تثمير الأرض وإعمارها واستزراع الطين وإنباته، واحدة من غايات الله الكبرى وآيات الإسلام الحضارية في الكون والحياة. ومن المؤكد أن هذا الدين العظيم أو هذا القرآن المعجزة ليس كتابا علميا في أصول الاستزراع وطرائق الغرس والحرث.. ولكن القرآن في إجماله والإسلام والمسلمين في تجربتهم الإنسانية الطويلة، قدموا تفاصيل شديدة الأهمية وعطاءات بالغة التخصص والتحضر في مجال تسخير الأرض واستزراعها وتملكها وتثمير نباتها، والمحافظة عليها وتوفير لقمة العيش ليس للإنسانية وحدها بل لكل كائن حي أو لكل كبد رطبة كما في الحديث. والعطاءات الإسلامية في مجال استغلال الأرض تنبع من جذر عقدي فكري فلسفي كما يقرر الدكتور حسين شحاتة أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر كما تبدو تطبيقاتها في مجالات الحياة والاستزراع والإنبات وتحقيق الكفاية.
فالجذر الفلسفي هنا لا يتفق مع الفكر الاقتصادي الغربي الذي يردد أن موارد الأرض في تناقص، وأن الصراع على لقمة العيش أو قطرة المياه في ازدياد، وأن المجاعة دوما تهدد العالم بما فيه ومن فيه!
الإسلام في هذا المجال يؤمن الإنسان على نفسه ويؤكد أن الأرض مصدر الرزق والإنبات الذي لا ينضب إلى يوم الدين.
ولهذا كانت الأرض في الأساس لله، أي ملكاً للجميع: إِن الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. وكانت ثمارها حلالا للناس طيبة: يَا أَيهَا الناسُ كُلُواْ مِما فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيباً. كما كانت الأرض والماء والإنبات مصدرا للحياة ودليلا على كفاية الله لخلقه وقدرته على الخلق: وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُل زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُل عَبْدٍ منِيبٍ وَنَزلْنَا مِنَ السمَاءِ مَاءً مبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَناتٍ وَحَب الْحَصِيدِ وَالنخْلَ بَاسِقَاتٍ لهَا طَلْعٌ نضِيدٌ رِزْقاً للْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً ميْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ.
وفي دعوة القرآن للاستزراع والاستغلال، لفتت الآيات القرآنية أنظار الإنسانية إلى عشرات النظريات العلمية المتعلقة بعمليات النمو ودور التمثيل الضوئي والعمليات الوراثية ومن ذلك قول الحق: وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ متَجَاوِرَاتٌ وَجَناتٌ منْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ. وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ وَإِن من شَيْءٍ إِلا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزلُهُ إِلا بِقَدَرٍ معْلُومٍ وَأَرْسَلْنَا الريَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ.
السلوك الإيماني
والإسلام وهو يسوق فنون الزرع والإنبات، يقرنها دائما بالقيم الإنسانية النبيلة والقوانين الأخلاقية التي بها وعليها تحيا الإنسانية. إن النبتة أو الآلة الصناعية ليست هي الهدف من الحديث القرآني ولكن السلوك الحضاري والإيماني هو الغاية كذلك، فالقرآن وهو يتحدث عن الإنبات ونزول الماء وشق الأرض يثير في الإنسان فضيلة الإحساس بالمنعم ومقاومة الغرور: فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنا صَبَبْنَا الْمَاء صَبّاً ثُم شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَائِقَ غُلْباً وَفَاكِهَةً وَأَبّاً متَاعاً لكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ.
وفي قصة يوسف عليه السلام أشارت الآية القرآنية إلى أحد فنون التخزين وحماية الحبوب محفوظة من الآفات والحشرات، حتى يقاوم الجدب الذي سيقع في المستقبل. يقول الحق: قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلا قَلِيلاً مما تَأْكُلُونَ ثُم يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدمْتُمْ لَهُن إِلا قَلِيلاً مما تُحْصِنُونَ ثُم يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ الناسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ.
وفضلا عن مئات الآيات القرآنية التي تسوق عمليات الزرع وتثمير الأرض، فإن الإسلام حث بشكل مباشر على أن يُعمل الإنسان عقله ويده في الزراعة، وعلى أن يستصلح الأراضي بكل السبل، وعلى أن يضع لعمليات الاستزراع القوانين والعقود التي تحمي الملكية العامة والملكية الخاصة.
إحياء الأرض
يقول الدكتور حسين شحاتة: الإسلام في حرصه على تقدم الشعوب زراعياً وصناعياً وتوفير المواد الخام الصالحة للتصنيع والإنبات وتحقيق حد الكفاية والرفاهة للبشرية، شدد بشكل مباشر على ضرورة إعمال الجهد لاستخراج خيرات الله في الأرض.. وقد سلك الإسلام في هذا أكثر من مسلك:
أولاً: الإلحاح الشديد على أن استزراع الأرض ضرورة لتلبية حاجات البشرية بالضرورة.
ثانياً: الأمر المباشر بإحياء الأرض ووضع قانون ربما لأول مرة في تاريخ الإنسانية وهو أن الأرض لمن يزرعها. وهذا المعنى واضح من حيث المبدأ في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحيا أرضا ميتة فهي له وليس لمحتجز حق بعد ثلاث سنين.
فالحديث هنا أرسى مبدأ الإحياء، وأن من أحياها واستزرعها صارت ملكا له، وأن حبس الأرض دون إحيائها لا يجوز وقد تنتزع منه بعد ثلاث سنوات.
وهذا التأكيد على حق الفرد في التملك بالإحياء، يقابله كذلك تأكيد على حق الجميع أو المجتمع في التملك والإحياء، حتى لا يتحول الأمر إلى احتكار أو تعطيل لقدرات الأرض الزراعية، وذلك لأن الإسلام يغرس في النفس الإنسانية دوما هذا المعنى وهو أن الأرض وعائدها ملك لله ولرسوله وللمجتمع، ولهذا قال عليه السلام: عادي الأرض لله ولرسوله.
ثالثاً: مدح الاحتراف في العمل والاستزراع وعدم تحقير أي عمل أو أي مهنة تتعلق بفلاحة الأرض أو غرس الأشجار. وقد نظر الرسول إلى يد أحد الصحابة الخشنة وقال: هذه يد يحبها الله. وقال عليه السلام: من أمسى كالا من عمل يده أمسى مغفورا له.
كما وعد الإسلام بأن ثمرة الاستزراع مدخل من مداخل المغفرة والثواب في الدنيا وفي الآخرة، وفي حديث مسلم والبخاري وغيرهما أن رسول الله قال: ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فتأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة.
ويعقب الدكتور حسين على هذا المعنى فيقول: هذا الحديث يشير إلى خصوصية الإسلام وحضارته في التعامل مع ثمرات الأرض. فالإسلام كما نرى يعتبر ثمرة ما في الأرض في خدمة كل من على الأرض من إنسان أو حيوان أو حتى جماد، كما أن الإنسان مأجور عن أي رزق يوفره لكل كائن حي، أو بتعبير حديث رسول الله: في كبد رطبة أجر.
هكذا يفعل الإسلام، بينما نرى حضارة الغرب اليوم، تتفنن في إفقار الناس وإجاعتهم، ونعرف جميعا كيف تعمل بعض الدول الكبرى على حرمان الدول الصغرى من الآلات الزراعية أو النباتات المثمرة. بل وصل الأمر إلى إلقاء أطنان من الحبوب في البحر خوفا من انخفاض الأسعار، وحتى لا تصل إلى أفواه بعض الناس أو بعض الحيوانات بأسعار أقل مما توقعه رجال التجارة أو بعض أهل الاقتصاد والسياسة!!
المزارعة والمشاركة
رابعاً: تنظيم عقود الإجارة والمزارعة والعمل على تحريك العناصر الرئيسية في الإنتاج وهي الأرض والمال والجهد، ولأن الإسلام يهدف في الأساس إلى الاستفادة القصوى من الإنتاج والاستزراع فإن الفكر الإسلامي هنا قائم على وجوب استغلالها من قبل المالك نفسه، وإلا فله أن يعيرها لمن يقدر على زراعتها بأعوانه وبذوره وحيوانه.. وهذه المزارعة بالمشاركة المباشرة مفضلة على الإجارة بالمال، وهي بالفعل أكثر إفادة لكل الأطراف وللمجتمع كله لأنها تؤكد وجوب الزرع وحتمية المشاركة والاستفادة من الخبرات المتراكمة عند الفرد أو المؤسسة وتحد من توسع صاحب رأس المال فقط في التملك إذ تجعل الفلاح وذا الخبرة والغني مشاركا مع المالك في الاستثمار والتملك والإنتاج.
إن الإنسان يخشى من ظلم المزارع لو أخذ الإجار منه دون النظر لما تثمر عنه الأرض، ولهذا ربط العملية كلها بالجهد والمشاركة والإنبات.
ولهذا قال عليه السلام في هذه الجزئية: أرأيتم إذا منع الله الثمرة، بم يستحل أحدكم مال أخيه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، والمزارعة أحل من المؤاجرة وأقرب إلى العدل وقواعد الشريعة.
وهذا الطرح في الحقيقة طرح حضاري ومتقدم جدا، لأن الإسلام عندئذ يعلي قدر الكد والعمل، ويجعل كل الأطراف مشاركة في المكسب والخسارة، ويوازن بين مصلحة الفرد والجماعة، وبين المصلحة العاجلة في الكسب والمصلحة الآجلة في الإحياء والاستثمار والاستزراع.
سلة العالم
وقد انعكست هذه الرؤية الإسلامية العامة في وجوب الاستزراع وتوفير لقمة العيش على المجتمع المسلم نفسه، فوجدناه كما يؤكد الدكتور حسين شحاتة يثمر أرضه ويعتبرها أشبه بعرضه وكرامته، كما وجدنا المسلم يتفنن في أساليب الزرع وبناء الجسور واستغلال المياه وأساليب الحصد والتصنيع والبيع والتصدير والاتجار. كما صارت كل ثمار أرضه داخلة في عباداته وعقيدته الدينية والتي تظهر في الزكوات، والصدقات والوقف الخيري والكفارات والنذور وكل صنوف السعي والإعمار.
وتأكيدا لهذا الفكر الواقعي، فإن العالم الإسلامي اليوم، رغم ما قد يعانيه من نقص ظاهر في الإنتاج الزراعي، يمتلك كل مقومات الإنتاج الزراعي وتحقيق الكفاية لبني الإنسان.
فالعالم الإسلامي بدوله الخمسين يمثل أكثر من خمس مساحة اليابسة كما يمثل نحو 17% من الأراضي الزراعية في قارات الدنيا الست، وبه كميات هائلة من المياه سواء عن طريق الأمطار المتجددة أو عن طريق الآبار أو الأنهار أو عمليات التحلية المتطورة كما في دول الخليج العربي ويكفي أن نعرف أن دولا مثل بنجلاديش وتركيا وباكستان تكفي مياه الأمطار بها لو أحسن استخدامها كل احتياجات العالم الإسلامي الحالية، وما له دلالة أن الأرض القابلة للاستزراع تبلغ في العالم الإسلامي نحو ستة بلايين فدان أي ما يعادل 50% من المساحة القابلة للزراعة في العالم.
إذن، فالعالم الإسلامي بالفعل هو سلة العالم، وليس السودان فقط هي سلة إفريقيا.
وبرؤية علمية يطرح الدكتور حسين ثلاثة أفكار عامة لتفعيل عطاءات العالم الإسلامي الزراعية في المستقبل القريب.
الأولى: استثمار وتدريب اليد الزراعية الإسلامية على مختلف فنون الزراعة التقليدية وأيضا جميع طرائق الزرع الحديثة. فالفرد العادي في حضارة وادي النيل والأناضول والرافدين وغيرها لديه ثقافة تاريخية رائعة يستطيع بها التقدم الواسع في مجال الكفاية الإنتاجية، ولا تزال اليد العاملة الزراعية هي السائدة في كثير من الدول الإسلامية حيث تمثل نحو 45% من إجمالي اليد العاملة في الدول الإسلامية.
الثانية: إعطاء الأولوية المادية والتكنولوجية للإنتاج الزراعي وما يتأسس عليه من صناعات لتحقيق الرفاهية.
الثالثة: تنشيط التجارة وتبادل الخبرات واليد العاملة ورؤوس الأموال ومقاومة التصحر والزحف العمراني.. وغيرها من الأمور التي تحتاج بالضرورة إلى الوحدة والتعاون والقرار السياسي.