عادي

ابن الجزار القيرواني.. طبيب الفقراء

00:11 صباحا
قراءة 4 دقائق
1

مع بداية القرن الخامس الميلادي كان العالم يعيش في ظلمات من الجهل والتخلف، فمع وهن الإمبراطورية الرومانية وتفتتها، بدأت العصور الوسطى المظلمة التى اتسمت باضمحلال العلوم وانتشار الخرافة والمتوارثات الشعبية الأسطورية. وفي خضم هذا السواد الحالك لاح في الأفق نور يبدد ظلام الجهل لتبزغ شمس الحضارة الإسلامية، حيث كان المسلمون يعيشون حياة الازدهار والرقي، وشهدت القرون الوسطى تقدماً فريداً في كل العلوم والمجالات، خاصة الفلك والطب والفلسفة ، وغدت بلاد المسلمين مقصد العلماء وطلاب العلم، حيث العدل والحرية اللذان مهدا الطريق أمام العلماء للبحث والمعرفة ووضع أسس المنهج العلمي الذي يعتمد على التجربة والمشاهدة والاستنتاج وإعمال العقل ليظهر جيل جديد من العلماء الذين وضعوا اللبنات الأولى للتطور العملي الحديث.
ولد ‏ ‏أبو جعفر‏ ‏أحمد‏ ‏بن‏ ‏إبراهيم‏ ‏بن‏ ‏أبي‏ ‏خالد‏ ‏القيرواني، ‏المعروف‏ ‏بابن الجزار القيرواني‏، ‏في‏ ‏مدينة‏ ‏القيروان‏ ‏بتونس ‏في‏ ‏عام‏ 898‏ ميلادية ‏،‏وتوفي- على‏ ‏أغلب‏ ‏الآراء- ‏في‏ ‏الأندلس‏ ‏مقتولا‏ً ‏بالسم، ‏وذلك‏ ‏في‏ ‏عام‏ 980‏م‏. ‏يصفه‏ ‏المؤرخون‏ ‏بأنه‏ ‏كان‏ ‏أبياً‏ ‏عزيز‏ ‏النفس، ‏لا‏ ‏يتزلف‏ ‏لأحد‏ ‏السلاطين‏ ‏والأمراء، ‏ولا‏ ‏يمتنع‏ ‏عن‏ ‏خدمة‏ ‏أي‏ ‏مريض، ‏غنياً‏ ‏كان‏ ‏أم‏ ‏فقيراً، ‏بل‏ ‏إنه‏ ‏كان‏ ‏رفيقاً‏ ‏بالضعفاء، ‏ويبذل‏ ‏المال‏ ‏للفقراء‏ ‏والمساكين‏ ‏ويوزع‏ ‏عليهم‏ ‏الأدوية‏ ‏مجاناً، ‏إذ‏ ‏إنه‏ ‏كان‏ ‏من‏ ‏أسرة‏ ‏ثرية، ‏وقيل‏ ‏إنه‏ ‏خلّف‏ ‏بعد‏ ‏مماته‏ ‏أربعة‏ ‏وعشرين‏ ‏ألف‏ ‏دينار‏.‏

‏نشأ‏ ‏ابن‏ ‏الجزار‏ ‏في‏ ‏أسرة‏ ‏ذات‏ ‏علم‏ ‏ومال، ‏فأبوه‏ ‏إبراهيم‏ ‏بن‏ ‏أبي‏ ‏خالد‏ ‏كان‏ ‏طبيبا‏ً ‏للعيون، ‏وعمه‏ ‏محمد‏ ‏بن‏ ‏أبي‏ ‏خالد‏ ‏كان‏ ‏أشهر‏ ‏الأطباء‏ ‏الجراحين‏ ‏في‏ ‏زمانه، ‏وعلى‏ ‏أيديهما‏ ‏تتلمذ‏ ‏أحمد‏ ‏بن‏ ‏إبراهيم، ‏كما‏ ‏تتلمذ‏ ‏على ‏يدي‏ ‏إسحاق‏ ‏بن‏ ‏سليمان‏، ‏وكان‏ ‏طبيباً‏ ‏حاذقا‏ً.
درس‏ ‏ابن‏ ‏الجزار‏ ‏الترجمات‏ ‏اللاتينية‏ ‏لكتب‏ ‏الطب‏ ‏والأدوية‏ ‏المفردة‏ ‏والمركبة، ‏مثل‏ ‏كتاب‏ «‏المقالات‏ ‏الخمس‏» ‏لبدانيوس‏ ‏ديوسقريدس‏ ‏‏ ‏الذي‏ ‏عاش‏ ‏في‏ ‏القرن‏ ‏الأول‏ ‏الميلادي، ‏وكان‏ ‏كتابه‏ ذا‏ ‏أثر‏ ‏كبير‏ ‏في‏ ‏الدراسات‏ ‏الصيدلانية‏ ‏والنباتية‏ ‏عند‏ ‏العرب‏ ‏وعند‏ ‏الأوروبيين‏ ‏في‏ ‏القرون‏ ‏الوسطي‏،‏ وكتاب‏ «‏المقالات‏ ‏الست‏ ‏في‏ ‏الأدوية‏ ‏المفردة‏» ‏لقلاوديوس‏ ‏جالينوس‏ ‏الذي‏ ‏عاش‏ ‏في‏ ‏القرن‏ ‏الثاني‏ ‏الميلادي، ‏وكان‏ ‏أشهر‏ ‏طبيب‏ ‏يوناني‏ ‏في‏ ‏تاريخ‏ ‏الطب‏ ‏العربي‏ ‏الإسلامي‏، و‏كتاب‏ «إبدال‏ ‏الأدوية‏ ‏المفردة‏ ‏والأشجار‏ ‏والصموغ‏ ‏والطين‏» ‏لفيثاغورث‏ ‏الذي‏ ‏عاش‏ ‏في‏ ‏القرن‏ ‏السادس‏ ‏قبل‏ ‏الميلاد‏، و‏كتاب‏ «الأحجار‏» ‏لأرسطوطاليس‏ ‏المقدوني‏، ‏ومؤلفات‏ ‏لأبقراط. وكذلك‏ ‏اطلع‏ ‏ابن‏ ‏الجزار‏ ‏على‏ ‏كتب‏ ‏العديد‏ ‏من‏ ‏علماء‏ ‏العرب‏ ‏والمسلمين‏ ‏في‏ ‏الطب‏ ‏والصيدلة‏ ‏وعلوم‏ ‏الحياة‏ ‏وغيرها، ‏مثل‏ ‏تيادوق‏‏، و‏ماسرجويه‏، ‏ويوحنا‏ ‏بن‏ ‏ماسويه‏، ‏وابن‏ ‏إسحاق‏ ‏الكندي‏‏.‏
أوضح‏ ‏د‏. جمعة‏ ‏شيخة‏ ‏في‏ ‏بحثه‏ «المنهج‏ ‏العلمي‏ ‏عند‏ ‏ابن‏ ‏الجزار‏» ‏‏ ‏المقدم‏ ‏إلى‏ ‏ندوة‏ ‏ألفية‏ ‏ابن‏ ‏الجزار‏ ‏بتونس‏ ‏في‏ ‏عام‏ 1984‏م‏ ‏‏ ‏الخطة‏ ‏العامة‏ ‏في‏ ‏مؤلفات‏ ‏ابن‏ ‏الجزار‏ ‏الطبية‏ ‏والصيدلانية‏، وقال: ‏من‏ ‏حيث‏ ‏المرض‏ ‏نراه‏ ‏يخص‏ ‏بعض‏ ‏الأعضاء‏ ‏بالبحث‏ ‏وبعض‏ ‏الأمراض‏ ‏بالتأليف، ‏ككتابه‏ ‏في‏ ‏المعدة، ‏ومقالته‏ ‏في‏ ‏الجذام، ‏ورسالته‏ ‏في‏ ‏الزكام‏.‏ ومن‏ ‏حيث‏ ‏طبقته‏ ‏الاجتماعية‏، ‏يخصص‏ ‏تأليفاً‏ ‏للفقراء، ‏ويفرد‏ ‏للخواص‏ ‏كتاباً‏. ‏ومن‏ ‏حيث‏ ‏البحث‏، ‏جعل‏ ‏قسما‏ً ‏من‏ ‏تأليفه‏ ‏متعلقاً‏ ‏بالأدوية، ‏وآخر‏ ‏بالأمراض‏. ‏وبالنسبة‏ ‏إلى ‏الأدوية‏، ‏خصص‏ ‏بعضها‏ ‏للأدوية‏ ‏المركبة، ‏وأخرى‏ ‏للأدوية‏ ‏المفردة‏. ‏ومن‏ ‏حيث‏ ‏الممارسة‏ ‏الطبية‏، ‏فرق‏ ‏بين‏ ‏بيت‏ ‏الوصف‏ «مكان‏ ‏فحص‏ ‏المريض‏» ‏وبيت‏ ‏الصرف‏ «مكان‏ ‏تقديم‏ ‏الدواء‏».
أما‏ ‏منهجه‏ ‏في‏ ‏تأليف‏ ‏كتب‏ ‏النباتات‏ ‏الطبية‏ ‏والصيدلانية، ‏فكان‏ ‏يتبع‏ ‏في‏ ‏التصنيف‏ ‏النباتي‏ ‏منهجاً، ‏يعتمد‏ ‏على‏ ‏تسعة‏ ‏أسس‏ ‏هي‏: ‏تصنيف‏ ‏النباتات‏ ‏بحسب‏ ‏اللون، لون‏ ‏النوار، هيئة‏ ‏النبات، هيئة‏ ‏الأوراق‏ ‏أو‏ ‏البذور‏ ‏أو‏ ‏الأغصان، حجم‏ ‏النبات، بيئة‏ ‏الإنبات، زمن‏ ‏الظهور، المنطقة‏ ‏الجغرافية، جنس‏ ‏النبات‏.‏
وكان‏ ‏لابن‏ ‏الجزار‏ ‏منهج ‏في‏ ‏دراسة‏ ‏الأدوية، ‏وخصوصا‏ً ‏المستخرجة‏ ‏من‏ ‏النباتات، ‏فيذكر‏ ‏اسم‏ ‏النبات‏ ‏باللغات‏ ‏العربية‏ ‏واليونانية‏ ‏والفارسية‏ ‏والبربرية‏ ‏والسريانية‏ ‏واللاتينية، ‏ويوضح‏ ‏قوة‏ ‏الدواء، ‏ويصف‏ ‏الدواء‏ ‏وصفاً‏ ‏تفصيلياً، ‏ثم‏ ‏يشرح‏ ‏الخصائص‏ ‏العلاجية‏ ‏والحالات‏ ‏التي‏ ‏يؤخذ‏ ‏فيها‏ ‏هذا‏ ‏الدواء‏. ‏كما‏ ‏يشرح‏ ‏كيفية‏ ‏الكشف‏ ‏عن‏ ‏غش‏ ‏الأدوية، ‏وكيفية‏ ‏استبدالها‏ ‏ببدائل‏،‏ ‏شرح‏ ذلك في‏ ‏كتاب‏ «إبدال‏ ‏الأدوية‏».‏
‏وضع ابن الجزار العديد من ‏المؤلفات، فذكر‏ ‏كل‏ ‏من‏ ‏ابن‏ ‏أبي‏ ‏أصيبعة، ‏ياقوت‏ ‏الحموي، ‏ابن‏ ‏جلجل، ‏ابن‏ ‏النديم، ‏حسن‏ ‏حسين‏ ‏عبدالوهاب، ‏ود. ‏محمد‏ ‏الحبيب‏ ‏الهيلة، ‏عدداً‏ ‏من‏ ‏مؤلفات‏ ‏ابن‏ ‏الجزار، ‏نظر‏ ‏فيها‏ ‏إبراهيم‏ ‏بن‏ ‏مراد‏ ‏ونقحها، ‏وأورد‏ ‏ما‏ ‏يلي‏ ‏في‏ ‏بحث‏ ‏قدمه‏ ‏للندوة‏ ‏العالمية‏ ‏الثالثة‏ ‏لتاريخ‏ ‏العلوم‏ ‏عند‏ ‏العرب‏ في الكويت عام 1983‏م‏: ‏كتاب‏ ‏سياسة‏ ‏الصبيان‏ ‏وتدبيرهم‏ «‏حققه‏ ‏د‏. ‏محمد‏ ‏الحبيب‏ ‏الهيلة‏ ‏ونشره‏ ‏في‏ ‏تونس‏ 1968‏م‏»، ‏كتاب‏ ‏في‏ ‏المعدة‏ ‏وأمراضها‏ ‏ومداواتها‏، حققه‏ ‏د‏.سلمان‏ ‏قطاية‏ ‏ونشره‏ ‏في‏ ‏بغداد‏ 1980‏م ‏«‏زاد‏ ‏المسافر‏ ‏وقوت‏ ‏الحاضر‏» «مجلدان‏»، ‏كتاب‏ ‏الاعتماد‏ ‏في‏ ‏الأدوية‏ ‏المفردة، ‏كتاب«طب‏ ‏الفقراء» ‏المسمي‏ ‏أحياناً ‏«‏زاد‏ ‏المسافرين‏ ‏في‏ ‏علاج‏ ‏الفقراء‏ ‏والمساكين‏» وحققه‏ ‏د‏. سلمان‏ ‏قطاية‏ ‏ونشره‏ ‏في‏ ‏باريس‏ 1984‏م‏، ‏كتاب‏ ‏العطور، ‏كتاب‏ ‏في‏ ‏أمراض‏ ‏الشيخوخة‏ وحققه‏ ‏د‏. ‏رمزية‏ ‏الأطرقجي‏ ‏ونشرته‏ ‏في‏ ‏بغداد‏ 1984‏م‏، ‏ورسالة‏ ‏في‏ ‏إبدال‏ ‏العقاقير، ‏إضافة‏ ‏إلى‏ 23 ‏كتاباً ‏ورسالة‏ ‏ومقالة‏ ‏مفقودة، ‏في‏ ‏مجالات‏ ‏الطب‏ ‏والصيدلة‏ ‏وعلوم‏ ‏الحياة‏.
 

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"