الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
محمود الريماوي
كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي
أحدث مقالات محمود الريماوي
16 نوفمبر 2020
حرب لم يتوقعها أصحابها

محمود الريماوي

لعقود قليلة خلت كانت دولة إثيوبيا تحمل صفة امبراطورية وهي الوحيدة التي حملت هذه الصفة في إفريقيا مع استبعاد التسمية الكاريكاتيرية لامبراطورية إفريقيا الوسطى سبعينات القرن الماضي بقيادة جان بوكاسا.. ويُنظر لإثيوبيا في شرق القارة السمراء على أنها من أكثر الكيانات الإفريقية عراقة واستقراراً، ولم يخضع للاستعمار مثل بقية دول القارة سوى لنحو خمس سنوات، حمل على أثرها الاستعمار الإيطالي عصاه ورحل من بلاد القهوة في عام 1941، وبعد سنة أصدر الإمبراطور هيلاسيلاسي قانوناً بإلغاء الرق في بلاده في خطوة تقدمية بلغة زماننا، وتعتبر مبكرة نسبياً. وإذ عرفت إثيوبيا باسم الحبشة وبعدد سكانها الذي يناهز ال115مليون نسمة، وبصلاتها القديمة مع العالم العربي، فإن المرء يستعيد ذلك، هذه الاستعادة تتعلق بحرب طاحنة يشهدها هذا البلد رغم انهماكه مثل بقية دول العالم بمكافحة انتشار وباء كوفيد 19 الذي لم يعد مستجداً.

الحرب المقصودة هي الدائرة مع إقليم تيجراي وسلطته المحلية في وسط البلاد وشمالها. ويجري النظر في أديس أبابا إلى هذا الإقليم على أنه متمرد كونه قد أجرى انتخابات محلية في سبتمبر الماضي بغير موافقة الحكومة المركزية، وقد اتبع الإقليم ذلك باحتكاكات مع القوات الحكومية ومحاولة الاستيلاء على ذخائر.

 وفي خضم هذه التطورات التي بدت مفاجئة للعالم الخارجي، فقد عمد رئيس الحكومة آبي أحمد إلى إقالة قائد الجيش ورئيس المخابرات من دون أن تتضح أسباب هذه التطورات الدراماتيكية. إذ كان الانطباع في الخارج أن أديس أبابا منشغلة بصورة شبه كلية بالاستعداد لإجراء انتخابات برلمانية في غضون الأشهر القليلة المقبلة. غير أن واقع الحال ليس كذلك تماماً، إذ إن واقع الدولة يقوم على ائتلاف عرقي وإثني وسياسي بين عدة مكونات من أهمها عرقية الأورمو التي ينتمي إليها رئيس الحكومة، وإثنية التيجري باسم الإقليم، وإثنية الأمهرة. وسبق أن أجريت انتخابات في عام 2015 في هذا البلد إلا أن نتائجها لم ترق لكثيرين لأسباب عرقية في الأساس، فكان أن تقدم رئيس الحكومة آنذاك هيلي مريام ديسالين باستقالته في عام 2016 واتفق الائتلاف الحاكم على تولية آبي أحمد الحكم، غير أن هذا القرار لم يرُق لإقليم تيجراي، حيث اعتبره إقصاء له. وقد حملت لواء المعارضة الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، وهي الجسم السياسي المعبّر عن الإقليم.

 لكن بعيداً عن الاسم، فإن هذه المنظمة هي التي تقوم بالتعبئة حالياً ضد الحكومة المركزية، غير أن نائب قائد الجيش الأثيوبي برهانو غولا، في مؤتمر صحفي في العاصمة أديس أبابا لم يكتم القناعة بعبثية هذه الحرب إذ صرح قائلاً: «بلادنا دخلت في حرب لم تكن تتوقعها. هذه الحرب لا معنى لها».

وإذ لم يتضح مجرى المعارك التي اندلعت منذ الرابع من نوفمبر الجاري،إلا أن حركة نزوح واسعة شملت الآلاف، توجهوا إلى السودان المجاور، ما يشكل ضغطاً على هذا البلد. كما عملت السلطات في أديس أبابا على تعيين إدارة جديدة لشؤون الإقليم الذي كان يُسيّر ذاتياً.

ومن دواعي الاستغراب أن هذا البلد العريق ما زال في أنظار فاعليه السياسيين يمثل محض ائتلاف بين ممثلي العرقيات، وأن أية ادعاءات بعدم الإنصاف قد تؤدي إلى الانشقاق والاحتراب الأهلي. ومن المفارقات أن هذا الصراع الدامي يثور في أجواء الذكرى الأولى لمنح رئيس الحكومة آبي أحمد جائزة نوبل للسلام في 11 أكتوبر من العام الماضي، وذلك مكافأة للمسؤول الإثيوبي على نجاحه آنذاك في تسوية نزاع حدودي مع أرتيريا المجاورة.

[email protected]

8 نوفمبر 2020
ليس الملف النووي الإيراني وحده

محمود الريماوي

بعد فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فإن جانباً كبيراً من الاهتمام الإقليمي والدولي سينصب على تعامل السيد الجديد للبيت الأبيض مع الملف الإيراني. والرجل يدرك ذلك بصورة واضحة، وقد نشر أكثر من مقال مُسبق لتوضيح وجهة نظره، ولاكتساب مؤيدين له في معركة الرئاسة، وللتدليل على أن هذا الملف يستحوذ على أهمية خاصة لدى الرجل. وتكاد وجهة نظر بايدن تتمحور حول أنه يتعين بذل كل الجهود لمنع امتلاك طهران سلاحاً نووياً، وأن تطويق المطامح الإيرانية يتطلب  بين ما يتطلبه  تفاهماً أمريكياً بهذا الشأن مع بقية الفاعلين الدوليين؛ إذ يرى بايدن أن الانسحاب الأحادي من الاتفاقية جعل روسيا والصين أقرب إلى الموقف الإيراني، وأن الرجوع إلى الاتفاق يتطلب توسيع بنوده، لا الاحتفاظ بصيغته السابقة على ما هي عليه.

لا تخلو طروحات بايدن من منطق بطبيعة الحال، فهو يريد ضمان ضغط دولي متناسق على طهران لمنعها من تطوير إمكانياتها النووية، ويريد العودة إلى الاتفاق من أجل توسيعه لا التعامل معه كما هو، ويريد علاوة على ذلك، وقف أنشطة إيران خارج حدودها، وهي سياسة تقوم في مجملها على الترغيب، بفتح الطريق أمام إيران للعودة إلى المسرح الدولي وإلى أسواق النفط. وتكاد هذه السياسة تخلو من عناصر الضغط الملموس، علماً بأنه يمكن لبايدن إذا وصل إلى البيت الأبيض، الاحتفاظ بالعقوبات على إيران خلال أية مفاوضات محتملة مباشرة أو غير مباشرة مع المسؤولين الإيرانيين، وهي نقطة الانطلاق الصحيحة التي تمنع طهران من تحقيق نتائج كبيرة قبل التفاوض، بحيث يمكن لاحقاً، تخفيف العقوبات في حال تم قطع شوط كبير في المفاوضات، بما يشمل التدخلات الإيرانية في المنطقة. وقد سعت طهران على الدوام، إلى الفصل بين الاتفاق النووي وبين سياستها الإقليمية، وهو ما لا يمكن قبوله هذه المرة، وهو ما تنبه إليه بايدن خلافاً لسلفه أوباما؛ إذ إن الاعتراض الدولي والإقليمي يشمل سائر عناصر التهديد النووي وغير النووي الذي يصدر عن طهران.

وبما عرف عن بايدن من تمهّل وسعي إلى إحاطة شاملة بجوانب التحديات المثارة، فلا شك في أنه لن يتسرع في المسّ بالعقوبات قبل ضمان تراجع إيراني نوعي ذي أهمية، بما يتضمن استعداد إيران لتفحص سياستها الإقليمية. والمغزى من ذلك أنه أياً كان اختلاف بايدن والديمقراطيين مع ترامب والجمهوريين بخصوص إيران، فإن ذلك لا يعني البدء من جديد هذه المرة؛ بل الإفادة من كل إجراءات صحيحة تم اعتمادها من قبل، وهذا معناه أن تكون السياسة المتبعة في البيت الأبيض قومية وليست حزبية، وهو ما يُملي على الرئيس الجديد استكمال ما ثبت نجاحه ونجاعته، وإعادة النظر في ما تبينت نتيجته غير ذلك. وقد تبين على سبيل المثال، أن العقوبات الاقتصادية أضعفت تمويل طهران لأذرعها الميليشياوية في المنطقة.

والمنتظر أن يسلك جو بايدن سلوكاً متزناً في العديد من الملفات الخارجية، ابتداء من تجديد الشراكة الأطلسية وتعزيزها مع الشركاء الأوروبيين، والعودة إلى تخفيض متبادل للأسلحة الاستراتيجية مع موسكو، وتفحص العلاقات مع أنقرة، والعودة إلى حل الدولتين كخيار دولي متفق عليه وتضمنه قرارات الأمم المتحدة، وإيجاد حلول للوضع في ليبيا واليمن، بما يضمن سيادة هذين البلدين ووقف الاستنزاف البشري فيهما.

 أما إيران فتبدو خلال ذلك وكأنها تضع نفسها في خصومة استراتيجية مع الدولة العظمى. ومع الثقة بأن السياسة الخارجية في عهد الديمقراطيين ستكون على درجة من الثبات والتماسك، فإن الأنظار تتطلع في الوقت ذاته إلى دور أمريكي فاعل يمنع المزيد من الفوضى في منطقتنا، ويحول دون تدخل اللاعبين الخارجيين بصورة تديم استمرار التهاب بؤر إقليمية. 

ومن الأهمية بمكان تشجيع إيران على تحقيق الازدهار الداخلي لشعبها، وأن تبقى دولة طبيعية داخل حدودها مثل بقية الدول، وهو ما يتطلب استخدام كل ما يلزم تجاهها من سياسيات فاعلة ومشروعة في إطار القانون الدولي، لوقف سياسة التهديد والتوتير في المنطقة وما يرافقها من مطامح نووية، وحتى من مشاريع تسليح فتاكة تضعها في خدمة سياسة توسعية.

[email protected]

1 نوفمبر 2020
الأرمن والأذريون واستحقاق السلام

محمود الريماوي

في عام 1991 حينما أعلنت جمهورية أرمينيا وجمهورية أذربيجان استقلالهما عن الاتحاد السوفييتي المنهار، فإن البلدين الجارين لم يشرعا في محادثات لتنظيم العلاقات وترسيم الحدود بينهما. وخلافاً لذلك شرع أبناء إقليم ناجورنو كاراباخ الأرمن في إعلان الانفصال عن أذربيجان، وتلقوا دعماً من جمهورية أرمينيا لم يبلغ حد الاعتراف بإقليم أو كيان مستقل، ومع هذا الدعم نشبت حرب بين البلدين أزهقت أرواح نحو 30 ألفاً من الجانبين، ونحو مليون نازح أذري، والاستيلاء على زهاء 20% من أراضي أذربيجان.

إقليم ناجورنو كاراباخ هو أرميني، وكان جوزيف ستالين قد ألحقه بأراضي أذربيجان عام 1930، غير أن الأرمن استولوا على أراضٍ شاسعة في أذربيجان. وبدلاً من فتح الملف كله بين البلدين في مفاوضات ثنائية مباشرة، فقد تم اللجوء مجدداً إلى خيار الحرب بينهما، وهو خيار مدمر؛ لأنه أساساً يجتذب تدخلات خارجية، وها هي روسيا بعد تركيا، تستعد للتدخل إلى جانب أرمينيا في الحرب، لتواجه بذلك أذربيجان المدعومة من تركيا، والتي تتمتع بتسليح إسرائيلي عالي المستوى، أنفقت عليه باكو بضعة مليارات، وهي البلد المنتج للنفط والغاز الذي بدأ يشهد استقراراً في الآونة الأخيرة ويتحول إلى قبلة للسياحة.

منذ أسابيع دعت أرمينيا إلى مفاوضات مباشرة تتضمن الاستعداد لتقديم تنازلات مؤلمة متبادلة، غير أن أذربيجان رفضت العرض ولم تستغل الفرصة مستفيدة من التقدم الذي حققته قواتها، داعية إلى انسحاب أرميني غير مشروط من الأراضي المحتلة. 

وقد دعمتها تركيا في هذا الموقف المتصلب بالسياسة والدبلوماسية والسلاح، فيما تربط (يريفان عاصمة أرمينيا) علاقات وثيقة بروسيا، حتى إن لروسيا قاعدة عسكرية على الأراضي الأرمينية، وقبل يومين (السبت) كانت الأنباء تتحدث عن اتصالات أرمينية روسية عالية المستوى «لضمان أمن أرمينيا» وهي عبارة يُفهم منها التباحث حول أشكال الدعم العسكري الروسي لأرمينيا، لإعادة التحكم في ميزان القوى الذي اختل منذ أسابيع لصالح باكو.

وقد سعت الولايات المتحدة وإيران، إضافة إلى روسيا وفرنسا، لإبرام وقف إطلاق النار، وهو ما حدث ثلاث مرات، مع تبادل الاتهامات بين الجانبين بانتهاكه، كما تم تراشق بالاتهامات حول استهداف مدن آهلة والتسبب في مقتل مدنيين على نطاق واسع. 

ومن المؤسف أن أفق السلام مازال مسدوداً بين البلدين، ولن يكون من شأن العناد والاحتكام إلى الخيار العسكري سوى إدامة الحرب وتوسيعها، وزيادة الخسائر، وتعميق الكراهية والشكوك المتبادلة، وهو أسوأ ما يمكن توريثه للأجيال الجديدة في البلدين الجارين، مما يجعل مستقبل العلاقة بين الجانبين داكناً ومحفوفاً بالمخاطر.

لقد نجحت بعض المباحثات الثنائية كتلك التي جرت مؤخراً في جنيف بين وزيري خارجية البلدين لتبادل الأسرى، وتجنيب المدنيين والمناطق الأهلة بالسكان، ويلات المواجهة الحربية. ويقتضي الواجب البناء على هذه الإنجازات أو التفاهمات. فالطرفان يدركان ما تحمله الحرب من مرارات، وذلك بالنظر إلى تجربة المواجهة الطويلة في تسعينات القرن الماضي، كما أن البلدين ينزعان لتطوير قدراتهما الذاتية على جميع الأصعدة، فأرمينيا تسعى لتطوير علاقات وثيقة مع روسيا والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، سواء بسواء، وأذربيجان تنوع في علاقاتها مع أطراف إقليمية ودولية، بما في ذلك العلاقات الاقتصادية.

غير أنه ليس من شأن الحرب سوى وقف الخطط التنموية، وإثقال كاهل الميزانية، وتعريض البنى التحتية للمخاطر، هذا علاوة على الخسائر في الأرواح. أما الأبعد أثراً من ذلك، فهو أن المواجهة العسكرية المفتوحة والمديدة، تفتح أبواباً للتدخلات الخارجية وتُضعف عملياً وشيئاً فشيئاً استقلال الدولتين، وذلك لدى الاعتماد على داعم خارجي لا يقدم الدعم لأسباب خيرية؛ بل من أجل إدامة النفوذ، والمشاركة من موقع قوة، في صنع القرار الداخلي، وعند ذلك فإن أحداً لن ينتصر في الحرب سوى قوى خارجية تطمح لأن يكون لها وجود دائم متعدد الأوجه في البلدين.

سوف يبقى البلدان (أرمينيا وأذربيجان) جارين إلى الأبد حتى يرث الله الأرض ومن عليها. ولن تستقيم الجيرة ولا الحياة برمتها مع الاحتكام لمنطق المغالبة والتقليل من شأن الجار. وربما كان الطريق إلى السلام طويلاً، لكن المنطق يقتضي تقصير هذا الطريق، فالسلام ممكن وواجب وهو حق للأجيال الجديدة.

[email protected]

26 أكتوبر 2020
اتفاق جنيف والسلام الليبي

محمود الريماوي

مع الثناء المستحق على جهود الأمم المتحدة التي لعبت أدوارا نشطة في مساعي إحلال السلام والوئام ومكافحة الإرهاب في ليبيا، وكذلك أطرافا اخرى مثل الاتحاد الأوروبي، الا ان التوصل لوقف اطلاق نار دائم وفوري في ليبيا، ما كان ليتم لولا ارادة الليبيين وثباتهم وتمسكهم بخيار حقن الدماء، والحلول السياسية والعودة الى الشعب كي يختار مؤسساته وممثليه على جميع المستويات. وقد كان من الواضح ان استمرار النزاع الليبي كان سيشكل، لا سمح الله، استنزافاً لهذا البلد، وتبديداً لثرواته البشرية والطبيعية، وتقويضاً لمرافقه وبنيته التحتية، وتمزيقاً للنسيج الوطني والاجتماعي، وحرمان الليبيين من فرص الحياة الكريمة الآمنة والمزدهرة، وهو ما حرموا منه طيلة أكثر من أربعة عقود من النظام السابق.

 ويشهد على تمسك الليبيين بخيار السلم، الاندفاع إلى اجراء مباحثات مكثفة فيما بينهم في غير عاصمة عربية وأوروبية، خلال العام الجاري، مع التصميم على إنجاح هذه المباحثات والإفادة من التجارب والاتفاقيات السابقة وتدارك ثغراتها ومكامن ضعفها. وقد لوحظ أنه مع رعاية الأمم المتحدة لمباحثات جنيف، إلا أن دور المنظمة ظل دوراً إجرائياً وتسهيلياً، إذ إن ممثلي الشعب الليبي الذين يتوزعون على الوفدين المشاركين في المباحثات، هم من بذلوا الجهد في الحوار وفي تكريس النوايا الحسنة، وإشاعة أجواء ايجابية مكّنت من التوصل لوقف دائم وفوري وشامل لإطلاق النار منذ فجر الجمعة 23 أكتوبر الجاري. ولم يرشح أن مسار المداولات قد احتاج إلى تدخل خارجي أو دعم أجنبي، إذ سارت المداولات سيراً حسناً وسلساً ومنتظماً، نحو الهدف المرسوم وهو نزع فتيل النزاع، وإبطال خيار المواجهة، وفتح صفحة جديدة في تاريخ بلد عمر المختار، تكون فيها الغلبة للشعب الليبي، ولخيار السلام والوئام والبناء وطي صفحة الحرب والاقتتال..

 ورغم أن الوقت ما زال مبكراً لرؤية اتفاق شامل وتفصيلي يحدد مسار الحلول وجوانبها وجداولها الزمنية وضمانات الالتزام بها من جميع الفرقاء، إلا أن أهمية اتفاق جنيف الذي تم فيه البناء على ما سبقه، تكمن في تزكية خيار السلام بصورة قطعية، وتظهر إرادة الليبيين في إزالة الحواجز فيما بينهم، ووقف التقسيمات الجغرافية والإدارية والعسكرية، والكفّ عن تعطيل استثمار الموارد الوطنية، والشروع في إعادة إحياء الدولة الليبية وذلك بعد نحو نصف قرن من التخبط والعشوائية وتبديد الموارد. وقد كان لافتاً أن الإنجاز الجديد بوقفٍ دائم لإطلاق النار قد تزامن مع الذكرى التاسعة لسقوط النظام «الجماهيري» الفردي، وبما ينطوي عليه ذلك من مغزى لاستنهاض الإرادات، وشحذ العزائم لبناء الدولة ومؤسساتها ومرافقها العصرية، وتدارك ما فات من فرص التنمية والبناء.

 ومع أن المرء لا يستهين بالتحديات الماثلة لرؤية اتفاق جنيف وقد وجد له تنفيذاً على الأرض وفي الأجواء، وخاصة مع وجود إرادات أجنبية في قلب المشهد العسكري، إلا أن اتفاقاً ليبياً رعته الأمم المتحدة تحت أنظار ومسامع العالم، لن يكون من الميسور تجاوزه أو الالتفاف عليه، أو التشكيك فيه، وهو ما ينبغي أن يحمل جميع الأطراف على الالتزام به والعمل بمقتضاه والاهتداء بروحه.. ونعني بذلك مضمون الاتفاق ومقاصده المباشرة والبعيدة في تكريس السلم ووضع حد للاحتراب، وفتح الباب أمام التنافس السلمي بين الفرقاء السياسيين المحليين لنيل ثقة الليبيين والانتقال إلى عهد جديد، تسود فيه وحدة المؤسسات التمثيلية والدستورية، وتتوقف فيه مظاهر الازدواجية والثنائية، ومعه تقاسم الأدوار والمناطق والنفوذ.

 يقيناً أن الشعب الليبي سوف يكون أفضل شاهد على هذا الاتفاق الوطني، وعلى متابعة تنفيذه، ومواكبة مرحلة الاحتكام إلى السلم، وتنظيم بناء المؤسسة العسكرية الواحدة، وصولا إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية التي سوف تتيح اختيار من يحوز على الثقة، وخلال ذلك فسوف تتم مراقبة أداء جميع الأطراف لمعاينة مدى التزامها بالاتفاق قلباً وقالباً، نصاً وروحاً، إذ لا شك وكما في كل نزاع أهلي ذي أبعاد إقليمية، فإن هناك من قد تتضرر مصالحهم، وترتبك حساباتهم وتضطرب مخططاتهم من أثرياء الحرب والمستثمرين فيها، وذلك مع الاعتصام بحبل السلم ومع سكوت المدافع، وسيادة لغة الحوار والتواصل بين سائر المكونات الاجتماعية والسياسية.

[email protected]

20 أكتوبر 2020
تموجات مشهد حزبي

ما فتئ الائتلاف القائم بين تكتل الليكود وتكتل «كاحول لافان» الذي تتشكل منه حكومة بنيامين نتياهو يتعرض للاهتزاز، ويكاد لا يمر يوم دون ظهور إشارات على ذلك، وإن لم تبرز إشارات، فإن النفور والتباعد هو ما يسم علاقة الطرفين اللذين عقدا ائتلافاً اضطرارياً أملته نتائج الانتخابات الأخيرة في مارس/آذار الماضي. فالطرفان يختلفان الآن حول إعداد الميزانية العامة وهل تكون لسنة واحدة إم لسنتين. 
وقد جرى تأجيل البت في هذه المسألة منذ أسابيع، غير أن نتنياهو يصر على خيار ميزانية لسنة واحدة، وهو ما يفسره الطرف الآخر بأنه محاولة للنكوص عن الاتفاق بالتناوب، حيث سيحل زعيم «كاحول لافان» بيني جانتس بعد عام ونصف العام من تاريخ تشكيل الحكومة، في منصب رئيس الوزراء، غير أن الليكود لا يريد تهيئة الأرضية لذلك، ومنافسوه يشككون في استعداده للتناوب وتسليم دفة الحكومة لجانتس، حين يحين الموعد.
وهناك إلى جانب ذلك خلافات حول التعامل مع المتظاهرين الذين ينشطون بصورة شبه يومية ضد نتنياهو على خلفية اتهامات بالفساد، واحتجاجاً على الطريقة التي تدار بها أزمة انتشار وباء كورونا، حيث يقول محتجون إن الإصابات في الدولة العبرية (أكثر من 300 ألف حتى كتابة هذه السطور) تزيد على عدد الإصابات في الصين. وتشمل التقييدات أمام الجمهور تقييد التظاهر، وهو ما يفتح الباب أمام اتهامات باستغلال أجواء الوباء لإسكات أصوات المحتجين. وقبل ذلك برزت اعتراضات على التتبع الإلكتروني للمشتبه بإصابتهم أو لمخالطي مصابين، وتمحورت الاعتراضات حول وضع الجمهور في دائرة التتبع الأمني وفق هذا الإجراء.
وبينما خفتت في الأسابيع الأخيرة، التكهنات بالذهاب إلى انتخابات رابعة، فإن هذه الاحتمالات عادت على ألسنة الزعماء الحزبيين في أوساط اليمين، وكذلك تكتل «كاحول لافان»، مع القناعة بألا مفر من التعايش المديد مع أزمة كورونا، وأن دولاً أخرى منها الولايات المتحدة، تستعد لإجراء انتخابات نيابية ورئاسية، علماً بأن صعود تحالف «يميننا» بزعامة نفتالي بينيت (48 عاماً) بات يشكل منافساً إضافياً لليكود حسب استطلاعات الرأي، إلى جانب تكتل كاحول لافان، مع فارق أن التحالف اليميني الصاعد يمثل أقصى اليمين الديني والحزبي والاستيطاني، وذلك أمام ازدهار غير مسبوق لتكتلات اليمين بشتى أنواعه الدينية والأيديولوجية والاستيطانية والمناوئ في جملته للسلام والمُعارض حتى لـ«صفقة القرن».
من الواضح أن الخريطة الحزبية الاسرائيلية تتسع، وهو ما يجعل المنافسات السياسية والانتخابية تدور في المربع الأيديولوجي والسياسي نفسه، مع اندثار متزايد للقوى الليبرالية واليسارية (يجاهد حزب ميرتس للبقاء على قيد الحياة وحظوظه حتى الآن أفضل من حظوظ حزب العمل)، باستثناء ما تمثله القائمة العربية المشتركة من تمثيل للمعارضة الفلسطينية والعربية، وحتى لجزء من المعارضة الإسرائيلية التي صوتت للقائمة المشتركة في الانتخابات الأخيرة. وينجح ممثلو القائمة المشتركة في الربط بين الحقوق المدنية وبين حقوقهم السياسية كأقلية قومية.
ومع انسداد آفاق السلام بتوقف المفاوضات مع الطرف الفلسطيني، فإن هذه المسألة لا يتداولـــــها اليمين؛ إذ لا يشكل استئناف المفاوضات وإحياء الفرص السلمية هاجساً لهذا اليمين إلا من زاوية معاكسة، وهي سد الطرق أمام استئناف التفاوض وأمام أية تسوية متوازنة، وهو ما تتناغم معه حكومة نتنياهو التي قررت قبل أيام بناء خمسة آلاف وحدة سكنية استيطانية في أماكن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة، وهو ما لاقى تنديداً أوروبياً. وفي هذا الصدد ذكر الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، أن المستوطنات «غير قانونية بموجب القانون الدولي، ولن يعترف الاتحاد الأوروبي بأي تغييرات لحدود ما قبل عام 1967، بما في ذلك ما يتعلق بالقدس، بخلاف تلك التي اتفق عــليها الطرفان». ولم يجد نتنياهو ما يقوله رداً على هذا الموقف الأوروبي سوى قوله: «لا تنازل عن أي أرض» والمقصود الأرض المحتلة التي تم الاستيلاء عليها بالقوة في حرب عام 1967.

20 أكتوبر 2020
تموجات مشهد حزبي

محمود الريماوي

 

ما فتئ الائتلاف القائم بين تكتل الليكود وتكتل «كاحول لافان» الذي تتشكل منه حكومة بنيامين نتياهو يتعرض للاهتزاز، ويكاد لا يمر يوم دون ظهور إشارات على ذلك، وإن لم تبرز إشارات، فإن النفور والتباعد هو ما يسم علاقة الطرفين اللذين عقدا ائتلافاً اضطرارياً أملته نتائج الانتخابات الأخيرة في مارس/آذار الماضي. فالطرفان يختلفان الآن حول إعداد الميزانية العامة وهل تكون لسنة واحدة إم لسنتين. 

وقد جرى تأجيل البت في هذه المسألة منذ أسابيع، غير أن نتنياهو يصر على خيار ميزانية لسنة واحدة، وهو ما يفسره الطرف الآخر بأنه محاولة للنكوص عن الاتفاق بالتناوب، حيث سيحل زعيم «كاحول لافان» بيني جانتس بعد عام ونصف العام من تاريخ تشكيل الحكومة، في منصب رئيس الوزراء، غير أن الليكود لا يريد تهيئة الأرضية لذلك، ومنافسوه يشككون في استعداده للتناوب وتسليم دفة الحكومة لجانتس، حين يحين الموعد.

وهناك إلى جانب ذلك خلافات حول التعامل مع المتظاهرين الذين ينشطون بصورة شبه يومية ضد نتنياهو على خلفية اتهامات بالفساد، واحتجاجاً على الطريقة التي تدار بها أزمة انتشار وباء كورونا، حيث يقول محتجون إن الإصابات في الدولة العبرية (أكثر من 300 ألف حتى كتابة هذه السطور) تزيد على عدد الإصابات في الصين. وتشمل التقييدات أمام الجمهور تقييد التظاهر، وهو ما يفتح الباب أمام اتهامات باستغلال أجواء الوباء لإسكات أصوات المحتجين. وقبل ذلك برزت اعتراضات على التتبع الإلكتروني للمشتبه بإصابتهم أو لمخالطي مصابين، وتمحورت الاعتراضات حول وضع الجمهور في دائرة التتبع الأمني وفق هذا الإجراء.

وبينما خفتت في الأسابيع الأخيرة، التكهنات بالذهاب إلى انتخابات رابعة، فإن هذه الاحتمالات عادت على ألسنة الزعماء الحزبيين في أوساط اليمين، وكذلك تكتل «كاحول لافان»، مع القناعة بألا مفر من التعايش المديد مع أزمة كورونا، وأن دولاً أخرى منها الولايات المتحدة، تستعد لإجراء انتخابات نيابية ورئاسية، علماً بأن صعود تحالف «يميننا» بزعامة نفتالي بينيت (48 عاماً) بات يشكل منافساً إضافياً لليكود حسب استطلاعات الرأي، إلى جانب تكتل كاحول لافان، مع فارق أن التحالف اليميني الصاعد يمثل أقصى اليمين الديني والحزبي والاستيطاني، وذلك أمام ازدهار غير مسبوق لتكتلات اليمين بشتى أنواعه الدينية والأيديولوجية والاستيطانية والمناوئ في جملته للسلام والمُعارض حتى ل«صفقة القرن».

من الواضح أن الخريطة الحزبية الاسرائيلية تتسع، وهو ما يجعل المنافسات السياسية والانتخابية تدور في المربع الأيديولوجي والسياسي نفسه، مع اندثار متزايد للقوى الليبرالية واليسارية (يجاهد حزب ميرتس للبقاء على قيد الحياة وحظوظه حتى الآن أفضل من حظوظ حزب العمل)، باستثناء ما تمثله القائمة العربية المشتركة من تمثيل للمعارضة الفلسطينية والعربية، وحتى لجزء من المعارضة الإسرائيلية التي صوتت للقائمة المشتركة في الانتخابات الأخيرة. وينجح ممثلو القائمة المشتركة في الربط بين الحقوق المدنية وبين حقوقهم السياسية كأقلية قومية.

ومع انسداد آفاق السلام بتوقف المفاوضات مع الطرف الفلسطيني، فإن هذه المسألة لا يتداولها اليمين؛ إذ لا يشكل استئناف المفاوضات وإحياء الفرص السلمية هاجساً لهذا اليمين إلا من زاوية معاكسة، وهي سد الطرق أمام استئناف التفاوض وأمام أية تسوية متوازنة، وهو ما تتناغم معه حكومة نتنياهو التي قررت قبل أيام بناء خمسة آلاف وحدة سكنية استيطانية في أماكن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة، وهو ما لاقى تنديداً أوروبياً. وفي هذا الصدد ذكر الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، أن المستوطنات «غير قانونية بموجب القانون الدولي، ولن يعترف الاتحاد الأوروبي بأي تغييرات لحدود ما قبل عام 1967، بما في ذلك ما يتعلق بالقدس، بخلاف تلك التي اتفق عليها الطرفان». ولم يجد نتنياهو ما يقوله رداً على هذا الموقف الأوروبي سوى قوله: «لا تنازل عن أي أرض» والمقصود الأرض المحتلة التي تم الاستيلاء عليها بالقوة في حرب عام 1967.

[email protected]