موسيقى تكسير الدنيا

23:45 مساء
قراءة دقيقتين

عبد اللطيف الزبيدي

هل جنابك متابع جيّد بانتظام لفلتات الموسيقى العربية؟ إذا كنت من أهل الرصد الغنائي باستمرار، فأنت تستحق التهنئات القلبيّة على أعصابك الفولاذيّة، كما قد تكون ممّن أنعم الله عليهم بانطباق بيت الشاعر: «إنّي أنلتك أذناً غير صاغيةٍ.. وربّ منتصتٍ والقلب في صممِ».

لستَ في حاجة إلى البحث عن منهجيّة للتحليل الموسيقي. ببساطة: الكثير من الأعمال المنكرة، من التجاوز تسميتها موسيقى، وإلاّ كان عليك أن تلقي بمنظومة القيم الفنيّة والجمالية والعلمية في سلّة المهملات، وتنطلق من أن العلاقات العامّة والدعاية والإعلان قرّرت أن فلانة فنّانة وفلاناً فنّان، بالتالي فإن تلك الألقاب لا تسقط بالتقادم، مثل الجرائم الكبرى. مقاييس النقد الفنّي ضاعت، باتت من قبيل الفوضى الخلاّقة. معيار النجاح أن يقال: إن الأغنية «كسّرت الدنيا». العالم العربي لم يكن ينقصه شيء غير التكسير. كم عدد البلدان التي صارت جمع تكسير؟ أضحى التألق الفنّي صعوداً إلى الهاوية.

القضية ليست مزحة. ليس أمراً يستهان به أن نرى الشعوب العربية منخدعة بترّهات من نوع: الأغنية الفلانية حصدت تسعين مليون «لايك». يعني أن في الأربعمئة مليون عربي، واحداً من كل أربعة إحساسه بالجمال ومداركه ومعرفته بالشعر والموسيقى ومقاييسه النقديّة وقيمه الفنّية والجمالية، كلها تحتاج إلى فحص واختبار. إذا كان الرقم تضخيماً غوغائياً بفعل الذباب الإلكتروني، فإن انعدام الضوابط وانهيار المناعة الذوقية، ظاهرة مخيفة مرعبة.

من يقف وراء هذه السيول المدمّرة؟ سيقال إن هذا السؤال من هرطقات نظرية المؤامرة. حسناً، فلننظر إلى المأساة من زاوية مختلفة: ماذا يسمّى العمل المحسوب على الموسيقى، حين لا تكون لكلماته أيّ صلة بالشعر، ولا للجانب المدسوس على التلحين علاقة بالتأليف الموسيقي؟ صار المرء يشك في أن أساطين الموسيقى العربية الراحلين، كانوا «سيكسّرون الدنيا» ويحصدون تسعين مليون لايك، لو كانوا بيننا اليوم: «ليس من مات فاستراح بميْتٍ..إنّما الميْت ميّت الأحياءِ». لو قيل لأحمد شوقي والسنباطي وأمّ كلثوم: ما رأيكم في جمهور كهذا، لطلّقوا الفن ثلاثاً في ثلاث في ثلاث، وصرخوا: «حنعمل لخبطيطة»، ثم فاضت أرواحهم.

لزوم ما يلزم: النتيجة الرثائية: أعجب العجب اختفاء الباحثين عن أسباب هذه الكارثة الانهياريّة، في القيم الفكرية والجمالية، التي تدلّ قطعاً على بلوغ الفصل الأخير من كتاب الشخصيّة العربيّة.

[email protected]

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y4t44ehs