عادي

«الصخب والعنف».. مقدمة مجنونة لرواية غامضة

على هامش الحكاية
22:54 مساء
قراءة دقيقتين
3

الشارقة: «الخليج»

يختزن الروائي غالباً كل فكرته في مقدمة الرواية، إذ تعتبر ضمن العتبات والمفاتيح المهمة التي تضيء النص، خاصة إذا كان الموضوع غامضاً ومحتشداً بالغرائبيات والجنون، لذلك تأتي المقدمة لتمثل كلمة المؤلف، ومرجعية للقارئ، وتكون النص الموازي الذي يحمل الدهشة والمتعة والجمال.

رواية «الصخب والعنف»، اعتبرت عند كثير من النقاد درة الرواية الأمريكية وذروتها، وإحدى روائع القرن العشرين النادرة، فهي رواية فريدة، وعصية على الإدراك، وضد السهولة والتقليدية والخفة في الإبداع والقراءة، ولعل أكثر ما يميز ذلك العمل الفريد هو تعدد مستويات الوعي، وجغرافيات الشخوص، واللغة، مندمجين في بنية مركبة، رواية لا تعرف التحديد الزمني التقليدي، المستقيم والأفقي، وتحفل بشخوص مجانين يتحدثون حديثاً مبهماً غير مفهوم، بحيث يجد القارئ صعوبة في البداية في إدراك ما يجري إلى أن يصل إلى مراحل متقدمة من القراءة، وربما يعود، في سعيه لفهم ما يحدث، في كل مرة إلى مقدمة العمل.

الرواية للكاتب الأمريكي وليم فوكنر «1897 –1962»، فاز بجائزة نوبل في الأدب عام 1949، على «مساهمته القوية والفريدة فنيّاً في الرواية الأمريكية الحديثة»، وإلى جانب الروايات فقد اشتهر بكتابة القصة القصيرة والشعر ونصوص سينمائية ومقالات مسرحية، واطلع في وقت مبكر على الحكايات الخرافية من منابع مختلفة الأمر الذي كان له تأثير كبير في مواضيعه وأسلوبه.

ووصفت الرواية بأنها سيمفونية سردية تقال على ألسنة 4 أشخاص غير أسوياء، لا يحول شيء أو قانون، دون أن يسموا الأشياء بمسمياتها، ويُعروا النفس الإنسانية وآلامها الوجودية دون أدنى تجميل أو تزويق، يخرج منهم الكلام مرسلاً، لا يعترف بحدود ما يسمى باللباقة واللياقة، وفي بداية العمل يتحدث شاب معتوه عن عائلته، وانحلالها ضمن ظروف اقتصادية وسياسية، بطريقة غير مرتبة، ومدهشة، لأنها لا تخضع لقوانين السرد التقليدية ولا الواقعية تماماً، لكنها تكشف بصدقٍ وعمق انهيار مؤسسة العائلة التي تطحنها الحروب والقوانين العنصرية وإكراهات سلطة العقل الجمعي على خيارات الفرد، وهو ما يتجلى في شخصية الابن كوينتين الذي يعاني فوبيا الموت؛ حيث تدفعه آلام أفراد عائلته للاستسلام وللانتحار أخيراً.

تقول مقدمة الرواية: «أنا كوينتين، حين أهداني أبي ساعة جدي قال: إني أعطيك ضريح الآمال والرغبات كلّها، ولا أعطيك هذه الساعة حتى تتذكر الزمن والوقت، بل لتنساهما بين حينٍ وآخر؛ لأنه ما من أحدٍ ربح المعركة ضدهما أبداً»، وقد اعتبرت تلك الكلمات على لسان أحد الشخصيات الرئيسية في العمل من أغرب المقدمات الروائية، وتعبر عن ذلك الجنون الذي اتسم به كوينتين.

ونسبة لغموض الرواية وغرائبيتها فقد رفضها الناشرون في البداية، على الرغم من أنها الرواية الخامسة للكاتب، ولكن في عام 1929، نجح فوكنر في نشرها لتلقى صدى كبيراً وتترجم إلى معظم لغات العالم الحية ومن بينها العربية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/2p8tc4ck