكة الموثوقة. لذلك يمكن فهم وصف الإمارات لجمهورية كوريا الشقيقة، والتي تطورت إلى شراكة استراتيجية خاصة، وتعمقت في الطاقة والتكنولوجيا والدفاع والتجارة. كما يمكن فهم العلاقات مع دول أوروبية، وآسيوية، وإفريقية، وأمريكية، باعتبارها جسوراً لأخوّة الموقف، حين تلتقي المصالح المشروعة مع المبادئ.
والأهم، أن هذا التوصيف لا يُمنح اعتباطاً. فالدولة التي تقف إلى جانب الإمارات وقت الخطر، وتدين الاعتداء بوضوح، وتؤكد احترام سيادة الدولة وسلامة أراضيها، وتساند العودة إلى الحوار الجاد، تقدم برهاناً عملياً على شراكتها. ولذلك تحضر في الخطاب الإماراتي مفردتا «الشقيقة» و«الصديقة» جنباً إلى جنب، ثم ترتقي بعض العلاقات إلى معنى أعمق، حين تثبتها المواقف، وتترجمها الاتفاقيات، وتدعمها المصالح المشتركة في الأمن، والتجارة، والطاقة، والابتكار.
إن المرحلة الراهنة تثبت أن العلاقات الدولية لا تُدار بالشعارات، بل بالمصداقية. ومن يقف مع الإمارات في مواجهة تهديد أمنها، ويؤيد حقها المشروع في الدفاع عن سيادتها، ويحترم نهجها الداعي إلى الحلول الدبلوماسية، يكتسب في الوجدان السياسي الإماراتي منزلة تتجاوز الصداقة التقليدية. أما من يراهن على الصمت أو الالتباس، فإنه يضع نفسه خارج دائرة الثقة الاستراتيجية. ومن هذا المنظور، تصبح اللغة الدبلوماسية مرآة لحسابات دقيقة، لا زينة خطابية عابرة، ولا وعداً مجانياً بلا مضمون.
إعادة مفهوم الدول الشقيقة، وفق الرؤية الإماراتية، تعني بناء عالم أكثر وضوحاً: شقيقنا من يحترم سيادتنا كما نحترم سيادته، ويحمي الاستقرار معنا، ويجعل من التعاون طريقاً للأمن والتنمية، تعرف أن الأخوّة لا تولد من الكلمات، بل تثبتها المواقف.
[email protected]
باحث دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر
لم يعد ما حدث في إسلام آباد مجرد تفصيل دبلوماسي عابر يمكن تجاوزه أو تفسيره على أنه خلل في التنسيق. المشهد أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام لحظة تكشف بوضوح أن الأزمة بين واشنطن ونظام طهران لم تعد قابلة للإدارة عبر القنوات التقليدية، وأن فكرة «الجلوس إلى طاولة التفاوض» نفسها أصبحت محل نزاع، لا وسيلة للحل.
المغادرة الإيرانية دون لقاء، وإلغاء الزيارة الأمريكية، لا يبدوان كحادثتين منفصلتين، بل كرسالتين متقابلتين تؤكدان أن التفاوض لم يعد أولوية في هذه المرحلة. بل إن كل طرف يسعى إلى إعادة تعريف شروط الدخول فيه من الأساس. وفي هذا السياق، يظهر السلوك الإيراني بوصفه اتجاهاً تصعيدياً يعتمد على خلق الأزمات وتوظيفها سياسياً، أكثر من كونه سعياً فعلياً لاحتوائها أو معالجتها.
في القراءة السطحية، قد يبدو الأمر مجرد تعثر في ترتيب لقاء. لكن عند التدقيق، يتضح أننا أمام انتقال من «اختبار النوايا» إلى «فرض الشروط». إيران ترفض التفاوض تحت الضغط، لكنها في المقابل تمارس أدوات ضغط مضادة بوسائل غير مباشرة، سواء في المجال البحري أو عبر أدوات غير تقليدية أو من خلال التصعيد الإعلامي. هذه ليست دبلوماسية تقليدية، بل إدارة صراع بأسلوب مركب، يعتمد على المناورة والغموض كوسيلتين لتعزيز الموقف التفاوضي.
في المقابل، تتعامل الولايات المتحدة بمنطق مختلف: الضغط أولاً، ثم التفاوض كنتيجة. أي أن المسار الدبلوماسي، من وجهة نظرها، يجب أن يكون امتداداً لفاعلية أدوات الضغط، لا بديلاً عنها. هذا التباين لا يخلق فجوة تفاوضية فقط، بل يصنع بيئة مغلقة لا تسمح حتى ببدء حوار جاد، ويجعل كل خطوة محسوبة ضمن معادلة القوة لا ضمن منطق التسوية.
الدور الباكستاني، رغم أهميته الجيوسياسية، اصطدم بحقيقة أساسية: الوسيط لا يستطيع فرض إرادة التفاوض إذا لم تكن الأطراف مستعدة نفسياً وسياسياً. وهذا يعكس تحولاً في مفهوم الوساطة نفسه. لم تعد الوساطة قناة مفتوحة لتقريب وجهات النظر، بل أصبحت محكومة بحسابات السيادة والرمزية السياسية وتوازنات القوة. أي وسيط اليوم يعمل داخل هامش ضيق جداً، أقرب إلى «منع الانفجار» منه إلى «تحقيق اختراق».
العقدة الأكثر تعقيداً تبقى في مضيق هرمز. هنا تتحول الجغرافيا إلى أداة ضغط مباشرة. استخدام هذا الممر الحيوي كورقة ضغط يضع المنطقة أمام مستوى مرتفع من المخاطر، ويُخرج إدارة الأزمة من إطارها السياسي إلى نطاق التأثير الاقتصادي العالمي. في هذا السياق، لا يوجد مجال لحلول وسط تقليدية، لأن كل طرف يختبر قدرة الآخر على الصمود. وهذا النوع من الصراعات لا يُحسم سريعاً، بل يُدار بمنطق الاستنزاف الطويل الأمد.
أما الملف النووي، فيبقى جوهر الصراع ومحوره الحقيقي. فالغموض المحيط به، ومستوى الشفافية المحدود في التعاطي مع الجهات الدولية، يثيران قلقاً يتجاوز حدود طرف واحد، ويمتد إلى الإقليم بأكمله. وهنا تكمن الإشكالية: أي تسويات غير دقيقة أو مرحلية قد لا تُنهي الأزمة، بل تؤجلها وتعيد إنتاجها بشكل أكثر تعقيداً في المستقبل.
من زاوية إدارة المخاطر، ما نشهده هو حالة «توازن هش». لا حرب شاملة، ولا سلام مستقر. حالة وسطية، لكنها عالية الخطورة، لأنها تخلق بيئة مليئة بالاحتمالات غير المحسوبة. خطأ صغير، حادث عرضي، أو تقدير خاطئ قد يدفع الأمور إلى مسار تصعيدي يصعب احتواؤه.
في بيئة يغلب عليها الشك، تصبح كل مبادرة موضع اختبار، وكل خطوة تُفسَّر ضمن حسابات تكتيكية، لا كبداية لمسار حل. ومع تراجع مستويات الثقة تفقد الدبلوماسية قدرتها على البناء التراكمي، وتتحول إلى سلسلة من التحركات المحدودة التي تفتقر إلى العمق الاستراتيجي.
من المرجح أن يستمر هذا النمط في المرحلة المقبلة: «إدارة التوتر» بدلاً من حله. سيظهر التصعيد بشكل محدود ومحسوب كأداة ضغط، وستتبعه تهدئات مؤقتة تهدف إلى منع الانفلات، لا إلى إنهاء الأزمة. هذه الدورة قد تتكرر من دون أن تقترب الأطراف فعلياً من تسوية حقيقية.
في هذا السياق، يصبح خفض التصعيد مسؤولية مباشرة على الأطراف المعنية، خاصة في ما يتعلق باستخدام الممرات الحيوية كورقة ضغط. ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة ترتبط باستقرار الاقتصاد العالمي وأمن الإمدادات. كما أن معالجة الخلافات يجب أن تتم ضمن أطر مباشرة وواضحة، بعيداً عن نقل التوتر إلى نطاقات أوسع تزيد من تعقيد المشهد.
ما جرى في إسلام آباد ليس نهاية مسار، بل بداية مرحلة أكثر تعقيداً. مرحلة لا توجد فيها طاولة تفاوض واضحة، ولا مخرج قريب، وسط تزايد الضغوط الإقليمية والدولية، في ظل غموض المشهد وتباين حسابات الأطراف، فأي انزلاق نحو التصعيد لن يُقرأ كخطأ عابر، بل كقرار محسوب تتحمل نتائجه الجهة التي اختارت اختبار حدود الاستقرار في منطقة لم تعد تحتمل المغامرات.
* باحث دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر
لم يعد التحدي اليوم في قدرة الحكومات على إدارة الحاضر، بل في قدرتها على استباق المستقبل وصياغة ملامحه قبل أن يفرض نفسه. وفي هذا السياق، تقدم دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً مختلفاً في التفكير والعمل، حيث لا تكتفي بمواكبة التحولات العالمية، بل تسعى إلى إعادة تعريف قواعد العمل الحكومي بما يتناسب مع عالم سريع التغير، عالي التعقيد، ومفتوح على احتمالات غير تقليدية.
في ظل قيادتنا الرشيدة، تنطلق الدولة نحو مرحلة جديدة من العمل الحكومي، تقوم على فهم عميق لطبيعة هذه التحولات، وإدراك بأن الأدوات التقليدية لم تعد كافية لإدارة واقع متغير. هذا التحول لا يأتي في إطار تطوير شكلي، بل ضمن إعادة صياغة شاملة لأولويات الحكومة، بما يضمن جاهزيتها المستمرة وقدرتها على تحقيق أثر ملموس ومستدام.
الجاهزية للمستقبل، كما تطرحها دولة الإمارات العربية المتحدة، لم تعد مفهوماً نظرياً يُدرج ضمن الخطط، بل ممارسة يومية متجذرة في منهج العمل الحكومي. فهي تقوم على بناء قدرة مؤسسية مرنة، قادرة على التنبؤ بالتحديات والاستعداد لها قبل أن تتحول إلى أزمات، إلى جانب الاستثمار في الإنسان والمعرفة والتقنيات الحديثة التي تدعم اتخاذ القرار. هذه الجاهزية لا تمنح الدولة فقط القدرة على التكيف، بل تمنحها ميزة تنافسية تجعلها أكثر قدرة على التحرك بثقة في بيئة عالمية متقلبة.
وفي هذا الإطار، جاء «ملتقى الأولويات الحكومية القادمة» ليجسد هذا النهج على أرض الواقع. فاجتماع أكثر من 40 جهة اتحادية لم يكن مجرد تنسيق مؤسسي، بل خطوة استراتيجية لإعادة تقييم مسار العمل الحكومي وفق معايير دقيقة تركز على الأثر والأولوية. هذا التوجّه يعكس انتقالاً واضحاً من قياس الأداء بالإنجازات الشكلية إلى قياسه بالنتائج الفعلية التي تنعكس على المجتمع والاقتصاد.
كما يعكس هذا التوجّه قناعة راسخة بأن التحديات العالمية المتسارعة تفرض على الحكومات تطوير أدوات تفكيرها قبل أدوات عملها. فالتغيرات الاقتصادية، والتطورات التكنولوجية، وتعقيدات المشهد الدولي، تجعل من المرونة في تحديد الأولويات ضرورة استراتيجية. ومن هنا، تتبنّى الدولة نموذجاً حكومياً قادراً على إعادة ترتيب أولوياته بشكل مستمر، بما يتناسب مع المستجدات ويعزز تنافسيتها.
ويبرز في هذا السياق التحول نحو التكامل المؤسسي، حيث لم تعد الجهات الحكومية تعمل في مسارات منفصلة، بل ضمن منظومة موحدة تتكامل فيها الجهود لتحقيق أهداف مشتركة. وقد عكس الملتقى هذا التوجّه من خلال تطوير نماذج تكاملية لمشاريع حكومية، تسهم في تسريع الإنجاز، وتقليل الازدواجية، وتوجيه الموارد نحو المبادرات الأكثر تأثيراً.
كما أن التركيز على المشاريع التحولية يعكس إدراكاً استراتيجياً لطبيعة المرحلة المقبلة، حيث لا تكتفي الدولة بتحسين ما هو قائم، بل تسعى إلى إحداث نقلات نوعية تعيد تشكيل القطاعات الحيوية وتفتح آفاقاً جديدة للنمو الاقتصادي والاجتماعي. ويرتبط هذا التوجّه برؤية القيادة الرشيدة في بناء اقتصاد متنوع ومستدام، وتعزيز مكانة الدولة كمركز عالمي في مجالات الابتكار والاقتصاد الرقمي.
ويأتي توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة كأدوات استراتيجية لتعزيز كفاءة العمل الحكومي وتسريع وتيرة الإنجاز. غير أن الأهم هو توظيف هذه التقنيات ضمن رؤية متكاملة تضمن انسجامها مع الأهداف الوطنية، بحيث تتحول إلى رافعة حقيقية لدعم اتخاذ القرار وتحسين جودة الخدمات، وليس مجرد حلول جزئية معزولة.
يتجلى هذا النهج كترجمة عملية لرؤية قيادية تدرك أن التميز الحكومي لم يعد معيارُه حسن الإدارة فحسب، بل القدرة على قراءة التحولات قبل وقوعها، والتعامل معها كفرص تُبنى عليها مراحل جديدة من النمو. ومن هذا المنطلق، تمضي دولة الإمارات العربية المتحدة بثقة نحو ترسيخ نموذج حكومي متقدم، يجمع بين وضوح الرؤية وسرعة التنفيذ، وبين الابتكار كخيار دائم والاستدامة كمسار ثابت.
هذه المعادلة الإماراتية تصنع أثراً ممتداً ينعكس مباشرة على حياة الإنسان، ويعزز جودة معيشته، ويفتح أمامه آفاقاً أوسع للمشاركة في مسيرة التنمية. ومع هذا النهج، لا تبدو الإمارات وكأنها تواكب المستقبل، بل كأنها تسهم في صياغته، وتؤكد أن الريادة ليست موقعاً يُحافظ عليه، بل مسؤولية تُجدَّد كل يوم.
[email protected]
*باحث دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر
لم يكن فشل مفاوضات إسلام آباد حدثاً عابراً في سياق أزمة عابرة، بل لحظة كاشفة لطبيعة الصراع القائم بين الولايات المتحدة وإيران، وحدود ما يمكن أن تنتجه الدبلوماسية حين تُستدعى بعد أن تتكلم القوة. فقد لخّص رئيس الوفد الأمريكي الموقف بقوله: إن بلاده «لن تقبل بأي ترتيبات لا تضمن بشكل واضح حرية الملاحة وأمن المنطقة»، في إشارة مباشرة إلى تشدد واشنطن في تثبيت خطوطها الحمراء، بينما جاء رد رئيس الوفد الإيراني أكثر صراحة حين أكد أن «أي اتفاق يجب أن يعكس واقع القوة الجديد ويحفظ حقوق إيران السيادية»، وهو ما يعكس إصرار نظام طهران القائم على تحويل نتائج المواجهة إلى مكاسب سياسية. وبين هذين الموقفين المتقابلين، تبدو المحادثات التي وُلدت من رحم مواجهة عسكرية استمرت أربعين يوماً، أقرب إلى مفاوضات اختبار: اختبار للقدرة على فرض الشروط، لا للتنازل عنها.
في هذا السياق، لا ينبغي قراءة فشل الجولة الأولى باعتباره نهاية المسار، بل بوصفه انتقالاً نوعياً من صراع ميداني إلى صراع تفاوضي أكثر تعقيداً. فحين يجلس طرفان إلى الطاولة بعد حرب مباشرة، فإنهما لا يتفاوضان على السلام بقدر ما يتفاوضان على تعريف «النصر». الولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت معادلة ردع واضحة، عنوانها أمن الملاحة وكبح الطموح النووي، فيما تحاول إيران تحويل خسائرها العسكرية إلى مكاسب سياسية، تُترجم في شكل اعتراف ضمني بدورها الإقليمي وقدرتها على التأثير في ممرات الطاقة. وبين هذين الهدفين، تتسع فجوة لا تُردم ببيان مشترك ولا تُختصر في جولة تفاوضية واحدة.
ما يزيد المشهد تعقيداً أن الهدنة القائمة ليست نتاج اتفاق مستدام، بل نتيجة توازن مؤقت فرضته كلفة التصعيد. وهذه الهدنة، بقدر ما منحت الأطراف فرصة لالتقاط الأنفاس، فإنها لم تعالج جذور الأزمة، بل جمدتها مؤقتاً. لذلك، فإن استمرار إغلاق مضيق هرمز، أو حتى فتحه جزئياً تحت ضغط عسكري، يعكس حقيقة أن الصراع لم يُحسم، وأن أدواته تغيرت فقط. فالمضيق لم يعد مجرد ممر مائي، بل أصبح ورقة استراتيجية تُستخدم في إعادة رسم موازين القوة.
التحليل الأعمق يشير إلى أن ما نشهده اليوم هو حالة كلاسيكية فـي العلاقات الدولية تُعرف بـ«توازن الردع غير المستقر»، حيث يمتلك كــل طرف القدرة على الإضرار بالآخر، من دون أن يمتلك القدرة على فرض تسوية نهائية. في مثل هذه الحالات، لا تنتهي الأزمات، بل تُدار. وتتحول المفاوضات إلى أداة من أدوات الصراع، لا بديل عنها. وهذا ما يفسر التناقض الظاهر بين استمرار الاتصالات السياسية وتصاعد الخطاب المتشدد في الوقت ذاته.
فـي ضــوء ذلك، يبــدو أن المرحلة المقبلة لن تشهد اختراقاً سريعاً، بل دخولاً في مسار تفاوضي طويل يقوم علــى «الخطــوات الصغــيرة»، أو ما يمكن وصفه بتفاهمات جزئية تعالج الأعراض من دون الأسباب. قد نشهد ترتيبات مؤقتة لضمان مرور السفن، أو آليات لخفض الاحتكاك العسكري، لكن من غير المرجح الوصول إلى اتفاق شامل يعيد تشكيل العلاقة بين الطرفين في المدى القريب. فالقضايا المطروحة – من البرنامج النووي إلى النفوذ الإقليمي – تتجاوز قدرة أي اتفاق سريع على استيعابها.
الأهم من ذلك، أن هذا الصراع لم يعد ثنائياً في جوهره، حتى وإن بدا كذلك في شكله. فدول الخليج العربية، التي وجدت نفسها في قلب الأزمة من دون أن تكون طرفاً فيها، أصبحت متغيراً أساسياً في معادلة التوازن. وأي محاولة لإنتاج تسوية تتجاهل مصالحها الأمنية والسيادية، ستبقى عرضة للانكشاف. فالأمن الإقليمي لا يمكن بناؤه عبر تفاهمات فوقية بين دولتين، بل عبر منظومة توازن أوسع تأخذ في الاعتبار جميع الأطراف المتأثرة.
إن فشل مفاوضات إسلام آباد يعيد طرح سؤال جوهري: هل تسعى الأطراف فعلاً إلى إنهاء الصراع، أم إلى إعادة تنظيمه بشروط جديدة؟ المؤشرات الحالية تميل إلى الخيار الثاني. فغياب الثقة، وتضارب الأهداف، واستمرار توظيف أوراق الضغط، كلها عوامل تشير إلى أن ما يجري هو إدارة محسوبة للأزمة، لا محاولة جادة لإغلاقها.
في المحصلة، نحن أمام مرحلة عنوانها «اللايقين المنضبط»: لا حرب شاملة في الأفق القريب، ولا سلام حقيقي في المتناول. بل مساحة رمادية تتحرك فيها الأطراف بين التصعيد والتهدئة، وفق حسابات دقيقة تتغير بتغير المعطيات. وفي هذه المساحة، يبقى الخطر الأكبر ليس في القرار بالحرب، بل في الخطأ في تقدير حدودها.
إسلام آباد لم تفشل فقط في إنتاج اتفاق، بل كشفت أن الطريق إلى الاستقرار في المنطقة لا يزال طويلاً، وأن كلفة تجاهل الحقائق الاستراتيجية – وفي مقدمتها دور دول الخليج وأهمية أمن الممرات الحيوية – ستظل أعلى من كلفة التوصل إلى تسوية عادلة ومتوازنة. وحتى يحدث ذلك، سيبقى الصراع قائماً، وإن تغيّرت أشكاله.
* باحث دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر
[email protected]