الحل يبدأ بوقف إطلاق النار

04:41 صباحا
قراءة 4 دقائق

يواجه الليبيون محنة شديدة وليس أقل من ذلك . لقد ووجهت احتجاجاتهم بالرصاص الحي وقصف الطائرات، واستجلاب مرتزقة لا يمتون بصلة إلى الشعب ويسهل على هؤلاء ارتكاب الجرائم .

ومع التلويح بتدخل خارجي، فإن هذا الخيار يواجه برفض المحتجين كما برفض النظام، خاصة حين يأتي بغير تفويض شرعي لا من الأمم المتحدة ولا من الليبيين أنفسهم . وقد لوحظ أن رفض النظام لهذا التدخل قد اتخذ صيغة غريبة، وهي التهديد بوقوع ضحايا بالآلاف من الليبيين، بما يدل مرة أخرى على أن الشعب أشبه برهينة مختطفة يجري الضغط عليها وإيذاؤها، فإذا ما حدث تدخل فإنه يُصار إلى تهديد حياة الرهينة، تماماً كما يتم في عمليات الاختطاف تحت سطوة السلاح .

الشعب الذي عانى من العزلة على مدى أكثر من أربعة عقود، يعاني منذ أسابيع عزلة أشد مع وضع القيود أمام وسائل الإعلام لنقل معاناته وصموده، ومع التهديد الذي يتربص بكل من يخاطب وسائل الإعلام .

الوساطة التي أعلنت عنها فنزويلا قد تشكل خطوة لحقن الدماء، ووقف استخدام النظام لمختلف الأسلحة ضد شعبه الأعزل . الوساطة لن تكون سهلة مع الإنكار المتبادل بين هيئتين، الأولى يمثلها الحكم، والثانية يمثلها مجلس وطني مؤقت مقره بنغازي . الجامعة العربية أيدت الوساطة الفنزويلية من حيث المبدأ، وقد تجري دعوتها إلى المشاركة بصورة أو أخرى في جهود الوساطة، وهو أمر غير ممكن، بعد أن أوقفت الجامعة مشاركة ليبيا في اجتماعاتها، وبعد أن لوحت بحظر جوي على هذا البلد . والراجح أن مثل هذه الخطوات العملية أجدى من الوساطات، فالضغوط على طرابلس تشدد من عزلة النظام وتسد المنافذ أمامه .

ويستحق التنويه بأن موقف الجامعة تجاه نظام عضو فيها، يشكل سابقة طيبة تسجل في سجل هذه المؤسسة . وربما يعود ذلك لسبب بسيط وجوهري، وهو أن هذا النظام نجح في استعداء غالبية الأطراف العربية دولاً وشعوباً على السواء، ولا يجد حالياً من يدافع عنه أو يغطي على ارتكاباته، تحت أي شعار وبأية حجة . ومن اللافت أن لبنان غاب عن ذلك الاجتماع، علماً أن ثمة قضية لبنانية عالقة لدى حكام طرابلس تتمثل في اختفاء وتغييب الإمام موسى الصدر ورفيقين له على الأراضي الليبية في العام 1978 .

إن ضغوطاً عربية شعبية وما أمكن من ضغوط رسمية، من شأنها تسهيل مهمة الوسطاء الفنزويليين مع نظام لا يرى ما يحدث، وينكر حدوث أي شيء مقلق، ويتباكى مرة على ضحاياه وتارةً يوجه السّباب لهم، ويعتمد الحل العسكري في محاورة شعبه . ولئن كان شافيز يعتبر الأقرب إلى القذافي بين زعماء العالم، إلا أن هذا الرجل لا ينكر على الأقل أهمية اللجوء إلى الانتخابات والاحتكام إليها، خلافاً لحال ملك ملوك إفريقيا الذي ابتدع كل الوسائل والتخريجات، من أجل حرمان الشعب من التمثيل على أي مستوى من مستويات السلطة التشريعية أو التنفيذية، وتحت شعارات مضحكة مبكية من قبيل التمثيل تدجيل . أما تمثيلية قيادة ثورة، في ما يجري الانفراد بالسلطة والتغول بها، فذلك ليس من الدجل في شيء .

في الأيام القليلة الماضية وابتداء من يوم الجمعة الرابع من مارس/آذار بدأت تتضح المواقف السياسية، فالمجلس الوطني المؤقت أوضح ترحيبه بالوساطة الفنزويلية على أساس تنحية الزعيم الليبي ومغادرته البلاد إلى كراكاس . وإذ لم يتضح في حينه موقف الوسيط من هذا الطلب، إلا أنه من الواضح أن ثورة الاحتجاجات قد حددت وجهتها النهائية، بإجراء تغيير سياسي سلمي شامل في الديار الليبية، وأن على الوسيط ملاحظة أن الثورة الوهمية التي يرطن بها أركان الحكم في طرابلس، إنما تقع في مكان آخر ولها ممثلوها والناطقون باسمها وأهدافها المعلنة، وأن آلافاً من الشهداء والضحايا سقطوا في الأسابيع الثلاثة الأخيرة، علاوة على أضعاف هؤلاء ممن سقطوا خلال العقود الماضية في بلد محكوم باللاقانون وبالعسف العاري من أية ورقة توت .

وفي الأثناء يواجه الليبيون محنة إنسانية أليمة نجم عنها تشرد 100 ألف ليبي في سابقة لا مثيل لها في تاريخ هذا البلد، وقد يكون الحكم مستعداً لارتكاب المزيد من الآثام بحق شعبه، ما يجعل شل آلة الحرب هدفاً ينبغي السعي إلى تحقيقه، وحتى قبل الخوض في أي مخارج سياسية . فالحكم بما يتمتع به من ضيق أفق معهود يرى في الاحتجاجات السلمية محاولة انقلابية ويتعامل معها على هذا الأساس فقط . وليس ذلك بغريب على حكم وصل إلى السلطة عن طريق انقلاب عسكري، ولا يرى باباً يمكن اللجوء إليه للتغيير سوى باب الانقلابات .

ولذلك فإن وقف إطلاق النار يشكل في هذه الظروف مدخلاً إلى أي حل، وذلك بعد أن تم تحويل هذا الحدث السياسي من طرف الحكم، إلى مناسبة حربية يتم فيها استعراض العضلات ضد شعب أعزل، على أن يقترن هذا الطلب بالاستعداد لممارسة ضغوط أخرى، بل توقيع عقوبات رادعة في حال الاستمرار في هذا الجنون الدموي .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"