موسم تسويق الخوف

03:08 صباحا
قراءة 3 دقائق
عاصم عبد الخالق

اعتاد السياسيون الأمريكيون، سواء كانوا في الحكم أو يطمحون في الوصول إليه، صنع الفزاعات والتحذير من التهديدات القادمة من الخارج

السياسيون الأمريكيون، مثل غيرهم في العالم، يعرفون بالفطرة قاعدة ذهبية تقول إن الخوف هو أفضل وسيلة للتحكم في الجماهير، وضمان التفافها حول قادتها. وهم لا يدخرون وسعاً في استثمار هذه الحقيقة، والتفنن في تسويق الخوف لضمان ولاء الجمهور، وتأييده لما يتخذونه من قرارات وسياسات قد لا تكون مقبولة في الأحوال العادية.

عندما يسود الخوف يغيب العقل، ويتلاشى المنطق، ويتنازل الإنسان عن حقه في الاختيار، وفي أشياء أخرى كثيرة، طلباً للأمن أولاً وقبل أي شيء. لذلك لابد من إيجاد عدو فإن لم يوجد اخترعوه.

اعتاد السياسيون الأمريكيون، سواء كانوا في الحكم أو يطمحون في الوصل إليه، صنع الفزاعات والتحذير من التهديدات القادمة من الخارج، والتي تتغير بتغير الظروف. في حقبة ما كان يتصدرها الخطر الأحمر ثم زال بانهيار الاتحاد السوفييتي، ليأتي بعده الخطر الأخضر القادم من العالم الإسلامي. ورغم تراجع تهديد الإرهاب لم يعدم القادة الأمريكيون الخيال لتسويق مخاطر أخرى مثل أسلحة الدمار الشامل وإيران وكوريا الشمالية.

ويعد الرئيس دونالد ترامب أحد أكثر السياسيين استخداماً وتوظيفاً لمشاعر الخوف كسلاح سياسي فعال لتحقيق أهدافه. تبنّى ترامب قائمة أعداء أكثر اتساعاً وتنوعاً شملت إلى جانب التهديدات التقليدية السابقة، المهاجرين القادمين لسلب الوظائف من الأمريكيين، واللاجئين الذين سيعيثون فساداً في الأرض الأمريكية. إضافة إلى الصينيين الساعين للسيطرة على الاقتصاد الأمريكي أو تدميره إن استطاعوا.

كما أدخل ترامب تغييراً نوعياً على مفهوم الخطر، فلم يعد قاصراً على التهديدات الخارجية. ونجح بعقليته التجارية في تسويق أنواع مستحدثة من التهديدات الداخلية في مقدمتها فساد الطبقة السياسية المسيطرة أو ما اعتاد وصفه بمستنقع واشنطن والذي وعد بتجفيفه قبل أربع سنوات ولم يفعل بعد.

وحالياً يوظف الخوف من عمليات السلب المرافقة للمظاهرات المنددة بالعنصرية باعتبارها خطراً داهماً كان يمكن أن يتفاقم لولا وجوده في السلطة. بالطبع لا ينسى تذكير مستمعيه بأنه وحده القادر على مواجهة تلك الأخطار، وأن الديمقراطيين بضعفهم لا يمكنهم التصدي لها.

كسب ترامب معركته الرئاسية في 2016 بهذا التكتيك، ويأمل تحقيق نفس النتيجة بنفس السلاح هذه المرة أيضاً. ويراهن على أن إثارة فزع الجماهير يضمن تغييب أي مناقشات جادة تبحث مثلاً في أسباب فشله في إجهاض هذه الأخطار.

لا يعزف ترامب وحده لحن الخوف، لكن يشاركه الجمهوريون ويعملون معه بتناغم كفريق واحد. أحدهم وهو «بين شابيرو» المعلق السياسي في «نيويورك تايمز» أصدر كتاباً بعنوان «كيف تدمر أمريكا في 3 خطوات سهلة»، وقد عرض موقع «ديلي سينجل» اليميني مقتطفات منه قبل أيام. مثل غيره من المحافظين يعيد المؤلف إنتاج مقولات دارجة في قاموسهم السياسي بصيغ شتى مثل: «انتم تواجهون تهديدات حقيقية»، «نحن نحميكم»، «عندما يتعلق الأمر بالأمن فإن الجمهوريين هم الاختيار الصحيح».

الخطر الأكبر الذي تواجهه أمريكا كما يحدده ينبع من داخلها ويجسده من يسميهم بدعاة التفكيك أو الانقساميين. لم يقل إنهم الديمقراطيون ولكن للقارئ أن يستنتج ذلك دون مخافة الوقوع في الخطأ. هؤلاء يريدون تحطيم أمريكا. لكن في المقابل ولحسن حظها هناك من يسميهم «الوحدويين» أو «الاتحاديين» الذين يتصدون للانقسام المجتمعي. هنا أيضاً لن يخطئ القارئ لو افترض أن الكاتب يقصد الجمهوريين.

وتدمير أمريكا كما يرى سيكون بتقويض المنظومة الثلاثية التي يقوم عليها وجود الوحدويين والمكونة من الفلسفة والثقافة والتاريخ. فلسفتهم هي نفس ما كان يؤمن به الآباء المؤسسون، وفي مقدمتها المساواة والحريات الطبيعة للأفراد. أما جوهر ثقافتهم فهو تشجيع المؤسسات الاجتماعية لنشر التسامح، والثقة، والحرية. ويتلخص تاريخهم في الكفاح للوفاء بمبادئ إعلان الاستقلال والدستور.

هناك من يسعى لتدمير هذه القيم السامية. وعلى الناخب أن ينبذ هؤلاء الأشرار ولا يسمح لهم بالوصول إلى البيت الأبيض. مرة أخرى لم يقل الكاتب إنه يقصد الديمقراطيين. ولكن من غيرهم يريد إزاحة ترامب عن موقعه الذي يحمي من خلاله الشعب؟.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y5jadqqy