الرصد المطلوب خلال عام من رحلة الحركة الفنية التشكيلية في لبنان، يتطلّب متابعة شاملة وجادة لأبرز المحطات، وهي في الواقع، نتاج المحترفات الفنية الكثيرة التي يمارس فيها الفنانون اللبنانيون عملية الإبداع الفني التشكيلي، ولكن شريطة أن تكون هذه المتابعة ذات طابع نقدي، وإلا سقطت عملية التقييم في وهدة التكرار والإنشائية، سيما أن النقد الفني التشكيلي وحده الذي ينطوي على وعي أكيد بالتقنيات والإيقاعات المتجددة.
إن عملي كعضو في اللجنة العليا لاقتناء الأعمال الفنية التشكيلية لصالح وزارة الثقافة اللبنانية بغية جمع الكمية والنوعية المطلوبة، لإنشاء المتحف الوطني اللبناني للفن المعاصر أتاح لي مع اللجنة دراسة أكثر من 300 عمل فني خلال عام 2015 قدمت من قبل فنانين لبنانيين، على كافة المستويات، والأعمار، والإيقاعات والموضوعات كافة.
كانت معايير الاقتناء واضحة هذا العام، فالحداثة مع المستوى النوعي والمتانة التشكيلية مع اختمار التجربة، هي التي تؤهل العمل الفني لأن يكون ضمن مقتنيات الدولة اللبنانية، وأن يصنّف هذا العمل كواحد من الأعمال التي يحتويها المتحف «الافتراضي» الذي أنشئ لكي يهيّئ الأجواء لمحتويات المتحف الوطني الحقيقي المقبل.
ومن بين هذه الأعمال تمّ رفض ما بين 30 و38 %، وذلك بسبب تدنّي المستوى التنفيذي للعمل الفني، أو لانعدام الرؤية الإبداعية في اللوحة، أما ما تبقى فقد صنّف إلى مراتب ذات مستويات مختلفة، ولكن تمّ استخلاص النتائج التالية التي جيِّرت على خانة عام 2015 الفنية التشكيلية في لبنان.
أولاً: هناك عودة واضحة للفنون الموضوعية لدى الرعيل المتوسط من الفنانين اللبنانيين. حيث تعزّزت لوحة المنظر الطبيعي، واللوحة التسجيلية، ولوحة البورتريه وإن بشكل غير انطباعي تأثيري كما كنا نرى سابقاً.
ثانياً: انحسرت موجة الفنون التجريدية لدى رعيل الشباب الذي كان يمتاز بالمغامرة والابتكار، بل برزت تيارات هؤلاء الشباب واقفة بقلق على الحافة بين التشخيصية والتجريدية.
ثالثاً: انعدمت تقريباً تيارات كانت سائدة سابقاً في بعض المناطق ذات التوجّهات الدينية، فالحركة الحروفية التي استلهمت الموروث الخطي، ومارست لعبتها الحروفية لم نرَ لها أثراً حتى عند كبار روادها، أمثال (وجيه نحلة) بل حلّ محلها الفن الإشاري الرمزي.
رابعاً: على مستوى النحت، تراجع النحات اللبناني كثيراً عن مقامه السابق. فقدّم البعض منهم قطعاً جيدة، أمثال النحات «بسام كيريللوس» أو الفنان النحات الفطري (نبا).
على العموم كان المعرض الأكبر للفن التشكيلي اللبناني قد تمثّل بالأعمال الكثيرة التي قدّمت إلى لجنة الشراء، ورصد لشرائها ذلك المبلغ الكبير الذي وصل إلى المليار ليرة لبنانية تقريباً.
ولكن ماذا على صعيد المعارض الفنية خلال العام 2015؟
هنا يجب أن نتنبّه إلى السوق الفنية اللبنانية، وهي سوق بالغة الحساسية، تتدفق عليها الأعمال الفنية اللبنانية والتي دخلت الآن في منافسة مفتوحة مع الأعمال الفنية السورية، التي نجح الفنانون السوريون في تهريب أعمالهم المعرضة للقصف والدمار.
وربما تجربة الفنان السوري الحلبي «سعد يكن» أوضح برهان على ذلك، إضافة إلى أعمال الفنان الحمصي (طلال معلا) وغيره من الفنانين الشوام. فيما لم ينجح بعض الفنانين السوريين في إنقاذ محترفاتهم وأعمالهم. ويكفي أن نقلق على أعمال الفنان الحموي الأصل (خزيمة علواني) الذي يقع محترفه ومنزله في غوطة دمشق.
المهم أن العديد من معارض الفن للفنانين السوريين أقيمت ببيروت، فيما اختصرت معارض الفنانين اللبنانيين على مبادرات فردية في أكثر من صالة، ربما كانت صالات أجيال وزمان والأونيسكو أبرز الأماكن التي احتضنت هذه المعارض.
إن المعارض الفردية تصلح أن تكون معياراً فردياً وليس موضوعياً عاماً شاملاً، لأن المعرض الجماعي وحده يشكّل القيمة الأساسية للمعيار الفني الجماعي.
ومن بين هذه المعارض الجماعية التي مرّت بسرعة خاطفة، معرض جمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت، فالمعرض بالرغم من الاهتمام الاستثنائي به، فشل في جذب النقاد والجمهور، بل كان الزخم ليلة الافتتاح فقط.
أما المعرض الجماعي الذي اعتاد متحف (سرسق) إقامته كل خريف، فلم يحصل هذا العام بسبب الترميم والتأهيل الذي شمل المتحف.
لكن وحدها صالة غاليري (زمان) التي يديرها الدكتور (موسى القبيسي) استطاعت وبنجاح إقامة المعرض السنوي الذي حمل اسم (الملوانة اللبنانية). وقد علقت في هذا المعرض الجماعي مجموعة نادرة من الأعمال الفنية للعديد من الفنانين الأحياء والراحلين، لذلك صادفنا أعمالاً للفنانين الراحلين (عارف الريّس) و(فؤاد جوهر) و(بول غيراغوسيان) و(مصطفى فروخ) وغيرهم. وهي أعمال ذات أهمية استثنائية، أكدت عمق خسارة الحركة الفنية بمن رحل من المبدعين اللبنانيين.
أما الأحياء فهم نخبة متنوّعة من كبار الفنانين اللبنانيين الذين برهنت لوحاتهم الفنية على عمق الاختبارية التجريبية ومتانة العصب التشكيلي لدى العديد من الفنانين الكبار.
إن أعمالاً لحسين ماضي، وجميل ملاعب، وعمران القيسي، وأميَّة حمدان، ومحمد عبد الله، وغيرهم من المحترفين أكدت أمام المتلقي رسوخ بعض أعلام الفن التشكيلي اللبناني في المواقع الأساسية لتياراتهم التي اشتغلوا عليها. لذلك جاء هذا المعرض علامة مضيئة للعام 2015. حيث تأكدت المداميك الأساسية للحركة الفنية اللبنانية.
بالمقابل برز اتجاه جديد نحو فكرة المزادات الفنية، والتي برز فيها «أرامان ارقش» الذي نظّم المزاد الأكبر حجماً ونوعاً يوم 28/11/2015 في بيروت.
لقد عرضت أعمال كثيرة لفنانين لبنانيين كبار بيعت بأسعار متباينة، لكن متدنية اذا اردنا الحقيقة، فلوحة الفنان (حسن جوني) وهو فنان مخضرم بيعت ب800 دولار امريكي. وكذلك لوحة الفنان (روبير حلو) ولوحة (جان مارك نحاس) ولوحة الراحل (ميشيل عقل) كما لوحة البروفيسور (سمير ثابت) ولوحة الراحل (إبراهيم مرزوق)، وعدد كبير من الفنانين لم تتجاوز لوحاتهم في المزاد سعر الألف دولار امريكي.
حتى الفنان (هرير) الذي كانت لوحاته تباع بأسعار خيالية لم يصل سعرها أكثر من ألفي دولار أمريكي. أما أسعار لوحات أمين الباشا ووجيه نحلة وجورج القرم ومحمود صفا وأولغا ليمانيسكي، فقد توسطت في ما بين ال3000 و4000 دولار أمريكي. لكن إحدى لوحات «بول غيراغوسيان» الفنان الراحل الكبير بيعت بثمانين ألف دولاراً. كما بيعت لوحة المرحوم ايلي كنعان ب30 ألف دولار أمريكي.
ما يكشف عنه المزاد، هو الذوق العام للمقتني اللبناني الذي بات يتعاطى بقدر من الانتقائية الزائدة إزاء الفن اللبناني، انه قدر من العلاقة الهجينة أصلاً بين الفنان اللبناني وجمهوره، لكن لنعترف بأن العام 2015 تشكيلياً كان عام الكشف الحقيقي عن المستوى الأكيد للفن اللبناني حيال جمهوره.
إننا لم نشهد خلال العام 2015 أي معرض عربي وافد ، بسبب الحالة الأمنية الصعبة، لكن حضور العديد من الفنانين السوريين عوّض عن هذا النقص، فيما لم يحصل أي معرض لبناني في الخارج، بل حصلت مشاركات فنية لبنانية في معارض جماعية عربية في الخليج والسعودية.