مجلـس النقد في لبنان.. اقتراح غير مناسب

22:19 مساء
قراءة 4 دقائق
مصرف لبنان

د. لويس حبيقة *

يكثر الحديث هذه الأيام عن فكرة إنشاء مجلس نقد في لبنان. بالرغم من الحسنات النظرية لهذا المجلس، نرى أن إنشاءه غير ضروري خاصة في هذه المرحلة، حيث يجب على الدولة اللبنانية أن تفعل المؤسسات الموجودة ولا تخلق مؤسسات أخرى موازية. سقوط العملات الآسيوية بنسب كبيرة في 1997 طرح مسائل الاستقرار النقدي وكيفية تحقيقه بأقل تكلفة ممكنة عبر مجالس نقدية. سقوط هذه العملات بالسرعة التي حصل بها أفقد ثقة المجتمع الدولي بالمؤسسات الوطنية والعالمية المشرفة على الاقتصاد الآسيوي. يحصل اليوم أمر مماثل في لبنان، حيث سقطت الليرة من 1500 للدولار إلى ما يقارب ال 10 آلاف. لذا تعود إلى الواجهة المجالس النقدية Currency Boards لتحقيق الاستقرار. هل تشكل هذه المجالس الحلول الفضلى لتجنب أزمات نقدية أو أنها في الواقع معالجة سطحية لأزمات ظاهرها نقدي وقلبها اجتماعي واقتصادي ومالي وسياسي؟

يهدف المجلس النقدي إلى تثبيت سعر صرف العملة الوطنية تجاه الدولار أو اليورو قانوناً أي بالتصويت في مجلس النواب مما يجعل تعديل سعر الصرف صعبا جدا. يمكن لكل مواطن أن يحول عملته الوطنية إلى العملة الدولية والعكس بالعكس ساعة يشاء بسعر الصرف الثابت. تكمن المشكلة في حصول المجلس النقدي على العملة الصعبة بالكميات الكافية، وهذا ليس بديهياً كما تشير إليه تجربة الأرجنتين، حيث سقط المجلس دفعة واحدة وانهار كل الاقتصاد.

في لبنان يثبت سعر الصرف اليوم المصرف المركزي وهذا يعطيه المرونة للتعديل إذا اقتضت الحاجة. هل لنا ثقة في مصرفنا المركزي؟ إذا كان الجواب سلبياً، فلماذا ستكون لنا ثقة في أي مجلس نقدي مستقبلي؟ ربما نجحت الفكرة في بلغاريا لكن عوامل النجاح أي خاصة الوجود في قلب أوروبا والانضباط الإداري والسياسي لا تتوافر في لبنان.

فكرة مجلس النقد نشرها أساساً الاستعمار البريطاني في بعض الدول الإفريقية والآسيوية بدأ بجزيرة موريشيوس في سنة 1849. سعر الصرف الثابت يقيد السلطات النقدية محدداً من إمكانية الإصدار النقدي الذي يؤدي إلى هبوط سعر صرف العملة الوطنية إذا لم ترفع الفوائد. تثبيت سعر الصرف ينقل فعلاً السلطة النقدية إلى الدولة التي ثبت سعر الصرف مع عملتها. الهدف تحقيق الاستقرار النقدي وتقوية الثقة بالعملة الوطنية.

ما هي الضرورة لإنشاء المجلس النقدي في لبنان ولماذا لا يقوم المصرف المركزي بهذا الدور؟ في الدول التي لا تعتبر مصارفها المركزية مستقلة قانوناً أو واقعاً عن السلطات السياسية، يصبح لإنشاء مجلس نقدي فوائد كبرى لدعم الاستقرار النقدي والثقة به. السؤال هو لماذا ننتظر من أي سلطة سياسية احترام استقلالية المجلس النقدي عندما لا تحترم استقلالية المصرف المركزي؟ طبقت المجالس النقدية في أكثر من 14 دولة كالأرجنتين وبلغاريا والبوسنيا وليتوانيا وكانت نسب النجاح والفشل مختلفة جداً.

غابت فكرة المجالس النقدية عن السمع لسنوات. غابت لأنها نبعت من الاستعمار الغربي وما كان للاستقلال الحديث إلا ليطيح بها. كما أن زيادة ثقة أو معرفة الدول المستقلة بإدارة الشؤون النقدية الوطنية ساهمت في الإطاحة بهذه المجالس المتخصصة. فلما نعود إليها اليوم؟

  1. وجد صندوق النقد الدولي أن متوسط مؤشر التضخم في الدول التي اعتمدت المجالس النقدية كان 4% أقل من التي اعتمدت فقط سعر الصرف الثابت. حجم تقلبات هذا المؤشر كان أقل بكثير في الدول المعتمدة للمجالس النقدية. يعود ذلك إلى الحد من نسبة زيادة الكتلة النقدية.
  2. نمت الدول المعتمدة للمجالس النقدية بنسب أعلى من الدول التي اعتمدت فقط على سعر صرف ثابت لعملتها الوطنية. كما أن سياساتها المالية كانت أكثر اعتدالاً واتزاناً.

من المساوئ الرئيسية لسياسة سعر الصرف الثابت مع مجالس نقدية أو بدونها هو عدم تأقلمه مع المتغيرات الاقتصادية الداخلية والعالمية، وبالتالي يصبح أحياناً غير واقعي يحدث خللاً نقدياً ومالياً يتفاقم مع الوقت. فهل اعتماد المجالس النقدية كفيل بتحقيق الاستقرار النقدي أم يمكن أن يتحقق ذلك عبر مصارف مركزية مستقلة؟

في الواقع استقلالية المصارف المركزية عن الدولة أو بالأحرى ضمن الدولة كفيلة بتأمين تنفيذ سياسة نقدية سليمة تنعكس إيجاباً على سعر صرف العملة الوطنية. كما باستطاعة هذه المؤسسة أن تدير سياسة سعر الصرف دون أن تثبته بالضرورة تجنباً لمساوئ هذه السياسة. مصرف لبنان مستقل قانونا وممارسة عن الدولة، ويستطيع اعتماد السياسة النقدية التي يراها مفيدة. أما من ناحية الأزمة النقدية الآسيوية التي كانت وراء عودة المجالس النقدية إلى الواجهة، فالجميع يعرف أن أساسها غير نقدي بل اجتماعي واقتصادي ومالي وإداري. لبنان ليس بحاجة إلى مجلس نقدي بل إلى إصلاحات حقيقية في كل جوانب الدولة والمؤسسات العامة والسياسات الاقتصادية:

  1. اعتماد سياسات اقتصادية سليمة ومتجانسة، خصوصاً سعر صرف واقعي تجاه الدولار الأمريكي أو من الأفضل ترك الحرية لعمليات العرض والطلب ضمن هوامش مدروسة متحركة بانتظار اعتماد سياسة الصرف الحر. الدعم الاصطناعي للعملات لا يجدي على المدى المتوسط والبعيد. المطلوب أيضاً اعتماد سياسة مالية محافظة تقلل من الهدر وتخفف من النفقات غير الضرورية. هنا يكمن الدور الرقابي الرئيسي لمؤسسات الإقراض الدولية.
  2. تفعيل دور الأسواق المالية وخلق أدوات جديدة تناسب المستثمرين والمدخرين في أسعارها واستحقاقاتها ومردودها. فالسوق المالية المتكاملة هي التي توفر لكل القطاعات فرص التمويل بكلفة تتناسب مع إمكانية الربح في الأسواق التنافسية.
  3. اعتمد البناء الاقتصادي الآسيوي عموماً على صناعات وقطاعات اختارتها الدولة لأسباب استراتيجية وسياسية أعطتها كل الدعم الضروري ونجحت مؤقتاً معه، لكن الأسواق الشفافة التنافسية تبقى الامتحان الحقيقي الصحيح لكل المؤسسات والشركات. أما لبنان، فاعتمد على الاقتصاد الحر منذ عقود ومشاكله لا تنبع من حرية الأسواق، بل من سوء إدارة الدولة.
  4. على الدولة اللبنانية تشجيع إنتاجية القطاعين الصناعي والزراعي والقيام بالإصلاح الإداري المنتظر. عليها إعطاء أهمية أكبر للقطاعات الاجتماعية من صحة وتعليم وإسكان وتغذية وغيرها.

للمجالس النقدية حسنات كبيرة في ظروف معينة، إلا أنه لا يمكنها أن تشكل الحل المناسب لأزمات متحركة كالواقع اللبناني، حيث المرونة في غاية الأهمية. وجود مصارف مركزية مستقلة تعتمد سياسة صرف حر أو مراقب للعملة الوطنية بالإضافة إلى المعالجة الجدية للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية يكفلان إلى حد كبير عدم الوقوع في أزمات خطيرة كما يحصل اليوم في لبنان. السرعة في تطبيق الإصلاحات وحدها تنقذ لبنان وتجعله ينهض بقوة.

* أكاديمي لبناني

 

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

​خبير اقتصادي (لبنان)

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y3tke6uu