«أمير الليل».. إيقاع يُضعف التشويق

عين على الفضائيات
01:18 صباحا
قراءة 3 دقائق
حين يقرر الكاتب أن يمشي بقلمه إلى عالم جديد، يسلك طريق مخيلته ويصير كمن يرى بالمجهر كل بيئته ومجتمعه ومحيطه، يدخل بيوت الناس، ينبش في دفاترهم، في أوجاعهم، في أفراحهم، في طفولتهم وحاضرهم.. لا يستأذنهم، لا يتحاور معهم، بل يرسمهم وكأنه انعكاس لصورهم، يذكّرهم بما ضاع منهم وبأحلام لم تتحقق وأخرى لا بد أن تصبح حقيقة، يروي حكاياتهم لهم، يفبرك أبطاله، والأبطال يجلسون على مقاعد المشاهدين.
هذه التفاصيل تشكّل بعضاً من جمال الدراما، وسبباً كافياً لينشغل المشاهدون بالمسلسلات ولينتظروا الأحداث المتتالية بشوق كبير. ويمكن القول إن الأقلام هي التي أعادت إلى الدراما اللبنانية رونقها في السنوات الأخيرة، فبدأت تستعيد سحرها داخلياً وعربياً.
ما نشاهده من مسلسلات، وحالة النشاط المستمرة والتي كسرت القالب «الرمضاني» لتُعرض في أي وقت من العام، يجعلنا نقول بثقة إن الكتّاب هم العمود الفقري والرهان الأول في لبنان. لكن البراعة في الكتابة لا تكفي لصناعة دراما حقيقية، ولا بد من توفر فريق عمل متكامل من مخرجين ومنتجين ولن نقول ممثلين، لأنه مشهود للممثلين اللبنانيين تألقهم ليس داخلياً فقط وإنما في الخارج أيضاً.
«أمير الليل» الذي تعرضه إحدى القنوات اللبنانية، نموذج للدراما التي تشد المشاهد ليتتبع أحداثها المتشعبة. المسلسل الطويل من 60 حلقة، يثير الجدل بسبب نقاط ضعف فيه، لكنه يملك من جمال المشهد وإتقان في الأداء، وخفة ظل ممزوجة بالجدية والرومانسية في السيناريو والحوار والأحداث، ما يجعل المشاهد حريصاً على استكمال الحلقات الستين.
تُعتبر الدراما التاريخية من أصعب الألوان كتابة وإخراجاً. المهمة تحتاج إلى جهد من الكاتب في إجراء الأبحاث ليقرأ دفاتر التاريخ بدقة، ويكون أميناً، ملتزماً بأحداث معينة تنقل تفاصيل المرحلة التي اختارها. عليه أن يذكر وقائع حقيقية وليس شرطاً أن تكون كل حكاياته من صلب التاريخ. يصنع خلطته السحرية بين الحقيقة والخيال، يضيف البهارات دون أن يبالغ أو يخرج عن الإطار المنطقي. يوهم المشاهد بأنه يحكي له قصصاً كل أحداثها حقيقية، دون أن يشوه التاريخ أو يفبرك وقائع لا صلة لها بالزمان والمكان المحددين.
الكاتبة منى طايع تمشي بنا مع «أمير الليل» على حافة التاريخ حيناً، وتغوص في قلب المجتمع أحياناً. نحب أعمالها السابقة، ونستمتع بعملها الحالي، لكننا نأخذ عليها الخلط بين الواقع والخيال إلى درجة أنها تلامس التاريخ وتخاف أن تفتح أوراقه بشكل صريح. كلما أخذتنا إلى حافة تصديق مجريات الأحداث، مستعرضة أسماء شخصيات سياسية بارزة ومعروفة لعبت دوراً مهماً في لبنان والمنطقة، هربت مسرعة إلى قصتها الرومانسية وشخصياتها الوهمية، فيشعر المشاهد وكأنه لن يرتوي من تلك الأحداث أبداً.
المسلسل يملك من المقومات الكثير ليكون ناجحاً، يجذبنا بقصص الحب والعلاقات الاجتماعية والديكور والاكسسوار الناجح والسيارات، والماكياج، وطبعاً الطبيعة اللبنانية الساحرة.. كل ممثل يؤدي أفضل أدواره، هيام أبو شديد، أسعد رشدان، ميس حمدان، نهلا داوود، نغم أبو شديد، حتى رامي عياش يفاجئنا بأول أدواره الدرامية بأنه يملك موهبة جيدة، يحتاج إلى التدريب كي يوظف إمكاناته بشكل أفضل. داليدا خليل لم تخرج عن الأداء التقليدي حتى الآن، أما ليلى بن خليفة فهي متصنعة إلى أبعد الحدود، والكلام يخرج ثقيلاً من فمها، وكأنها تتلعثم كلما نطقت، تحرك رأسها مع كل كلمة يميناً ويساراً، فتُرهق المشاهدين.
المرأة تفوقت في الكتابة بلبنان، بينما بقي الإخراج أضعف من أن يرتقي بتلك الحوارات والسيناريوهات إلى ما يليق بها، ويصنع منها دراما مكتملة. كل مخرج يغرق في بطء المَشاهد، تموت عنده اللقطات المميزة أحياناً، يكرر المشاهد الخارجية، وتلك التي تفصل بين «الشوت» والآخر. إيقاعه يُضعف التشويق. لا تميز بين عمل وآخر، وكأن الدراما اللبنانية تسير على سكة إخراجية واحدة، تحركها رؤية نمطية هادئة. وهو ما عانى منه المخرج إيلي برباري في «أمير الليل» الذي نأمل أن يغوص في العمق أكثر، ويسرع إيقاعه خصوصاً أن الرحلة معه تطول 60 ليلة.

مارلين سلوم
[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"