عادي

منع الزوجة من زيارة والديها يهدد استقرار الأسر

الإسلام يحث على البر
22:22 مساء
قراءة 6 دقائق

القاهرة: بسيوني الحلواني

تتكرر جرائم عنف أسري، العامل الرئيسي فيها «قطع الأرحام»، وتجاهل المشاعر الإنسانية للزوجة، والحكم عليها ب «الإعدام نفسياً» نتيجة قسوة الزوج ومنعه لها من زيارة أسرتها، والقيام بواجب البر لوالديها.

المشكلة تفرض نفسها للمناقشة بعد تكرار العنف المتبادل بين الأزواج والزوجات بسبب منع الزوجة من زيارة أسرتها وبر والديها.. لذلك ذهبنا إلى عدد من علماء الإسلام لتوضيح الموقف الشرعي من سلوك الأزواج وقسوتهم على زوجاتهم، ولتذكير الأزواج بالواجبات الإنسانية لزوجاتهم تجاه أسرهم، وتقديم النصيحة لهؤلاء الذين أعماهم الغضب وسيطرت عليهم الكراهية لأسر زوجاتهم.. وفي ما يلي ما قاله العلماء ونصحوا به..

يؤكد د. شوقي علام، مفتي الديار المصرية، إدانته لكل صور العنف والقسوة داخل الأسرة العربية، ويؤكد أن تعاليم الدين توجهنا دائماً إلى حل كل مشكلاتنا بالحوار، وأن نحتكم إلى تعاليم شريعتنا التي نظمت العلاقة تنظيماً دقيقاً بين الأزواج والزوجات من حيث الحقوق والواجبات، فلا يجوز لزوج أن يجور على حق لزوجته سواء أكان هذا الحق مادياً أو معنوياً.

ويضيف: مسألة منع الزوج لزوجته من بر والديها وزيارة أسرتها وصلة أرحامها فيه قسوة مفرطة من الزوج وإهدار لحق إنساني من حقوق الزوجة تجاه أسرتها، وأياً كانت أسباب الخلاف بين الزوج وأهل زوجته، فلا يجوز له منعها من بر والديها وصلة رحم أسرتها، وليس من الشهامة أن يفعل الزوج ذلك، ويستغل سلطة القوامة على زوجته، ويمنعها من أهم واجباتها الإنسانية تجاه أسرتها، وخاصة والديها.

ويؤكد د. علام أن الأزواج الذين يفعلون ذلك يحتاجون لوقفة صادقة مع النفس، بعيداً عن مشاعر الكراهية التي تسيطر عليهم تجاه أسر زوجاتهم، وعليهم أن يدركوا أن ما يفعلونه سيحاسبهم الله عليه، لأن بر الوالدين وصلة الأرحام من الواجبات الإنسانية التي فرضها الله على الأبناء تجاه آبائهم وأقاربهم، وعليهم- إن كانوا يرجون رحمة الله وعفوه عنهم- أن يبادروا بإنهاء الخصام والقطيعة، ليعيشوا مع زوجاتهم في نعيم واستقرار وسكينة، حيث لن تتحقق هذه المعاني الإنسانية في ظل التشاحن والخصام مع أسر زوجاتهم.

ويقول: الزوجة التي تحرص على بر والديها وصلة أرحامها واجب زوجها أن يكرمها، ويحسن إليها، ويحافظ على عشرتها، لأن بداخلها ضميراً دينياً حياً، وبداخلها مشاعر إنسانية فياضة، وكما أكرمت أهلها، وحرصت على الوفاء بحقوقهم، ستكرم زوجها وتفي بحقوقه أيضاً، ولذلك هي «زوجة صالحة» واجب الزوج أن يحسن إليها ويحافظ عليها.

فضل البر وصلة الأرحام.

واجب متبادل

يدين د. نزيه عبدالمقصود العميد السابق لكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر كل جحود من جانب الزوج لزوجته وحرمانها من بر والديها وصلة أرحامها، ويقول: الإسلام نظم العلاقة بين الزوج وزوجته من ناحية، وبين الزوج وأهل زوجته، والزوجة وأهل زوجها، بحيث تظل العلاقة بين جميع الأطراف يسودها الود والاحترام المتبادل، وهذا هدف من أهداف الزواج، وعلاقة المصاهرة بين الأسر من المفروض أنه تخلق مناخاً من المودة والمحبة والرحمة بين الجميع.

ويضيف: الحياة الزوجية يجب أن تقوم على أساس من المودة والرحمة، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا باحترام كل من الزوجين لحقوق الآخر، ومن حق الزوجة أن تبر والديها وتصل أرحامها، وواجب الزوج أن يعينها على ذلك، وكما يجب عليه أن يبر أهله ويحسن معاملتهم، يجب عليه أن يبر أهل زوجته أيضاً، والزوجة كذلك مطالبة شرعاً بأن تبر أهلها وأهل زوجها وتحسن معاملتهم، وكما يرضي الزوج ويسره أن تعامل زوجته أهله معاملة حسنة كريمة، كذلك يرضي الزوجة ويسرها أن يعامل زوجها أهلها معاملة حسنة كريمة، فالعلاقات الإنسانية لا تتجزأ، ومشاعر الود والاحترام يجب أن تكون متبادلة. وعن موقف الشرع في سلوك الزوج الذي يمنع زوجته من زيارة أهلها يقول د. نزيه: لقد قال الفقهاء إنه لا يجوز للزوج أن يمنع زوجته من الخروج إلى والديها لزيارتهم وبرهم، خاصة في حالة المرض والشيخوخة.. وبعض الفقهاء يقيد خروجها بألا يقدرا على إتيانها فإن قدرا فلا تذهب، وينبغي أن يأذن لها في زيارتهما على قدر متعارف من حين لآخر، ولا يمنعها من ذلك، فإن منعها امتثلت لأمره والحرمة تكون عليه.

ويرى الأستاذ الأزهري أن الخلافات الأسرية والزوجية هي التي تفجر مثل هذه القضايا، فالود والرحمة بسبب المشاحنات، وفقدان روح التسامح والعفو بين الأسر المتصاهرة هو الذي يخلق مثل هذه المشكلات.. ويقول: قد يكون تدخل أهل الزوجة في حياة ابنتهم يولد الكثير من المشكلات والأزمات، وهنا نطالب بعدم التدخل وترك الأزواج والزوجات يحلون مشكلاتهم بأنفسهم .

وينصح د. نزيه الأزواج بالتعامل بتسامح ورحمة مع عائلات زوجاتهم، ويقول: الزوج الشهم الملتزم بشرع الله يجب أن يقابل طاعة زوجته له، وإحسانها إليه بالإحسان إليها، ويتبادلان الحنان والبر والمودة، ففي ذلك استقرار لعلاقتهما، وعلى الزوج أن يدرك أنه لا يمكن أن تشعر زوجة بالأمان مع زوج يحرمها من بر والديها.. وإذا كنا نطالب الزوجة أن تفي بحقوق زوجها والاعتراف بفضله، فعليه هو الآخر أن يفي بحقوقها، ويتودد إليها بالإحسان إلى أهلها.

نصيحة للأزواج

د. صبري عبد الرؤوف أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر يؤكد على ضرورة بر الزوج بأهل زوجته لو أراد الاستقرار لحياته الزوجية، ويقول: في الواقع علاقة الزوج بزوجته هي التي تحدد حجم هذه المشكلة داخل الأسرة، فكلما كانت العلاقة مثالية، وكانت هناك مودة وتفاهم واحترام متبادل بين الزوجين، كلما خفت حدة كل مشكلة من هذا النوع، فكل زوج مرتبط نفسياً ووجدانياً بزوجته، تجده حريصاً على إرضائها والبر بها وبأهلها.. لكن الحقيقة الغائبة في مثل هذه المشكلات التي تطفو على سطح حياتنا الأسرية والاجتماعية هي وجود خلافات وصراعات بين الزوجين، وهي التي تفجر مثل هذه المشكلات.

ويرى أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر أن الود والرحمة لم يعد لهما وجود بين كثير من الأسر المتصاهرة، وتدخل أهل الزوجة، وخاصة أمها، في حياة ابنتها يولد الكثير من المشكلات والأزمات. وعن حق الزوج في منع زوجته من الخروج لزيارة أسرتها يقول د. عبد الرؤوف: للزوج حق الطاعة على زوجته في أمرين أساسيين هما: المتعة.. وملازمة البيت، فلو عصته في أمر منهما كانت «ناشزاً» وتسقط نفقتها، وهناك الكثير من الأحاديث النبوية التي نهت عن عصيانها فيما يجب عليها، فقد روي أن رجلاً كان على سفر وطلب من زوجته ألا تنزل من «العلو إلى السفل» أي من الطابق الأعلى إلى الطابق الذي تحته، وكان أبوها فيه مريض، فاستأذنت النبي في زيارته فأمرها بأن تطيع زوجها فمات أبوها ودفن ولم تنزل فأخبرها الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله غفر لأبيها بسبب طاعتها لزوجها.

ورغم رفض د. عبد الرؤوف لسلوك الأزواج قساة القلوب وتسلطهم على زوجاتهم في أمر إنساني كهذا، فإنه ينصح الزوجات بعدم اليأس من تليين موقف الزوج، وصرفه عن قسوته، دون حدوث شرخ في جدار العلاقة الزوجية.. كما أنه ينصح كل زوج مصر على حرمان زوجته من بر وود أهلها بالعودة إلى صفائه النفسي، والتخلي عن قسوته ، لأن التفاهم أساس استقرار الأسر.

سألت د. عبدالرؤوف: هل يجوز للزوجة أن تطلب الطلاق من زوجها بسبب عناده في هذه المسألة؟

قال: نصيحتي لكل زوجة تعاني هذه المشكلة بالصبر على الزوج، وعدم التسرع في «خراب البيت» خاصة لو كان الزوج يؤدي واجباته تجاه زوجته ويحرص على حقوقها الزوجية، لكن لا يجوز للمرأة أن تطلب الطلاق من زوجها لأنه يمنعها من زيارة أهلها، فهذا ضرر نفسي لكنه لا يستوجب الطلاق، والضرر الذي سيحدثه الطلاق من هدم أسرة وتشريد أبناء سيكون أكبر من الضرر الواقع على الزوجة إذا لم تقم بزيارة أهلها خاصة لو كان معها أولاد، وقد تتغير حال الزوج ويهديه الله إلى مودة أهل زوجته.

حقوق متبادلة

1

يوضح د. عبد الفتاح إدريس، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر أن الإسلام نظم العلاقة بين الزوج وزوجته ورسم لكل منهما حقوقاً لا يجوز التفريط فيها، ومن بين الحقوق المتبادلة بر كل منهما لأهل الآخر، بحيث تظل العلاقة بين جميع الأطراف يسودها الود والاحترام المتبادل.

ويضيف: على كل زوج أن يعلم أن عقد الزواج لا يعطيه حق قهر زوجته ومنعها من واجب ديني واجتماعي وإنساني مثل بر الوالدين.

ويؤكد أن كل امرأة مطالبة ببر والديها وصلة رحمها حتى ولو كانت في كنف زوج، ومن واجب الزوج أن يعينها على هذه الطاعة، يقول الحق سبحانه: «والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار» ويقول عز شأنه: «فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم»، ويقول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: «الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/3364tmfb