دروس "موقعة" اليونسكو

04:06 صباحا
قراءة 3 دقائق

قضية إخفاق وزير الثقافة المصري فاروق حسني في الوصول إلى منصب مدير عام منظمة اليونسكو، شغلت وسائل إعلام عربية عديدة على مدار الأسبوع الماضي. وكان هذا الاهتمام مبرراً، لأكثر من سبب. فالوزير حسني خاض هذا السبق بصفته مصرياً وعربياً وهذه هي المحاولة العربية الثانية التي يخفق صاحبها في الوصول إلى الهدف بعد أن ترشح للمنصب الوزير والدبلوماسي السعودي غازي القصيبي في العام 1999. هذه المرة بدت فرص مصر أكبر، الذي كان في وضع شبه تعادلي مع المرشحة البلغارية الفائزة. وأيا كانت طبيعة الضغوط التي أدت لانتقال صوتين مرجحين، فالواضح أن الاتحاد الاوروبي بصوتي

اسبانيا وايطاليا قد رجح الفائزة البلغارية.

وفي دائرة أوسع فإن الغرب هو الذي فاز، وحيث تضع الدولة العبرية نفسها في قلب الغرب.

هذا الحدث يستحق بضع ملاحظات وخلاصات.

الأولى أن المنافسة كانت جدية، وأن العرب مؤهلون رغم كل الاصطفافات السياسية والثقافية والحضارية، لخوض مثل هذا التنافس. وان عليهم بالتالي عدم الاستهانة بأنفسهم وتبخيس مركزهم. بلغاريا ليست دولة أكبر من مصر، والمرشحة الفائزة أرينا بوخوفا ذات باع طويل في السياسة، لكن لم يُعهد عنها نشاط ثقافي.

الملاحظة الثانية: أن الدبلوماسية المصرية خاضت معركة المنافسة بحمية عالية وبتحشيد ملحوظ، ولكن ليس من دون اضطراب. لقد تردد على نطاق واسع أن نتنياهو وعد بعدم عرقلة انتخاب الوزير حسني، وهو ما ألقى ظلالاً سلبية على هذه المعركة من البداية. تصريحات الوزير بدورها لم تخل من اضطراب، فقد اعتذر عن عبارة حرق كتب اسرائيلية، التي سبق أن رددها في مجلس الشعب المصري، لكن اعتذاره هذا بدا من دون مضمون سياسي، إذ لم يقرن اعتذاره بأي موقف مناوىء للاحتلال وممارساته ولسلام عادل يعيد الحقوق لأصحابها، وهو ما اعتبرته دوائر صهيونية دليل ضعف، وقد أظهرت هذه الدوائر رفضها للاعتذار.

الحملة التي أطلقها الوزير الخاسر عقب عودته الى القاهرة، ضد اليهود وضد تسييس المنظمة الثقافية الأولى في العالم، زادت من هذا الاضطراب، فقد كان يفترض أن يأخذ الوزير علماً مسبقاً بهذه التوجهات، وأن يحدد مواقفه بناء عليها، لا أن يبدو كمن تفاجأ بها.

الملاحظة الثالثة: أن مصر الرسمية سعت للتحشيد للوزير المرشح، ولكن على المستوى الرسمي فقط، وعبر الصحف القومية شديدة القرب من الدوائر الرسمية. مع تجاهل بقية الجسم الثقافي والاعلامي، والاستنكاف عن بلورة موقف داخلي حيال هذه القضية. فكان أن ارتفعت أصوات عديدة في الداخل ضد ترشيح الوزير منذ وقت مبكر على منابر محلية مهمة. لم يكن مطلوباً بالطبع اسكات هذه الأصوات، بل أن تدار المعركة بصورة أفضل، بحيث يتفق الجسم الثقافي على رؤية مشتركة هذا الترشيح، وأن يبادر الوزير المرشح لتحديد رؤاه الثقافية بما يتفق مع قناعات الغالبية من المثقفين على اختلاف مواقعهم وتياراتهم. وأن يحمل معه هذه الرؤية إلى أروقة المنظمة الدولية حيث دار التنافس.

اللافت أنه بعد خسارة حسني ارتفعت أصوات في مصر في اتحاد الكتاب وسواه تدين المؤامرة التي أدت الى إفشال مرشح مصر، مع تجاهل أن كثيرين في هذا الاتحاد وخارجه لم يقفوا الى جانب ترشيح المرشح حين أعلن ترشيحه قبل شهور. النازع الوطني وبهذه الطريقة لا يبدو مفيداً أو كافياً، وخاصة حين يتعلق الأمر بقضية ثقافية يعبر عنها مثقفون.

من مصلحة تل أبيب أن يظل النقاش محتدماً حول تصريح من هنا وخطاب من هناك، شريطة عدم الانشغال بما يجري على الأرض المسروقة. وحسناً فعلت الجامعة العربية حين عقبت على موقعة اليونسكو، بهذا الاتجاه. على أمل أن يتم قرن الأقوال ببرامج عمل.

الآن فإن الوزير فاروق حسني يصرح بانه عائد لاستكمال دوره في بناء متحف حضارة. لن يستريح كما كان أعلن من قبل. ليته من موقعه كوزير للثقافة أمضى في الوزارة أكثر من عقدين ويستعد للاستمرار في موقعه لسنوات مقبلات، يستخلص الخلاصات الصائبة، التي عبر عن بعضها بطريقة انفعالية، فيعمل إلى جانب عمله في بناء متاحف، على مقارعة الصهاينة الذين يمضون في حملتهم لاستئصال التاريخ الحضاري لشعب آخر، ويهددون شعوب المنطقة. فمعركة اليونسكو وما يتصل بها من معان ومدلولات، قابلة لأن تخاض في غير مكان وفي أكثر من موقع.. وموقع الفنان فاروق حسني وموقع بلده ليس هيناً.

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"