عادي

أزمة الطاقة الأوروبية.. حصان طروادة أمريكي

23:24 مساء
قراءة 4 دقائق

كتب - المحرر السياسي:
بين أن تسمع بأزمة الطاقة الأوروبية وأن تعيشها، هناك فرق شاسع، وربما تساعد الأرقام والمعطيات الميدانية على توضيح بعض جوانب الصورة. أما آفاق حل الأزمة أو تفاقمها، فذلك له تشعبات منها ما هو استراتيجي تدخل فيه السياسة الدولية والعلاقات بين الشركاء والحلفاء، ومنها ماهو مرتبط بآلية عمل الأسواق العالمية وسياسات المنتجين والعرض والطلب.

يكفي هنا أن نشير إلى أن كل من يعيش على أراضي القارة الأوروبية يدفع حالياً خمسة أضعاف ما كان يدفعه قبل أقل من عام، ثمناً لغاز التدفئة المنزلي شهرياً. وإذا أضيف ذلك إلى تهديدات تلوح في الأفق بنقص الإمدادات في فصل الشتاء البارد، فسيكون كافياً لإثارة غضب الأسر الأوروبية وإشعال فتيل التظاهرات التي سوف تعيد إلى واجهة الحدث السياسي خطر الحركات الشعوبية والأحزاب المتطرفة.

ولا شك في أن الأسعار القياسية التي يدفعها الموردون في أوروبا ونقص الإمدادات الداخلية في القارة، تغذي المخاوف من استمرار أزمة الطاقة لأجل طويل.

وسط هذه المعطيات تنشط الدبلوماسية لتحقيق الأهداف الملحة والمؤجلة مستغلة ظروف القارة لتبدأ المساومات على المواقف السياسية وممارسة الضغوط خاصة من حليف الأوروبيين المفترض، واشنطن، التي لا تكف عن تحريض الاتحاد الأوروبي ضد روسيا. ولا شك في أن الروس الذين يزودون أوروبا بالقسم الأكبر من حاجاتها من النفط والغاز، يجيدون لعبة عض الأصابع.

اتهامات متبادلة

فقد سارع الأمريكيون إلى اتهام الروس صراحة باستخدام الطاقة كسلاح منذ زمن بعيد. وقال جاك سوليفان، مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض، أثناء مناقشة قضية الغاز مع مسؤولي الاتحاد الأوروبي في بروكسل الأسبوع الماضي، إن الولايات المتحدة قلقة لعدم مواكبة المعروض للطلب المتنامي مع تعافي الاقتصادات من جائحة «كوفيد - 19». وأضاف: «روسيا لها سجل حافل من استخدام الطاقة كوسيلة للإكراه، كسلاح سياسي».

وكانت ويندي شيرمان نائبة وزير الخارجية الأمريكية، قد دعت روسيا خلال اجتماع مع نظيرها الروسي أليكسي أوفرتشوك يوم الخميس الماضي، إلى عمل المزيد لضمان أمن الطاقة الأوروبي.

وفي خضم التدخلات الدولية في أزمة الطاقة الأوروبية، سارعت موسكو للرد بعنف على الادعاءات الأمريكية التي وصفتها «بالوقحة» على لسان سيرجي ريباكوف نائب وزير الخارجية الروسي الذي اتهم واشنطن بإطلاق التهم جزافاً ضد الروس بينما تعبث في استقرار العالم وأمنه.

وتقول روسيا إنها تفي بالتزاماتها وفقاً للمتعاقد عليه، وهو ما أكده كبار العملاء الأوروبيين. وقال الرئيس فلاديمير بوتين هذا الأسبوع، إن القول باستخدام موسكو الطاقة كسلاح كلام «عبثي»، مضيفاً أن روسيا مستعدة لمد أوروبا بمزيد من الغاز إذا طلبت. وقال نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، إن روسيا قد تستأنف مبيعات الغاز الفورية بعدما تستكمل ملء مخزون احتياطياتها، في خطوة قد تخفف الضغط على الأسعار في أوروبا.

الاصطياد في المياه العكرة

وذكرت وكالة الطاقة الدولية هذا الشهر، أنها تعتقد بأن روسيا يمكنها إرسال كميات إضافية من الغاز إلى أوروبا هذا العام تساوي حوالي 15% تقريباً من صادراتها المعهودة إليها.

ويرى المراقبون أن الولايات المتحدة لا تكف عن الاصطياد في الماء العكر. ومعلوم أن الأمريكيين عارضوا مشروع «نورد ستريم 2» وهددوا بفرض عقوبات على ألمانيا، وقد فرضوها فعلاً على شركات كانت تعمل في المشروع. وكانت الخطوة التي اتخذتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بزيارة واشنطن والإعلان من هناك عن موقف أمريكي ألماني لتسوية الخلافات حول «نورد ستريم2»، ذكية بما فيه الكفاية لتعديل مواقف واشنطن من المشكلة برمتها.

وقد اتهمت أوكرانيا وبلدان أخرى في شرق أوروبا، روسيا بمحاولة تحويل إمدادات الغاز إلى سلاح لأغراض من بينها الضغط على برلين لتسريع الموافقة على خط الأنابيب المتنازع حوله سياسياً، والذي يتحاشى المرور بأوكرانيا وينقل إمدادات الغاز مباشرة إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق.

وفي حين يعتقد البعض أن ارتفاع الأسعار ظاهرة مؤقتة سببها الاضطراب الاقتصادي الذي يعود إلى تبعات فيروس كورونا، يقول آخرون إنه يسلط الضوء على الضعف الهيكلي في قارة أوروبا التي أفرطت في الاعتماد على الغاز المستورد.

لكن الهدف بعيد المدى والمتمثل في تطوير اقتصادات محايدة كربونياً في بريطانيا وأوروبا أضعف أيضاً رغبة المستثمرين في تمويل تطوير إمدادات الوقود الأحفوري الذي يعتقدون أنه سيصبح جزءاً من الماضي خلال 30 عاماً. كما أن وقف إنتاج الزيت الصخري الأمريكي زاد من ضغوط العرض وارتفاع الأسعار.

وهناك مسببات ذات صلة بما يجري خارج أوروبا في السباق نحو الاقتصادات النظيفة، حيث يتم ربط 15 مليون مسكن في مدن الصين الساحلية بشبكة إمدادات الغاز سنوياً. وهذا يتطلب إمدادات توازي ما تستهلكه هولندا وبلجيكا في كل عام. لذلك عندما يصبح الجو بارداً في الصين ترتفع أسعار الغاز في بريطانيا وألمانيا مثلاً.

ومما يريح أوروبا أن قدراتها على استيراد الغاز الطبيعي المسال كبيرة نتيجة لاتساع طاقة التخزين لديها. وللتعويض عن تراجع إنتاجها المحلي، استوردت بريطانيا ما يقرب من 20% من احتياجاتها من الغاز في عام 2019 عبر شحنات الغاز الطبيعي المسال إلى جانب تدفقات خط الأنابيب من النرويج وبعض دول الاتحاد الأوروبي.

لكن ما يتعب القارة أن الطلب على الغاز في آسيا ارتفع بسرعة وبنسبة 50% خلال العقد الماضي، مدفوعاً بازدياد حجم الاستهلاك في الصين بحوالي ثلاثة أضعاف بحيث صار من الصعب على الأوروبيين تأمين شحنات الغاز الطبيعي المسال هذا العام.

وخلاصة القول إن الكثير من الأرقام والمعطيات المتعلقة بسوق الطاقة لا تخفى على الأمريكيين، هذا إن لم نقل إنهم مصدر معظمها. وهذا يعطيهم حيزاً أكبر للمناورة في شن الحرب الإعلامية التي تزيد من الضغوط الهادفة سواء على روسيا أو على الاتحاد الأوروبي، بما يضمن استمرار الخلافات بين الجانبين وخضوع الأوروبيين للمطالب الأمريكية بما يضمن بقاء القارة تحت الوصاية الأمريكية، في الوقت الذي تتعالى فيه أصوات قيادات الدول الفاعلة في الاتحاد منتقدة الدبلوماسية الأمريكية ومطالبة بتحقيق الاستقلال الاستراتيجي وبناء قوة الردع الذاتي الأوروبية التي تضمن للقارة دوراً فاعلاً على المسرح العالمي.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"