يشكل الشباب الشريحة الأكثر استخداماً للإنترنت، ويقضي المراهقون معظم أوقاتهم ما بين مواقع التعارف والتواصل الاجتماعي مثل ال الفايس بوك وماي سبايس وتويتر، وغرف الدردشة التي لم تعد قاصرة على الكبار والمراهقين فقط بل وصل إليها أطفال في سن العاشرة وأحياناً ما دونها.
كانت الدراجة الهوائية بالنسبة للآباء والأجداد رمزاً للطفولة والاستقلال بالذات، أصبح الإنترنت اليوم رمزاً للأطفال والبالغين من جيل الألفية الثالثة، الذين تتميز حياتهم بالاتصالات الآنية والفورية عن طريق الهواتف الجوالة والرسائل النصية، وهو جيل ماهر في استخدام الكمبيوتر، ومبدع بعالمه الذي يبقيه على اتصال دائم مع أقرانه، جيل نشأ على وجبات دسمة من التقنيات الرقمية التي صاغت أفكارهم وصداقتهم، وحتى معرفتهم بالقراءة والكتابة.
وعلى الرغم من التحذيرات المستمرة التي يطلقها المتخصصون عن مخاطر استخدام الإنترنت بلا رقيب من الأسرة، والمشاكل التي تحدث نتيجة الدخول في صداقات وهمية مع أشخاص غير معروفي الهوية، إلا أن هذا لم يمنع من الاستمرار بإصدار برامج جديدة تستهدف اجتذاب المزيد من المستخدمين من مختلف الأعمار، ولعل إطلاق شركة جوجل لعالمها الافتراضي باسم Lively العام الماضي خير دليل على ذلك، إذ يستهدف هذا البرنامج توفير دردشة فورية ثلاثية الأبعاد للأطفال من سن العاشرة وما فوق، لتصبح المسؤولية مضاعفة على الآباء والأمهات بمراقبة صداقات الأبناء الحقيقية، والافتراضية على شبكة متسعة بلا حدود ولا نهاية.
وجاءت خدمة جوجل ضمن خدمات مشابهة من العوالم الافتراضية، ذات الرسوم ثلاثية الأبعاد مثل موقع سكند لايف وThere.com، حيث يعيش متصفحو الإنترنت في عالم افتراضي يصمم فيه الأشخاص أنفسهم، بدءاً من الشكل والملابس والاسم وديكور الغرفة ومن ثم دعوة الزوار للجلوس والدردشة من خلال شخصيات يختارونها هم أيضا لتمثلهم في هذه اللقاءات الافتراضية.
والشيء المميز في البرنامج أنه غير مرتبط بمتاهات العالم الرقمي الخاص، بل يمكن تثبيته بواسطة برامج التوصيل العادية plug _in في أي مكان على شبكة الإنترنت على الصفحات الخاصة، وبذلك أمام المستخدمين فرصة ربط غرف الدردشة الخاصة على صفحاتهم والمدونات بهذه الغرف، كما يتيح البرنامج للشخص تحميل محيطه بجهاز تليفزيون وبعض الصور على الجدران.
وتحت عنوان كن من تكون على الصفحات التي تزورها روجت خدمة جوجل لبرنامجها، الذي يمتاز تحميله بسهولة كبيرة تناسب الفئة العمرية المستهدفة، إذ يتطلب أولاً تثبيت البرنامج الملحق بالانترنت اكسبلورر من الموقع ليفلي بحساب بريد الكتروني من gmail.com أو يعرض إنشاء حساب في حال إذا لم يكن لديك واحد، وبعد ذلك يطلب البرنامج اختيار شخصية ثلاثية الأبعاد تمثل الشخص، واختيار الاسم، يلي ذلك اختيار الغرفة أو المنزل من القوالب المتوفرة، وهناك مجموعة كبيرة من الألبسة والأثاث ليبدأ الكل في بناء عالمه الخاص.
ورغم أن البعض يرى في هذا العالم الافتراضي كرتونية وحتى فكاهية تجتذب الأطفال من سن صغيرة، لتوسيع دائرة معارفهم وعلاقاتهم، إلا أن إتاحة الدردشة مع الآخر غير المعروف لأطفال في مثل هذه السن يشكل مخاطر لأن الأشياء يبدو ظاهرها غير باطنها.
ولعلنا لا نضيف جديداً إذا قلنا إن هذه الدردشة ليست الأولى من نوعها المتاحة للصغار على الانترنت، فهناك الدردشة عبر ال msn وال فايس بوك وغيرهما من مواقع التواصل الاجتماعي، التي تتيح بشكل كامل التواصل بين جميع الجنسيات من كافة الأعمار، لكن الجديد في هذا النوع من غرف الدردشة ثلاثية الأبعاد سعيها لاجتذاب الأطفال، بعد أن كنا نعتقد أن استخدامهم للإنترنت قاصر في هذه السن على ممارسة الألعاب الإلكترونية، وتحميل نغمات الجوال، وألبومات أغاني مطربين ومطربات، أو حتى التواصل مع أقاربهم المقيمين بدول أخرى، لتلقي بهم هذه الغرف إلى فضاء واسع غير مفهوم الهدف منه على وجه الدقة.
وكانت دراسة أعدتها جامعة لانكشاير البريطانية، وأصدرت نتائجها في فبراير/ شباط الماضي بمناسبة الاحتفالية الدولية يوم إنترنت آمن ونشرتها في بي بي سي أكدت أن 60% من الأطفال الذين يدخلون غرف الدردشة بهدف التعارف يجهلون هوية من يتحدثون إليهم، وأنهم عرضة للعديد من المخاطر علاوة على أنهم لا يتقيدون بموانع اجتماعية وعلى الأرجح يتجاهلون التحذيرات بهذا الشأن مما أدى إلى زيادة معدل جرائم الأطفال المرتبطة بمواقع الدردشة بمعدل 190 بالمائة خلال العامين الأخيرين.
وتعتبر راشيل أوكونيل رئيس فريق البحث بوحدة أبحاث الانترنت التي أعدت الدراسة بالجامعة أن الطريقة المثلى لتغيير سلوك هؤلاء الأطفال ليست في محاولة منعهم من استخدام غرف الدردشة لأن هذه الطريقة تأتي بنتائج عكسية، وتجذبهم أكثر إلى استخدامها بدلاً من تجنبها، وبدلاً من ذلك لا بد للآباء من مشاركة أطفالهم فيما يفعلونه على الإنترنت.
ومن أهم مخاطر غرف الدردشة التي رصدتها الدراسة هي تعرض الأطفال للعديد من المضايقات تصل أحياناً إلى التحرش، حيث يتعرض 1 من بين كل 17 للتهديد والتحرش، و44% من رسائل التحرش تأتي من أصدقاء الضحية، إضافة إلى سرقة المعلومات الشخصية حيث تعتبر 5% من حالات سرقة المعلومات الشخصية لمراهقين من دون الثامنة عشر، إلا أن أخطر النتائج هي تعرض 1 من كل 7 أطفال للإغواء، 70% منهم من البنات و30% من الأولاد، و81% كانوا من سن 14 وما فوق و3% كانوا من 11 سنة أو أقل.
استطلعنا آراء خبراء ومختصين بعلم التربية، وأمن المعلومات وهندسة الشبكات حول هذه الظاهرة فكان الإجماع على خطورة ترك الأطفال بمثل هذه الغرف غير المأمونة.
الدكتور وسيم الحاج مدرس أمن المعلومات في جامعة الإمارات، أكد أن الهدف الرئيسي من فكرة الدردشة على الانترنت كان في البداية مشاركة المعلومات بين مختلف أفراد العالم، وتقريب المسافات، وتجميع الأصحاب، لكن للأسف الاستخدام السيئ للأشياء يفقدها الكثير من قيمتها وهدفها الحقيقي، لتصبح الشات الآن بالفعل خطرة ليس فقط على الأطفال بل المراهقين والكبار أيضاً، سواء الدردشة ثلاثية الأبعاد أو غيرها على مواقع التعارف الاجتماعي، والقصص التي ترد عن جرائم تحدث نتيجة التعارف عبر هذه الغرف بتزايد مستمر. وأرجع أسباب هذه الخطورة إلى ما يمكن أن يتعرض له الصبي أو الفتاة من مضايقات وتحرش من أشخاص مجهولي الشخصية.
وينصح دكتور الحاج الآباء والأمهات بمراقبة أبنائهم أثناء استخدام الإنترنت عامة وليس فقط عند دخول غرف الدردشة، ويرى أنه ليس عيباً أن يستعين الأب ببرامج حماية خاصة على جهاز الكمبيوتر مثل key logger وهو برنامج بسيط ومتوفر ويمكن الحصول عليه من الانترنت، ويمتاز هذا البرنامج باحتفاظه بكل شيء يكتبه الابن على الكمبيوتر، بملف مخفي، ومن ثم يمكن للأب بعد ذلك مراجعته وقراءته، وعلى الرغم من أن البعض قد يعتبر هذا تجسساً إلا أنه مقبول حماية للأبناء، أما عن برامج المنع التام التي تزود بها بعض الأجهزة لإيقاف البحث بكلمات معينة مثل دردشة وصداقة ونحو ذلك فهي لاتزال معقدة بعض الشيء وتحتاج إلى اختصاصيين بالكمبيوتر وليست متوفرة للجميع، وعلى الرغم من ندرتها إلا أن الكثيرين استطاعوا القفز عليها واختراقها.
واعتبر الحاج انتشار أشكال جديدة من الدردشة وغيرها أمراً يخدم النواحي الدعائية لأي موقع، فعلى الرغم من الانتقادات الكثيرة الموجهة لمواقع التواصل الاجتماعي، إلا أننا نلحظ زيادة حجم الإعلانات التي تحتويها هذه المواقع، وكلما زادت شهرتها ارتفعت أسعار الإعلان فيها، مشيراً إلى نقطة بالغة الخطورة بهذا الصدد وهي أن أي بريد إلكتروني على الشبكة العنكبوتية لا يتمتع بأي خصوصية، ويمكن لأية شركة أن تبيع البريد الإلكتروني لمشتركيها، لشركات مختلفة، مثلاً إذا زار أحدنا موقعاً لبيع الكتب، واشترى منه كتاباً، لا يلبث بعدها أن يفاجأ بعدد هائل من الرسائل تطلب إضافتها إلى قائمته، إذا احتاج كتاباً في المرة القادمة، وما حدث هنا أن الشركة التي اشترى منها الكتاب وزعت بريده الإلكتروني على غيرها من الشركات.
الدكتور صادق رابح مدرس التكنولوجيا الحديثة ومجتمع المعلومات بجامعة الإمارات يرى أن الإنترنت عامة وغرف الدردشة خاصة أداة يمكن الاستفادة منها لو أحسن التعامل معها، وتصبح العواقب سيئة إذا أسيء الاستخدام، رافضاً فكرة شخصنة الأشياء بمعنى إذا حدث مكروه لشخص ما بسبب الإنترنت، نلقي باللائمة عليها ومن دون النظر إلى كيفية استخدام هذا الشخص.
ويعتبر رابح أن الإنترنت كأداة للمعرفة وتوسيع فضاء المعلومات يعتبر تطوراً مهماً للغاية بالسنوات الأخيرة، لكنه يرفض ترك الأطفال بمفردهم في هذه الفضاءات سواء غرف الدردشة أو غيرها، مبرراً ذلك بإمكانية تعرضهم لأشياء تتنافى وأخلاقيات المجتمع والذوق العام، أو أشياء تدفعهم إلى ارتكاب سلوكيات غير مقبولة اجتماعياً، ويرى أن اصطحاب الآباء لأبنائهم أثناء تجولهم بالإنترنت أمر ضروري ومهم، لكن المشكلة في أن معظم الآباء لا يملكون مهارات التعامل مع الأجهزة الحديثة وتقنيات المعلومات التي تتطور يوماً بعد الآخر، ومن الطبيعي أن نجد طفلاً بالعاشرة مثلاً يفوق والده بمراحل عدة في المعرفة التقنية والرقمية، ويجيد التعامل مع الكمبيوتر وغيره من الأجهزة أفضل من الكبار، ويرفض أن تكون عقلية المنع هي البديل الذي يفرضه الآباء، بل الحل هو مصاحبتهم وإرشادهم وتوضيح كافة الأمور لهم. ويضيف رابح أن تحميل الإنترنت مسؤولية كل كارثة أو مشكلة هو حجة العاجزين، فاستخدام الأطفال السليم للإنترنت يكشف للآباء عن اهتمامات أبنائهم الحقيقية التي لا تظهر مثلاً بالمدرسة أو المنزل، وتجعلهم يتعرفون إلى المواضيع التي يريد أن يناقشها أبناؤهم، والأخرى التي تثير فضولهم، لذا اصطحاب الأبناء أثناء استخدامهم للإنترنت مهمة لا بد منها.
ويعتبر أنه لولا المشكلة لما كان الحل، فاكتشاف المشاكل الناتجة عن استخدام مواقع الدردشة وغيرها، ربما يكون مفيداً في جعل الآباء أكثر اهتماماً وخوفاً على أطفالهم.
ويشير الدكتور خليفة السويدي مدرس التربية بجامعة الإمارات إلى أن وجود أولياء الأمور مع أبنائهم أثناء استخدامهم للإنترنت أمر مهم جداً، لأن هذه التكنولوجيا لم تكن جزءاً من حياة الكبار، لكنها مهمة في حياة الصغار، ومستقبلهم الأكاديمي والحياتي أصبح مرتبطاً بها، خاصة الإنترنت والايميل وغيرهما، ويحتاج الأطفال منذ البداية إلى الحصول على جرعات مناسبة في كيفية التعامل مع هذه التقنيات الحديثة، ومهم جداً أن يعرف أي طفل أن هذا الجهاز به جانب خير وآخر شر، وتعمل الأسرة على وضع ضوابط أخلاقية ومعايير للتعامل معها، لأنه إذا لم تقم الأسرة بهذا الدور، سيتعامل معها الطفل بعد ذلك في المدرسة أو غيره من دون وجود ضوابط وهنا تكمن المشكلة.