عادي

فواتير العلاج تزيد من أوجاع المرضى «غير المؤمّنين»

التطبيب «أون لاين» دواء غير الميسورين
00:28 صباحا
قراءة 9 دقائق

تحقيق: جيهان شعيب

المرض لا يستأذن في إصابته هذا المرء أو ذاك، وأوجاعه لا تختار من تشتد عليه، ومن تأتي به خفيفة بسيطة، فالجميع في بند التعرض للأمراض سواء، لكنهم ليسوا بذلك في خانة تحمل تكاليفه المادية من فواتير علاج، ورسوم تحاليل، ومقاطع طبية تصويرية، قد تكون ضرورية وواجبة، وأكثر هؤلاء من غير المؤمّنين صحياً، أي الذين لا تشملهم مظلة التأمين، سواء طوعاً منهم لضيق ذات اليد عن الإيفاء برسومه، أو رغماً عنهم بحكم أعمارهم، أو غيرها.

ولأن الضرورة قد تضطر صاحبها أحياناً إلى الاستعانة ببدائل، لذا فممن يتراجعون – كما أسلفنا- عن اللجوء لأطباء لتشخيص أمراضهم، ووصف علاجات لها، خشية فواتيرها المرتفعة التي لا تتيح لهم إمكانياتهم المادية الإيفاء بها، يلجأون إلى التداوي بالوصفات الطبية المطروحة عبر «الأون لاين»، أو خلال المواقع الطبية المختلفة، دون التوثق بالطبع من صحة ما تأتي به، أو جدواه وفائدته، وبالتالي فالمضاعفات التي قد تحدث، والأضرار المحتملة كثيرة ومتعددة، ولا يمكن الاستهانة بها، إلا أن أوجاع فاتورة العلاج قد تكون أكثر إيلاماً للمريض المعسر، مع شعوره بخواء «الجيب»، وهو أشد قسوة عليه، من آلامه الجسدية، وعما قد يجلبه لنفسه من مخاطر، بالركون لاستشارات طبية إلكترونية، أو حتى باللجوء لصيادلة لتشخيص العرض المرضي ظاهريا دون وصفات طبية، وصرف دواء.

فواتير العلاج وجع نفسي يضاعف نظيره الجسدي الذي يعانيه المريض، وقهر لذوات غير القادرين على مدواة آلام أجسادهم العليلة، والذين منهم أيضاً من تأخذهم أقدامهم إلى أبواب الجمعيات الخيرية، طلباً لسداد فاتورة مستشفى، أو سؤالاً لمساعدة مادية، لسداد تكلفة أدوية مطلوبة، وعلاجات مرتفعة الثمن، أو لإجراء فحوص، وأشعات مقطعية ضرورية، أو تحاليل حتمية.

1

هنا يقول خالد الغيلي: البعض إمكانياتهم المادية بسيطة، ولديهم أسر كبيرة العدد، ولم يستظلوا بتأمين صحي، لعدم استطاعتهم سداد الرسوم المطلوبة لهم وأسرهم، لذا قد تضطرهم ظروفهم الصحية استشارة صيادلة، في ما يعانونه وأخذ العلاج الذي يصفونه لهم، أو اللجوء إلى أصدقاء كان يعانون العَرَض الصحي ذاته الذي ألمّ بهم، لمحاكاتهم في التداوي بعلاجاتهم، وقد يستعينون بالمواقع الإلكترونية، في الوقوف من خلالها على علاجات للحالات المرضية المماثلة لحالاتهم، ومن ثم يطبقون على أنفسهم ما جاء فيها، مع علمهم بخطورة ذلك، وبإمكانية حدوث مضاعفات، وانتكاسات مرضية، وأعراض جانبية، لأن الأدوية قد لا تتناسب مع ما يشكون منه، لكنها تكاليف العلاج المرتفعة سواء في المستشفيات، أو في العيادات الخاصة، والمغالاة في رسومه، مع ما قد يرافقه من طلب الطبيب إجراء فحوص محددة، وتحاليل وغيرها، بما قد يدفعهم دفعاً إلى هذه المواقع الإلكترونية، التي يجدون فيها أحياناً أطباء يعرضون خدماتهم «أون لاين»، دون الوقوف على مصداقية الواحد منهم، وفي ما إذا كان طبيباً أم مدعياً، لذا أهيب بالأطباء كافة، وبالجهات الصحية، تجنب المغالاة في رسوم الفحوص والعلاجات وغيرها، تيسيراً وتسهيلاً، ورأفة بالمرضى.

تأمين شامل

1

ويقر د. علي بن حنيفة «متقاعد» بأن رسوم العلاج مرتفعة جداً بالفعل، مما لا يستطيع معه بعض المرضى الذهاب للمستشفيات الخاصة، فيتوجهون إلى المستشفيات الحكومية، والتي حالياً قد لا تستقبل المرضى بشكل عام نظراً لجائحة كورونا، حيث – تبعاً لقوله- معظم الأطباء مشغولون مع المصابين، إضافة لأن معظم الأدوية تصرف لهؤلاء، وبالتالي يتوجه من معه تأمين أو غيره للعيادات والمستشفيات الخاصة، والتي ليست عليها رقابة مباشرة، والتي تعتبر التأمين مال يسهل هدره، فتصرف أدوية، وتعمل أشعات قد يكون المريض غير محتاج إليها، وقد يلجأ إلى الجمعيات الخيرية وأهل الخير، لطلب المساعدة.

ويتردد هنا وهناك في حيرة وحاجة، والحقيقة معظم من في الوزارات ليس لديهم تأمين صحي، لاسيما قطاع كبير من المعلمين، التربويين، الذين يضطرون إما لشراء الأدوية، أو العكس، فحين تدون فاتورة مرتفعة لهؤلاء من قبل الطبيب لأي منهم، يكتفي بأخذ قرص بنادول، لذا نناشد وزارة الصحة بأن تكون يقظة، وتكون لها عيون في كل مكان، وتنظر في الأسعار المرتفعة للعلاجات، وأن تكون هناك متابعة، أو أن تسارع الحكومة بعمل تأمين صحي لجميع المواطنين ممن يعملون في الوزارات، والقطاعات كافة.

غير صحيح

1

ويؤكد د. محمد شلبي أن العلاج من خلال «الأون لاين» غير صحيح، لصعوبة التشخيص فيه بشكل عام، وعدم دقته، حيث العلاج بشكل عام لا يتركز فقط في أن يستمع الطبيب لشكوى المريض، أو يرى صورة ما للعرض المرضي، بل – وفقاً لقوله- لابد أن يقف على التاريخ المرضي للفرد، بماذا أصيب قبلاً، وبأي الأمراض، لابد أن تكون هناك دردشة طويلة مع المريض، وأن يرى حالته النفسية، ويكتب التحاليل المطلوبة حتى يشخص المرض بصورة صحيحة، وهذا كله غير متوفر «أون لاين»، خاصة في الأمراض الجلدية التي يقوم فيها العامل النفسي بدور كبير، لأن علاجها طويل وممل، حيث لابد أن يفهم المريض طبيعة مرضه، وخطورته، وتطوراته، لأن المرض الجلدي له أسلوب معين ودقيق في العلاج، ومن ذلك وصف مسّ سائل، ووضعه بطرق محددة، وامتناع عن أكلات أو ملابس معينة، وغيرها من العوامل الأخرى المؤثرة، التي من الصعوبة بمكان تحقيقها عبر «الأون لاين».

بنود محددة

1

ويصنف محمد الأمين واقع المشكلة، بقوله: ألزمت الدولة جميع الشركات ومؤسسات القطاعين العام والخاص بالتأمين الصحي للعاملين والموظفين وفق بنود محددة، حيث يتم تحديد فئات مختلفة للتأمين وفق مستويات العاملين والموظفين ودرجاتهم الوظيفية، مثلاً الفئة ( أ ) كبار الموظفين، والفئة ( ب) المستوى الأوسط، والفئة (ج) العمال، والفئة ( د ) للمستخدمين، وبناء على الفئات المذكورة يتحدد نوع الخدمات العلاجية المقدمة لهم حسب الفئة، فالبعض يشملهم العلاج داخل وخارج الدولة، والبعض يتلقون العلاج فقط داخل الدولة، البعض يتلقون العلاج في مستشفيات معينة، والبعض الآخر العكس وهكذا.

وتقوم شركات التأمين بتحديد نسبة من تكاليف الخدمات مثل (رسوم العلاج وتكاليف الفحوص والعمليات الجراحية والدواء) يدفعها المستفيد من جيبه، وهنا تتفاوت النسب من ٢٥٪ - ٣٠- ٣٥ ٪، فيما يشكو كثيرون من ارتفاع هذه النسب، مقارنة بمستويات دخولهم، فالعامل الذي لا يتعدى راتبه ٣ آلاف درهم، قد يضطر لدفع ٣٥ ٪ من تكلفة عملية جراحية تبلغ ٣٠ ألف درهم، أي يقوم بدفع ١٢ ألف درهم تقريباً، أو يصرف له دواء بقيمة ألف درهم، فيتعين عليه دفع أكثر من ٣٠٠ درهم، وأحياناً قد يتعرض المستفيد لحادث، أو يصاب بمرض لا يتوفر له علاج إلاّ في مستشفى معين، وعند مراجعته المستشفى يفاجأ بأنه خارج إطار التغطية التأمينية، حيث أعرف مريضة كبد موظفة اضطرت لدفع ١٢٠ ألف درهم لإجراء عملية في مستشفى خاص لا يشمله التأمين، وبمراجعة شركة التأمين الخاصة بها طلب منها تقديم التقرير الطبي وفواتير العملية التي أجرتها، ولم تعوضها الشركة سوى بنسبة قليلة من هذا المبلغ.

وبالنسبة لوزارة الصحة فتصدر بطاقة صحية بتكلفة ٢٥٠ درهم لبعض الفئات، مثل العمالة المساعدة، وهي تسمح بتلقيهم العلاج في المستشفيات الحكومية، ولكن رسوم الدخول والعلاج أيضاً مرتفعة، فمثلاً عند دخول الطوارئ يدفع الفرد ٢٠٠ درهم، وإذا لم يكن يحمل البطاقة يدفع ٤٠٠ درهم، ولكن عندما تصل تكاليف العمليات والعلاج إلى مبالغ كبيرة، يقوم المستشفى بمخاطبة جمعية أصدقاء المرضى لمساعدة المريض المحتاج، حيث تقوم الجمعية في الغالب بدفع ٥٠٪؜ من المبلغ الكلي ويقوم المستشفى بمساعدة المريض بتقسيط المبلغ المتبقي.

ويضيف محمد الأمين: أما العلاج «أونلاين» فمهما بلغت براعته في تحديد نوع المرض في هذه الحالة، أو تقديم الاستشارة، والعلاج الملائم، يصبح مدخلاً لذوي النفوس المريضة، للتواصل مع المرضى لابتزازهم، بذريعة الادعاء بخبرتهم وقدرتهم على العلاج، فيما يتطلب ارتفاع تكاليف العلاج، وأسعار الدواء، التدخل من الجهات المعنية، وإحكام الرقابة على المرافق الطبية، والعلاجية، وضمان تقديم خدماتها، في حدود لا ترهق كاهل المرضى، مع إحكام الرقابة على الصيدليات.

تشديد الرقابة

1

ويناشد المواطن أحمد المقبالي المعنيين في وزارة الصحة بالتدخل، ووضع تسعيرة مخفضة للعلاج تشمل الجميع، بحيث أن لا يكون محصوراً على شريحة معينة، داعياً الجهات المعنية مراقبة، وتدقيق الفواتير مع المستشفيات الخاصة، وقائلاً:

انتشرت في السنوات الأخيرة ظاهرة تقديم الاستشارات الطبية، ووصف الأدوية عبر المواقع الإلكترونية، ووسائل التواصل الاجتماعي، وقد يغلب طابع العشوائية، وعدم الدقة في التشخيص، وأيضاً في وصف الأدوية للمريض، وقد يؤدي إلى كوارث لا تحمد عقباه على الشخص طالب العلاج، وقد حذر أطباء ومختصون من الاستشارة عن طريق «أون لاين»، كون البعض يفضلون الحصول على استشارة طبية مجانية، وتشخيص أو علاج الحالات المرضية دون إشراف الطبيب، فيما من الضرورة بمكان على المريض أن يتم تشخيصه مباشرة من قبل الطبيب، لأن طبيعة العلاج تختلف باختلاف شدة المرض، وتاريخ الإصابة به، والعوامل المسببة له، وعمر المريض وغير ذلك، وبالتالي تتغير الوصفات ومقادير الأدوية، بتغير الحالة الصحية للمريض، لذا يجب تشديد الرقابة على تلك المواقع، وزيادة الوعي الصحي بين أفراد الجمهور.

الجمعيات الخيرية ملاذ مرضى الفواتير المرتفعة

1

بحسب المستشارة القانونية منوهة هاشم قولها: حرصت دولة الإمارات العربية المتحدة في ظل القيادة الرشيدة على تقديم الرعاية للعاملين كافة على أراضيها، في القطاعين العام والخاص على حد سواء، من باب العرفان بالجميل، وتحقيق للعدالة لكل من تطأ قدماه هذه الأرض المعطاء، فكل من ساهم في الرقي، والنهوض والعمران في هذه الدولة، استحق العناية اللازمة منها.

ومن هذا المنطلق قد أقر قانون العمل الاتحادي رقم 8 لسنة 1980 في مادته 96 «على صاحب العمل أن يوفر للعمال وسائل العناية الطبية طبقاً للمستويات التي يقررها وزير العمل والشؤون الاجتماعية بالاشتراك مع وزير الصحة».

ومن هذا المنطلق تم التعاون مع شركات التأمين الصحي، وجهات العمل المختلفة في الدولة، لتوفير التأمين الصحي للعاملين، والذي بدوره يكفل للعاملين الاطمئنان والأريحية في هذا الجانب، حيث لا يخفى على الجميع أن تكلفة العلاج قد تكون باهظة في كثير من الأحيان، وخاصة لو كان الشخص أو العامل -إن صح التعبير- من ذوي الدخل المحدود، وفي ذلك كان يلجأ البعض من أصحاب الدخول المحدودة إلى بعض الجمعيات الخيرية والأهلية، للمساهمة في دفع تكلفة العلاج وخاصة إذا كانت مرتفعة نوعاً ما، فضلاً عمن يلجأ للاقتراض لتوفير التكاليف الصحية، أو يلجأ إلى الشبكة العنكبوتية لمعرفة بعض الوصفات الطبية، التي قد يحسب أنها تساهم في حل مشكلته الصحية.

خبرات شخصية في تشخيص المرض وعلاجه

1

يشير للدكتور عماد النونو، إلى لجوء كثير من المرضى يومياً إلى الصيدليات، للحصول على أدوية لعلل تناسب داء كل منهم، من دون استشارة من طبيب مختص، مقتصرين في ذلك على تجربة سابقة، أو نصيحة أحد الأقارب، أو الأصدقاء، أو توجيه من الصيدلي نفسه، أو يعتمدون على «الأون لاين» في الحصول على وصفات مختلفة، ويؤكد خطورة هذا الأمر على صحة الإنسان، وقد يؤدي إلى عواقب وخيمة قد يصعب علاجها، ويقول: مع تأكيد أن الصيدلي هو شريك في المشروع العلاجي للمريض، فإن دوره يتمثل في أن يشرح للمريض كيفية استعمال الدواء الذي وصفه الطبيب المختص، وتأكيد أهمية احترام المقادير حسب الوصفة الطبية، وقد يكون له دور مبدئي مساعد في التشخيص والعلاج لبعض الأمراض الخفيفة كالصداع، وبعض الأمراض الموسمية. وفوق ذلك يساعد على توجيه المريض للطبيب المختص لتشخيص بعض الحالات المعقدة.

فضلاً عن ذلك، فإن نسبة لا بأس بها من المرضى، تتحاشى الذهاب إلى المستشفيات، أو العيادات لتجنب الكلفة المرتفعة أحياناً والانتظار الطويل، واللجوء إلى الصيدلي، بديلاً للحصول على الدواء مباشرة من دون وصفة ما يوفر الوقت والمال، لاسيما في حال عدم وجود التأمين، وهي ثقافة منتشرة في الفئات الفقيرة، أو المتوسطة لاعتقادهم أن المرض خفيف، ولا يحتاج إلى مراجعة الطبيب، متجاهلين حقيقة أن استعمال الدواء من دون وصفة طبية قد يضعف المناعة.

زيادة المعاناة

أكد الباحث الشرعي السيد البشبيشي، أن ارتفاع أسعار حجوزات الأطباء، والأدوية ووسائل العلاج، زاد معاناة الناس عامة، والمعسرين خاصة، وأصبح أثره السلبي لا يقل خطورة عن ارتفاع أسعار الطعام والشراب، لأن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء، ولا يعرف قيمتها إلا من فقدها. ويقول: الأطباء، والصيادلة، والقائمون على أدوية الناس وعلاجهم، على ثغر عظيم، فهم يحفظون بفضل الله حياة الناس التي قال الله عنها وعنكم (من قَتل نَفْساً بغير نَفْس أَو فساد في الأرض فكأنما قتلَ الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً)، وهم رواد المرحلة وكل المراحل، وأمل الناس والأمة - بعد الله عز وجل، آتاهم الله علماً، وخبرة لوقاية الناس ومداواتهم، ومن الأطباء والصيادلة ونحوهم من ضربوا أروع الأمثلة في رحمتهم بالمرضى والضعفاء، ومساعدتهم والتيسير عليهم، سواء في ثمن الفحص أو سعر الأدوية، أو التخفيف عليهم من طلبات التحاليل والأشعة وغيرها من الأمور، فجزاهم الله خيراً، وأكثر من أمثالهم.

فيما من المرضى المعسرين من ترك التداوي والعلاج، والفحوص اللازمة لحالته، واكتفى بشراء أي دواء من الصيدلية ومن دون وصفة طبيب، أو اعتمد بعض الأعشاب قليلة الكلفة التي عرفها من المواقع الطبية. ولئن ذكّرته بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «تَداوَوا عبادَ الله فإنّ الله ما خَلقَ داء إلّا جعل له دواء»، لردّ سريعاً: ومن أين أذهب لطبيب أو أشتري دواء؟

ولذلك أقول رفقاً بهؤلاء المرضى، والعجزة والمتوجعين.

 

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"