ثمة وجه لفلسطين لا يعرفه الفلسطينيون . لم يخطر على بال الشعراء والأدباء، وأهل الإعلام وسائر الأعلام . هو طلعة بل باقة، بل قاموس بدائع، لا يعلم إلا الله كيف التقت مفرداته، وكيف كان الوصال بينها، حتى غدت غادة الغيد، التي أغرت الخلائق، فأغار عليها المجرمون وسبوها . وزهد فيها العرب، إلا بالكلام، فإنهم لايجاريهم أحد في طق حنك البيان .
كُثر هم الشعراء الذين تعلّقت قلوبهم فلسطين، وتغزلوا بها . ولا تحصى دراسات مراكز البحوث التي لا تثمر قطميراً، ولا توقظ ضميراً . أمّا الخطب العصماء الجوفاء الشاجبة الاحتلال، المنددة بالمستوطنات، فلو ألقيت على الهمالايا لرأيتها متصدعة . ومع ذلك لم يهتد هؤلاء إلى باقة الأسرار التي جعلت فلسطين سلّة البيض الذهبي، فأطمعت الصهيوني المرابي في خيراتها . ولو كانت أرضاً قاحلة ما كانت تسيل لعاب القوم الذين قتلوا الأنبياء، وحاولوا النيل من سيرتهم، وحرّفوا الكلم عن مواضعه، وأساءوا إلى ربّ العزة والجلال . فما هم باحثون في فلسطين عن الدين والتاريخ، إلا نفاقاً، في سبيل العدوان على شعب وأمّة .
تذهلني فلسطين بعجائب تركيبة قراها . كأنما عكفت يد القدر على تأليف أنشودتها نغمة نغمة، وقصيدتها حرفاً حرفاً . هي قاموس من طراز خاص، كل مفرداته تعزف معاً، تنام معاً وتصحو معاً، تتهادى معا وتجلس معاً . وليس لهذا نظائر في ما أعرف من بلدان الله .
في فلسطين نعيم يتجاوز الماء والخضرة والوجه الحسن بكثير . في قراها كل مستلزمات الحياة:
من اللحوم: بيت لحم، فرخة، كفر الديك، حمامة، ديرغزالة، عنزا .
للقلي والطبخ: بير زيت، زبدة .
من الخضروات والبقول: لوبيا، الخضر، زعترة، أم الرّيحان .
من الفواكه والمكسرات: أم التوت، رمانة، وادي الجوز .
للإفطار: اللبن الشرقية، عسلين، عجة .
للوقود: دير الحطب .
كل ذلك في: المزرعة .
في جو: صفا، تل الهوى، بيت جمال .
ولغير المسلمين طبعاً وقطعاً: البيرة، بيت لاهية .
ألا يكون الاستعماريون الإمبرياليون الصهاينة، مجانين إذا هم لم تغرهم هذه الجنة، بالتخطيط للاستيلاء عليها منذ أكثر من قرن؟ سنة ،1920 أي قبل قيام الدولة اللعينة بثمانية وعشرين عاماً، أرسل رئيس المؤتمر الصهيوني العالمي، رسالة إلى رأس أوزار بريطانيا، يقول فيها: إن الدولة التي وعدتمونا في فلسطين، لن يكون لها اكتفاء ذاتي من الماء، إلا إذا حصلنا على نهري الليطاني والحاصباني في لبنان .
ناموا ولا تستيقظوا
ما فاز إلا النوّمُ