أنقرة - دمشق: ليس مسلسلاً مدبلجاً

04:59 صباحا
قراءة 4 دقائق

التلاقي السوري - التركي يمثل لا شك تطوراً استراتيجياً بين البلدين الجارين، حيث اتسمت العلاقات بينهما على مدى العقود الماضية بالجفاء والتوتر، إلى أن صعد حزب العدالة والتنمية الى سدة السلطة في بلاد الأناضول، باكتساح سياسي ديمقراطي لا مثيل له، تمت معه إحالة أحزاب تاريخية الى الأرشيف.

دمشق بين دول قليلة أدركت مدى عمق التغيير في أنقرة، فالهوى الغربي الأطلسي معطوفاً على تلاقٍ استراتيجي مع تل أبيب، في سبيله الى التفكك التدريجي لكن المؤكد، فتركيا الجديدة ذات نازعين متكاملين: مع أوروبا كعمق وفضاء اقتصادي بأوسع معاني العبارة مع ما لذلك من أبعاد سياسية وثقافية، ومع العالم العربي والإسلامي (الآسيوي) كامتداد جغرافي سياسي وحضاري، وأسواق مفتوحة ومصادر طاقة.

استفادت أنقرة من الاضطراب والإخفاق في السياسة الأمريكية في ولايتي بوش، لتعزز انفكاكها عن الدائرة الأمريكية دون الأطلسية، وحتى هذا الإطار الأخير تعاملت معه أنقرة على طريقتها، فلم ترسل قوات الى أفغانستان، ورفضت الالتزام بأي سيناريوهات أمريكية في العراق، على أساس القناعة بأن العراق بلد جار لتركيا التي تعرف أوضاعه وكيفية التعامل معه، أفضل من واشنطن.

في هذه الأثناء، أي في السنوات الثلاث الماضية وطّدت دول خليجية وغير خليجية علاقاتها بأنقرة، لكن هذه الدول لم تذهب إلى حد إقامة علاقة عميقة وذات أفق استراتيجي. وبدلاً من الاستجابة لدواعي التقارب الوثيق، طغت الهواجس من الجار الإيراني وخاصة بعد بروز مسألة الملف النووي. فيما تقدمت دمشق لمقاربة أخرى: الاستقواء بإيران والتكامل مع تركيا، جنباً الى جنب، مع مركزي التشدد والاعتدال معاً، مع المركزين الشيعي والسني على السواء، من دون أن يترتب على ذلك أي تغيير في مقاربات دمشق للوضع الإقليمي، ولا للبنية الداخلية للحكم لمماشاة التقارب مع أنقرة مثلاً ذات النهج الديمقراطي على الطريقة الغربية (والكونية).

وفي هذا الوقت، فإن أنقرة تتمسك برغبتها في الانضمام الى الاتحاد الأوروبي مع تمسك دول مثل فرنسا وألمانيا برفض هذا الانضمام أو إبطاء مراحله الى أقصى حد بحيث يصبح ممكناً بعد مائة عام من الآن، لكنها بزيادة تقاربها مع دمشق تكرس خيارها الثاني بالعودة الى مواضع الدولة العثمانية. وقد كان لافتاً أن التقارب مع دمشق ارتبط بتقارب مع أرمينيا، وقيل إن لدمشق دوراً في هذا التقريب، الذي وضع حداً لعداء دام نحو قرن من الزمان وبما يضفي الذيول السلبية لامبراطورية العثمانيين، ويستعيد في الوقت ذاته الحظوة التي كانت تتمتع بها تلك الإمبراطورية في دول المنطقة.

ولئن كانت أنقرة قد تقربت من بغداد وتعمل على تكامل مع هذا البلد الذي لا يزال منهكاً، فإن الخلاف على موضوع معالجة المسألة الكردية والرؤية التركية لكركوك الغنية بالنفط، يجعل هذا التكامل يفتقد تفاهماً مكيناً بأبعاد سياسية واستراتيجية، خلافاً لما جرى مع دمشق، فلا خلاف حول المسألة الكردية، فيما توظف دمشق أنقرة للتهدئة مع الغرب، وصولاً الى التقدم لإجراء مناورات عسكرية مشتركة، وإلغاء أنقرة لمناورات كانت دائمة وروتينية مع تل أبيب، وهو تطور بالغ الأهمية، وليس مسلسلاً تركياً تلفزيونياً مدبلجاً باللهجة السورية. فلم يتخيل أحد من قبل أن تنشأ علاقات دفاعية على هذا المستوى، بين بلدين جارين ظلا متباعدين لعقود بل يتربصان ببعضهما. وهو ما يفسر الحملات الصهيونية المحمومة على أنقرة، واستغلال مسلسل تلفزيوني تركي يصور مشهداً لتنكيل إسرائيلي بطفلة فلسطينية، كذريعة لشن حملات رسمية وإعلامية على أنقرة، فيما الحنق يدور على تحولات في القرار السياسي التركي، مع نجاح المستوى السياسي الحاكم في أنقرة في تحييد المؤسسة العسكرية. ومن حسن الطالع أن الاشتراكيين قد عادوا للحكم في أثينا، بما يوفر فرصة أقل لتل أبيب في استخدام علاقة خاصة مع أثينا للضغط على أنقرة.

ولذلك فإن إعادة التموضع التركية السابقة على التطور الأخير مع دمشق والتي لقيت دفعة جديدة مع هذا التطور، تؤذن وينبغي لها أن تؤذن ببدء حرمان الكيان الصهيوني من العلاقة الخاصة والحارة مع البلد المسلم، وخاصة إذا اتسع مدى التقارب بين دول عربية أخرى مثل مصر والمملكة العربية السعودية مع أنقرة.

يبقى استخلاص يستحق الجهر به، وهو أنه إذا كانت دمشق برعت في صياغة هذا التحالف الجديد الذي ينعكس على حياة الشعبين ويحترم الشؤون والخيارات الداخلية للبلدين، فلماذا لا تتكرر هذه التجربة داخل العمق العربي؟ ولماذا التمسك بالرؤى الوحدوية التقليدية التي يعرف الجميع مضمونها الفعلي ومردودها الملموس على الشعوب، والإفادة من هذه السابقة لبناء تكامل متعدد الحلقات مع أقطار عربية، بتوسيع وتعميق كل ما هو غير سياسي في العلاقات، وصولاً إلى تكامل سياسي في نهاية المطاف؟

المبادرة مطلوبة بالطبع من سائر الدول العربية في المشرق، لا من سوريا فحسب، فلا يعقل أن تتوطد علاقات الأطراف العربية مع أطراف غير عربية، فيما الوضع العربي والعلاقات البينية على ما يعرف الجميع من فتور وما هو أسوأ منه.

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"