الذعر الذي أصاب تل أبيب عقب نشر تقرير لجنة تقصي الحقائق الأممية بخصوص الحرب على غزة، يدل على أن المواجهات الدبلوماسية مع إسرائيل تؤتي أكلها. لقد جرى توجيه جملة من الشتائم شارك في إطلاقها شيمون بيريز رئيس كيانهم والذي وصف التقرير بأنه فصل مخز. فيما تولى ناطقون باسم وزارة الخارجية حملة الردود المسعورة على اللجنة وعلى رئيسها القاضي ريتشارد غولدستون، وهو قاض يهودي من جنوب إفريقيا، ولم تعرف عنه من قبل مواقف مناوئة لتل أبيب.
أما الصحافة في تل أبيب فقد حذرت من مضاعفات ما ورد في التقرير، لجهة وصف القصف الذي تعرضت له سائر مرافق الحياة في غزة قبل ثلاثة أعوام بأنه جرائم حرب، وما قد يتبع ذلك من ملاحقة ضباط ووزراء ومسؤولين في الخارج، وصولاً إلى إحالة القضية إلى مجلس الأمن ثم إلى محكمة الجنايات الدولية. وسياسياً جرى التحذير من أن تستخدم الإدارة الأمريكية التقرير كورقة ضغط إضافية في الصراع مع تل أبيب حول تجميد الاستيطان. في وقت ذكرت فيه أنباء أن بنيامين نتنياهو يعتزم مقاطعة كلمة الرئيس الأمريكي أوباما، بالتغيب عن الجلسة بداعي أن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، يتواجد في القاعة.
الضجة المثارة حول التقرير، تنطوي على قدر كبير من الخداع. فقد سبق لمنظمة بتسليم الاسرائيلية أن ذكرت في تقرير لها حول تلك الحرب القذرة أن 775 مدنياً فلسطينياً سقطوا ضحايا، بما يشكل أكثر من ثلثي مجموع الضحايا، وأن بين هؤلاء 325 قاصراً. وذهبت المذهب نفسه منظمات دولية أخرى مثل هيومن رايتس ووتش فضلاً عن مواقف وتصريحات دولية بعضها لأمين عام الأمم المتحدة بان كي مون الذي زار القطاع بعد انتهاء حرب الرصاص المصبوب على المدنيين.
تل أبيب أبدت سخطاً مفرطاً من توقيت صدور التقرير، الثلاثاء الماضي 15 سبتمبر/ أيلول الجاري، وذلك قبل نحو أسبوع على التئام الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي غمرة الخلافات مع واشنطن وتالياً مع سائر دول العالم، حول الاستيطان في الأراضي المحتلة. وفي وقت تسعى فيه تل أبيب لتركيز الأنظار على الملف النووي الإيراني، دون ما عداه من قضايا المنطقة وشؤون دولية.
وخلافاً للأسلوب العربي المعهود في إطلاق مواقف وتصريحات عاطفية، فإن تل أبيب باشرت حملة للرد على التقرير الأممي في الولايات المتحدة كما في دول أخرى في العالم، وقد أعدت وزارة الخارجية تقريراً مضاداً يقع في 160 صفحة. ومن جملة الأفكار الواردة أن اختيار غولدستون اليهودي تم لاستخدامه ك ورقة تين وأن اختياره بالذات يحمل استفزازاً. أي أن رئيس اللجنة لو لم يكن يهودياً لكان مفهوماً أن يعادي إسرائيل، أما اليهود لأي شعب انتموا ولأي بلد انتسبوا، فوظيفتهم التستر على الجرائم الصهيونية وتسويغها.
يذكر هنا أن التقرير يمنح مهلة للتحقيق المستقل الداخلي مدتها ستة أشهر، قبل أن تتخذ القضية طريقها إلى الأقنية التنظيمية والقضائية.
سوف لن يكون صعباً الالتفاف على التقرير بوسائل شتى، إضافة إلى شن حملة منظمة عليه، على أنه يجدر التذكير في هذا المقام أن تعهدات والتزامات شتى أخذتها أطراف فلسطينية وعربية (منها الجامعة العربية) على عاتقها، بإجراء محاكمات دولية لمجرمي الحرب الإسرائيلين الذين يطبقون مثلاً عبرياً يفيد بأن ما لا يمكن تحقيقه بالقوة.. يمكن تحقيقه بقوة أكبر. صدور التقرير الأممي يمثل فرصة لاستذكار تلك التعهدات وإحيائها، والكف عن ترديد مقولة: إن العالم لا يعبأ بنا. فالبادي أننا نحن لا نعبأ بتنظيم الجهد وإدامته، في الانتصار لقضايانا ووضعها في صلب الاهتمامات الدولية.
يدل على ذلك أن المطالبات الصاخبة بمحاكمة مجرمي الحرب قد طويت صفحتها، بعد انتهاء المناسبة، أما التقرير الدولي الأخير فلم يثر ردود فعل عربية وفلسطينية تذكر، باستثناء تصريحات لناطقين باسم حماس أيدوا إدانة جرائم الحرب على غزة، واعتبروا أن إدانة إطلاق الصواريخ تنم عن موقف غير متوازن وغير منصف. لكن بما أن إطلاق الصواريخ يعتبر جزءاً من مشهد أوسع يتمثل باستمرار حالة الحرب والحصار، وذلك كمظهر لاستمرار الاحتلال نفسه، فإن هذا الموقف الذي تضمنه التقرير ينبغي ألا يثير كبير قلق، إذا ما أحسن عرضه، علماً أن الاحتكام للشرعية الدولية وأحكام القانون الدولي، هو مقتل إسرائيل التي لا تحتكم سوى للبلطجة والتضليل، كما هو ورقة
بيد الجانب العربي إذا عرف كيف ومتى يستثمرها.
وهكذا يبدو الجانب العربي مرة أخرى بعيداً عن التفاعلات الجارية حول قضايانا، على الساحة الدولية بل في قلب المنظمة الدولية، وكما أن الاستيطان بات يظهر كقضية خلافية بين واشنطن وتل أبيب، كذلك فإن التقرير الأممي الأخير حول الحرب على غزة، متروك للتفاعل بين واشنطن والمنظمة الدولية من جهة وتل أبيب من جهة أخرى.. وبهذه الطريقة السكونية ننتصر لحقوقنا وننتزع السلام العادل.