عادي

موت النجوم

بدائع الكون في القرآن
00:06 صباحا
قراءة 5 دقائق
1

أ.د.حميد مجول النعيمي

(1): «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى»
 في سياق الآيات «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى» في سورة النجم (الآيات 1-4)، ثم قوله تعالى في السورة نفسها، الآيات 45-52:
 (2): «وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى، مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى، وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى، وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى، وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى، وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى، وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى» تأكيده تعالى «وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى» بمضمون فلكي في سياق أرضي من بيولوجيا حياة الإنسان واندثارها يماثل سياق «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى» وما يليها من آيات.
هل ثمة علاقة بيولوجية بين «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى» و «وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى» والحياة على الأرض؟ أي هل ثمة حياة على النجم في الآية الأولى كانت واندثرت، وثمة حياة في نجم الشِّعْرَى كانت واندثرت أيضاً؟ وهل النجم في الآية الأولى هو الشِّعْرَى في الآية 49 من دون البسملة (أو الآية 50 مع البسملة)؟ 

حميد مجول

إننا إذ نتأمل هذه العبارات المنسَّقة بجمال أخاذ، تنبئنا بأشياء فلكية أو فيزيائية ليست سهلة التحديد، لكنها ليست مستحيلة التحليل. وقبل أن نفصح عن مجمل ما نراه في هذا الصدد يجدر بنا الاطلاع على بعض اتجاهات التفسير المهمة مضامينها.
في معنى «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى» ذهب الجلالان إلى القول: والنجم: الثريا، إذا هوى: غاب. وقال «مختصر ابن كثير»: «قال الشعبي: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي له أن يقسم إلا بالخالق». واختلف المفسرون في معنى قوله: «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى»، فقال مجاهد: يعني بالنجم: الثريا إذا سقطت مع الفجر، واختاره ابن جرير، وزعم السدي أنها الزهرة، وقال الضحاك: «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى»: «وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ».
وإذا انتقلنا إلى قوله تعالى: «وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى» لوجدنا التفسير عند الجلالين يشير إلى أنه «هو كوكب خلف الجوزاء كان يعبد في الجاهلية»، ونرى أن هذا التفسير ينقصه الوضوح والتحديد، لنقرأ في المختصر المحدث لابن كثير: عن الجملة (الآية نفسها) إذ يقول: «قال ابن عباس: هو هذا النجم الوقاد الذي يقال له مرزم الجوزاء، كانت طائفة من العرب يعبدونه». وهذا قريب من ذاك إلا أنه لجأ إلى التسمية فأوضح وزاد، فجزاهما الله خيراً عن تمثيلهما الموجز المفيد لمدارس التفسير المتاحة، إذ حتى لو ذهب المفسرون إلى غير ذلك من الفلك ما تغير شيء.
وقد نرى أن قسم الله سبحانه بقوله: «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى» مما يمكن به ومعه الانتقال من المعنى الخاص إلى المدلول العام أو النزول به من المدلول العام إلى المعنى الخاص، كما فعل المفسرون في أعلاه، بحسب طبيعة تركيب النص اللفظي اللغوي، وقد نستعين بصفات معينة من محتوى النجم وشكله لوضع اسمه الحقيقي المقصود على وفق اقترانه بالفعل هوى الذي ذكر «مختار الصحاح» عنه ما يفيدنا هنا، إذ قال: «هوى يهوي كَرَمى يرمي هُويّاً بالفتح والضم: سقط إلى أسفل والهَوَى مثله. وأَهوى بيده ليأخذه». وتوسع بعض الباحثين في معنى هوى هنا، فقال: أما هوى فإنها تعني خسف وسقط وانهار، ومن الدلالة على ذلك أنها وردت وتصريفاتها بهذا المعنى في آيات من القرآن الكريم كقوله تعالى في سورة النجم نفسها «وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى» 53 وقوله سبحانه وتعالى في سورة الحج: «أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ» 31. إن هوى بمعنى خسف وسقط في دائرة الممكن الصحيح، أما الانهيار فإنه يحمل احتمال الثبات ثم التفكك أو التفتت في الموضع أو الموقع نفسه ويحمل افتراض السقوط بتغيير الموقع أو الموضع إلى آخر.
لنتطلع نحو المعطيات الفلكية عن نجم الشِّعرى (الوحيد الذي ذكر في القرآن الكريم) ونحاول استنباط الممكن الصحيح إذن، فنجمة الشعرى اليمانية Sirius منظومة ثنائية مزدوجة تعد من ألمع نجوم السماء الشمالية ظاهرياً، وإنها ثامنة أقرب النجوم إلينا، إذ تبعد عنا 8.8 سنة ضوئية تقريباً، ووضعها الثنائي المزدوج يجعلها مؤلفة من نجمين (قرينين A و B). وتقدر ضيائية الشعرى A ب (23.5) مرة بقدر ضيائية الشمس، وتقدر ضيائية الشعرى B (لا يمكن رؤيته بالعين المجردة) بحدود 3/1000 من ضيائية الشمس ويدعى بقرين الشعرى A واكتشف في عام 1862. وكتلة الشعرى A فضعف كتلة الشمس، أما كتلة الشعرى B فتعادل كتلة الشمس وهو من نوع نجوم الأقزام البيضاء وحجمه أصغر من حجم الكرة الأرضية (حجم الشمس يعادل أكثر من مليون ضعف حجم الأرض)، وهذا يعني أن كثافة مادته هائلة جداً حتى إن وزن ملعقة من مادته يصل إلى عدة أطنان. 
ومن المعروف في الفيزياء الفلكية أن النجوم تولد وتموت لتصل إلى أقدم مراحلها العمرية، وهي الأقزام البيضاء والنجوم النيوترونية والثقوب السوداء وهذه النجوم من النوع الذي حصل فيه انهيار في مادتها حسب كتلتها، فنجوم الكتل الثقيلة تصل إلى مراحل الثقوب السوداء.
إن الشِّعْرَى B نجم صغير جداً ذو كثافة عالية جداً، وقد آل إلى هذا المصير بعد أن استنفد وقوده النووي (في قلبه أو نواته) وتكدس وانهار على نفسه، فهوى على معنى من المعاني المرجحة دلالياً واستدلالياً في أعلاه. ولا نرى بهذا الصدد أي أثر لتغير لون الشِّعْرَى في انطباق معنى هوى عليه، فلقد ورد في بعض سجلات قدماء البابليين والمصريين أن الشِّعْرَى لونها أحمر، وفي عصرنا هذا، بل منذ العصر العربي الإسلامي العباسي في الأقل، تسطع الشِّعْرَى بلون أبيض مزرق. وهذا التغير في لون الشعرى، إن صح ما ورد عن القدماء، لم يجد له علماء الفلك والفيزياء الفلكية تفسيراً مقنعاً حتى الآن. لقد حدث، فعلاً تغير في منظومة الشعرى B، وذلك لأنها انهوت وانخسفت ومن ثم تحول النجم إلى قزم أبيض. إلا أن علماء فيزياء الفلك يرجحون أَنَّ هذا التغير حدث قبل مئات الآلاف أو حتى ملايين السنين، وليس قبل آلاف السنين فقط.
 مع ذلك، بدأت تتكشف بعض الأدلة على احتمال أن ذلك التغير حدث قبل زمن قصير نسبياً. ومن هذه الأدلة أن درجة حرارة سطح الشِّعْرَى B تبلغ (24000) درجة كلفنية وهذا المعدل أعلى بكثير مما كان يعتقد قبل أقل من ثلاثة عقود من الزمن، ووجد في عام 1996 خلال مسح قبة السماء بالقمر الصناعي Rosat (قمر الأشعة السينية) أن الأقزام البيضاء ومنها الشِّعْرَى B ذات الحرارة العالية نادرة الوجود في المجرة وأقل عدد بكثير مما كان يتوقع نظرياً. وهذا الكشف بدوره يتطلب تفسيراً عن وجود آليةٍ مّا لتبريد تلك النجوم الهاوية إلى درجات منخفضة نسبياً خلال مدة قصيرة من الزمن تعد بآلاف السنين فقط. بناء على هذه النتائج (إن كانت صحيحة) ربما يكون الشِّعْرَى B قد هوى قبل آلاف السنين فقط، والله أعلم.
مدير جامعة الشارقة 
رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"