النقش في الحجر

22:43 مساء
قراءة 3 دقائق

محمد عبدالله البريكي

تعود بنا الجذور إلى ما كانت العرب تكتبه من شعر في عصر الجاهلية، حيث كان هذا الشعر متوافقاً مع اللغة التي كان يتعامل بها الناس في كل مناحي حياتهم، فجاء الشعر الجاهلي رصيناً في سبكه، متيناً في صياغته، عذباً في قوافيه وتنوع موسيقاه، فهو وإن بلغ في الكثير من موضوعاته مبلغ القمة في التعامل مع اللغة ومستوياتها الفائقة في البناء، فهو لم يكن غير تعبير مستأنس خلاق، مما جعل القصائد في هذا العصر تنشد في الأسواق المعروفة، وتكتب بماء الذهب، وتعلق على أستار الكعبة، ويقف الشاعر صاحب المكانة الرفيعة ليجيز هذا ويرفع من شأن ذاك.

 وقد وقف عمر بن الخطاب رضى الله عنه من شعر زهير بن أبي سلمى موقف الناقد المنصف الفاهم لمجريات الشعر وأحواله في ذاك العصر، حيث سُئل عن أشعر الناس فقال: زهير، فقد استحق ذلك عنده كونه لا يعاظل ولا يقول الوحشي من الكلام، ثم يأتي شاعر آخر في عصر الشعر الذي اتسع للعديد من النوابغ وهو أبو نواس الذي حفظ ما حفظ من الشعر العربي، ثم قدر له أن ينسى ما حفظ، ثم قال الشعر مطبوعاً، فكان في عصره أعجوبة، وهذا دليل على أن بناء العقلية الإنسانية على أساس متين من شأنه أن يؤتي بثمار يانعة، وقد حدث مع أبي تمام ما لا يتخيله عقل، فقد اصطدم بنقاد عصره حين طلبوا منه أن يكتب ما يُفهم، فكان رده أبلغ ما يكون «ولماذا لا تفهمون ما أقول».

إنها معادلة بسيطة لكنها تحتاج إلى وقفة، وأنا أتحدث عن هذه الجذور للوقوف على تجربة الشعر وتناوله في المراحل التعليمية الأولى أي ما قبل الدراسة الجامعية، فهي تجربة تستحق الإجلال لأنها دائماً تشرق من جديد كونها تشغل عقول الأبناء وتدعوهم لاستقبال الشعر من منابعه الأصيلة لأنها تقطف من كل زهور الشعر في العصور الأولى ابتداء من العصر الجاهلي إلى العصر الحالي، ما يجعل الطلاب في حالة نشوة واستحضار كامل لعظمة الشعر العربي، وقد مررنا جميعاً بهذه التجربة وعشنا أشواقها في منابع دراستنا الأولى ونحن نترنم بأبيات شعراء الجاهلية في زهو، خصوصاً أن فهم المفردات لم يكن هو الهاجس الأول بقدر ما كنا نشعر بأن شيئاً له قيمة يدخل إلى العقول بكل سلاسة وجمال، وها هي التجربة تتعدد وتمضي وثّابة نحو تحقيق المأرب في ظل المختارات التي تتوزع على معظم السنوات الدراسية، فنجد أن طفلاً لم يبلغ السابعة يحفظ قصيدة «صوت صفير البلبل» كاملة على صعوبة معانيها وتتابع كلماتها المعجزة، وهكذا تظل القصيدة العمودية بشكلها الإيقاعي هي الأقرب للحفظ خصوصاً أن معظم التجارب العصرية لم تجدد في بنيتها بالشكل المطلوب، لكنها جاءت على منوالها واتسعت لأشكال أخرى مثل قصيدة التفعيلة المستحدثة والتي يصعب حفظها بشكلها المفتوح مثل القصائد العمودية السامقة التي تفتح الشهية وتضع الطلاب أمام ميراث يستحق أن يظل في الصدارة.

إذن من الضروري أن تستمر التجربة في العودة للجذور دون أي تغيير سوى في إعادة التشكيل من خلال الحرص على تخيّر أجمل ما في عصور الشعر العربي، حتى تظل ذائقة طلابنا في أعلى درجاتها لكي تظل المغامرة جديرة بالدهشة وتحقق مكاسب على الأرض لا يمكن حصرها، لأن الانتماء للموروث الشعري الأول هو انتماء للوطن.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"