سنة تغيرت فيها أنظمة وسياسات، وخرائط مجتمعات . . اهتزت أعماق مجتمعات عربية، وتلاقت ضمائرها على حركة هائجة عصفت بأنظمة كانت تسومها الظلم لعقود طويلة، نفد فيها صبر تلك الشعوب ويئست من أن أنظمتها سترعوي عن غيها وتصلح ما أفسدته، فانتفضت موجا هادرا يصنع حريته بنفسه، وينخرط في مسار ديمقراطي متواصل، في ظل ذلك الحراك السياسي والاجتماعي الشامل، كان لا بد للشعر أن يحضر، وأن يقول كلمته، وكانت البداية في استعادة الجماهير لأصوات شعرية طبعت فترات من التحرر العربي، والحراك الثوري في الماضي، وأصبحت أيقونات شعرية لكل ثورة وحركة تحرر عربية، وغدت أشعارها شعارات ترتفع بها الرايات وتصدح بها الحناجر، فترددت في الساحة كلمات أبي القاسم الشابي:
إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي
ولا بد للقيد أن ينكسر
وقول أحمد شوقى:
وما نيل المطالب بالتمنى
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وقوله:
وللحرية الحمراء باب
بكل يد مضرجة يُدُقُ
وكذلك أشعار أمل دنقل ونزار قباني وعبد الله البردوني، وغيرهم من الشعراء العرب ذوي البصمات، كما انبعثت الأغاني الثورية القديمة كاد الناس ينسونها وظنوها انتهت إلى الأبد، فإذا هي تتردد من جديد في أرجاء ميادين التحرير، بأصوات أم كلثوم وسيد إمام، وغيرهم .
لكن حضور الشعراء الأحياء وأشعارهم، ومواكبتهم للحدث شابه الغموض وأثيرت حوله الكثير من الشبهات، في كثير من الأحيان بالنظر إلى أن شعراء كباراً مثلوا في لحظة معينة واجهة الشعر الحديث والشعر الثوري، تقاعسوا عن نصرة الثورة العربية، بل اتهموا بعضهم بمعاداتها، كما حدث لأودونيس و سعدي يوسف، وهذا الأخير كتب بشكل صريح إدانته للربيع العربي في نص منشور في إحدى الجرائد العربية يقول فيه: نعرف تماماً أن أمراً صدرَ من دائرة أمريكيّة معيّنةٍ .
وكما حدث في أوكرانيا والبوسنة وكوسوفو ، إلخ . . . أريدَ له أن يحدث في الشرق الأوسط وشماليّ إفريقيا .
الفيسبوك يقود الثورة في بلدانٍ لا يملك الناس فيها أن يشتروا خبزَهم اليوميّ !
هذا المدقع حتى التلاشي ، الأمّيّ ، التقيّ . . .
هذا الذي لا يستطيع أن يذوق وجبةً ساخنةً في اليوم .
هذا الذي يعيش على الأعشاب والشاي وخبز الحكومة المغشوش .
هل يعرف الإنترنت؟
ومَن هؤلاء القادةُ الفتيانُ ؟
عيبٌ والله!
لقد شوشت مثل تلك الآراء على موقف الشعراء عامة فاتهموا بمعاداة حركة الربيع العربي، وفاضت الصحافة بإدانة وتخوين الشعر والشعراء، واتهامهم بموالاة الأنظمة الدكتاتورية، غير أنه ينبغي الاعتراف بموقف الكثير من الشعراء الكبار الذين ساندوا الثورة مثل عبد العزيز المقالح، وفاروق جويدة، وأحمد عبد المعطي حجازي، وغيرهم ممن أسالوا حبرهم في تمجيد الثورة، هذا فضلا عن عامة الشعراء الشباب من جيل التسعينات والألفينيات الذين هم منخرطون قلباً وقالباً في الثورة، وقد امتلأت الميادين والقنوات الإعلامية والمنابر الأدبية بأشعارهم الثورية، ومن المتوقع أن يكون لهذا الانخراط تأثير في الشعر بناء ولغة، ذلك أن للثورة رؤيتها ومفاهيمها ولغتها الخاصة التي لا محالة ستتسرب إلى الأشكال التعبيرية التي يعبر بها أبناؤها .
لا يسلم الشاعر الإماراتي عبد الله عبد الوهاب بوجهة النظر تلك، فهو يرى أن الشعراء نظروا في البداية بعين الريبة لتلك التحركات ولم يتحمسوا لها، بل اتخذوا منها موقفاً سلبياً في كثير من الأحيان، رغم أنهم يعرفون بحكم وعيهم، ومن خلال مؤشرات كثيرة أن التغيير في تلك البلدان قادم لا محالة، ويضيف عبد الوهاب أن أدباء كثرا تنبؤوا بما سيحصل، منهم على سبيل المثال أمل دنقل في الكعكة الحجرية، وتنبأ مفكرون في العالم بحدوث قفزات مفارقة في الوجود، وقديما قال فلادمير لينين إنه تمر عقود ولا يتغير فيها شيء، ثم تأتي لحظات يتغير فيها كل شيء، وللأسف فإن الشعراء العرب لم يقرأوا جيدا تلك اللحظة فنفروا منها، وجعلوا بينهم وبينها سدا، ويعزو عبد الوهاب ذلك إلى جو الإحباط الذي كان يسيطر على المبدعين والمثقفين فقد يئسوا من التغيير ومن ذهاب تلك الأنظمة العسكرية القمعية، ونتيجة لذلك فمن الصعب الجزم بأن الشعر تأثر كثيرا بالثورة، أو أنه سيتأثر بها في القريب العاجل، نظرا لأن التأثير في الفن يحتاج إلى وقت واختمار حتى تتكون حساسية جديدة .
أما الشاعر الإماراتي سعيد المنصوري فيفصل في هذه المسألة حيث يرى أن تأثيرات الربيع العربي في الشعراء في البلدان التي حدثت فيها تغييرات قد اختلفت بين دولة وأخرى فنحن نسمع ونقرأ في تونس ومصر واليمن وليبيا شعراً ثورياً، وضع نفسه في المواجهة المباشرة مع الأنظمة الطاغية وحمل لواء الثورة، وناضل نضالاً مستميتاً، وقد ارتفع سقف مطالبته بالحرية ودخلته العبارات الثورية ولغة الشارع الهائج، كما ارتفع سقف مواجهته إلى حد النضال وتصل ثورية نزار قباني إلى ذروتها حين قال:
كل حرف كتبته كان سيفا
عربيا يشع منه الضياء
فكانت كلماتهم سيوفا على الثقافة المستبدة، أما في البلدان التي فيها نوع من المصالحة بين الشعب وبين النظام، وفيها استقرار سياسي، فالشعر فيها بقي على حاله، لغة وتصويرا، ولم يحدث فيه أي تغير يذكر اللهم إلا ما كان من تجاوب بعض الشعراء مع ثورة إخوتهم في البلدان الأخرى ومؤازرته لهم في نضالهم .
أما الشاعر علي كنعان فيجزم بأن التغير حصل، وإن من لم يلتحق بركبه من الشعراء عليه أن يلتحق به قبل فوات الأوان، ويوضح وجهة نظره بقوله: إن كل ثورة هي ولادة جديدة تجعلنا أمام سؤالين في المطلق، سؤال قريب يتعلق بمدى عمق الرحم وأبعاده، وهو هنا فضاء الحرية وأبعادها، وسؤال بعيد يتعلق بماهية الرحم نفسه الذي هو التكون وأسئلة الخلق، وهو هنا سؤال الحرية التي هي أصل معنى الكون وفضاء الفنون، ولا فضاء للمقيد والراسف في الأغلال، بهذا المعنى فالشعب الذي يصنع الثورة هو الفنان الأعظم الذي يعيد طرح الأسئلة، ومدى اقتراب هذا الفنان أو ابتعاده عن الأصل والرحم والمعنى هو ما يحدد أهمية ما يقوله من عدمها .
يضيف كنعان أنه على الصعيد العام لا نكاد نلمس كثيراً من الأعمال الكبيرة المتعلقة بقلق الكائن ونزوعه الخلاق نحو الحرية والفن، لكن لا ننكر وجود أعمال قليلة في هذا الصدد، وبالنسبة لي فقد تعلمت من شعبي أن أعود إلى صفوفه وأخرج منه بشعر لا يتعالى عليه، وإنما يصعد معه إلى حدود المطالب القريبة إلى روح المطلق كما فعلت في قصيدة سوريا بصوت الأذان، فإذا كان نزار قباني قام بثورة عظيمة بحيث نزل بالشعر إلى مدركات الناس وبساطة الحياة اليومية، فعلينا نحن اليوم أن نقوم بثورة مضادة هي الصعود والارتفاع بالشعر من رحم اليومي والراهن إلى أفق الأسطورة، فالثورة التي لا تلامس الأسطورة لا يعول عليها، والفن الذي لا يلامس الأسطورة لا يعول عليه .
بهذا المعنى على الفنان أن يكون رائدا لشعبه، وإلا فسيكون تابعا متخلفا عن إرادة الشعب، هنا سنعود إلى تونس العظيمة ومصر الكبرى وليبيا العظيمة، واليمن الذي هو منطلق هجرات البحث والحرية، ونعيد اكتشافها أرضا عربية جديدة تضيء الكوكب، وتوضح كم هي صعبة المهمة الملقاة على عاتق الرواد في الفنون والحياة والسياسة، وهنا أيضا لا بد من العودة إلى العامية التي ما زالت أرضا بكرا للفن تضاهي الفصحى بسبقها إلى اكتشاف القارة الجديدة والشمس الجديدة، علينا نحن الشعراء أن نعود إلى التظاهرات والساحات العامة والبيوت والنجوع والزرائب، ونتعلم أو نغار من الفتوش والساروت وأحمد فؤاد نجم وطلال جيدة والرحابنة وفؤاد الحداد والشابي الذين اكتشفوا مهاد الفن في أرضهم باكرا .
تبقى تلك فرضيات أو هي تحديدات موجهة من النقاد والأدباء لمستقبل الشعر، لكننا لو عدنا إلى ما كتب من شعر منذ هطل أمطار الربيع العربي وحتى الآن سنجد أنه من ناحية المفردة والصورة بدا متأثراً بلغة الميادين والشوارع وخطابات الثورة مثل ارحل وديقاج والشعب يريد كما دخلته صور استعارية وكنايات مثل موقعة الجمل وميدان التحرير وسيدي بوزيد وغيرها من الظواهر الفنية التي تدل على تغلغل الشعر في الميدان وارتوائه من نهر الثورة .
يقول فاروق جويدة مستلهما بعض تلك العبارات:
ارحل وعارك في يديك
ما عاد يجدي
أن يفيق ضميرك المهزوم
أن تبدي أمام الناس شيئا من ندم
فيداك غارقتان في سلب ونهب ونهم
ووجه الكون أطلال . . . . . . وطفل جائع
من ألف عام لم ينم .
ويقول عبد العزيز المقالح مستلهماً رمز الياسمين وصلاة الميادين، وقناديلها:
جميلٌ، جميل هو الياسمين
وأجمل منه الصلاةُ التي
رتّل الثائرون هنا وهناك
أناشيدَها،
والقناديل تلك التي شعشعت
هذا الاستدعاء للغة الواقع وصوره، يشير إلى توجه ابداعي مهم في فضاء الشعر العربي، وهو عودة الاتصال بين الشعر وبين الواقع، فبعد أن جدّف الشعراء في أعماق بعيدة جدا عن الإنسان وحياته اليومية وتشظيه بإكراهات الواقع، وبعد أن فقد القارئ العربي العادي ذلك الخيط النوراني الذي كان أوله تحت قدميه وفي أغوار نفسه وآخره يرفرف في سموات الإبداع والجمال، ويئس واكتأب بسبب تيارات الذاتية الضيقة والفردانية المغرضة، والتجريبية العمياء، بعد كل ذلك نتوقع أن يشكل الربيع العربي ومحمولاته الفكرية والفنية نقطة تحول نحو استعادة تلك الصلة، وربط ذلك الخيط بين الإنسان والشعر، لينير من جديد دربه نحو تحقيق ذاته وسعادته .