عادي

استئجار مرضع غير مسلمة

22:45 مساء
قراءة 3 دقائق
1
عارف الشيخ

د. عارف الشيخ

قال لي أحدهم ذات مرة بأن ابنه الصغير عندما كان في السنة الأولى من عمره، كان يرضع من أمه، إلا أن «الأم مرضت وكنا خارج الدولة، فقامت جارتنا البوذية بإرضاعه مدة شهر تقريباً، فما حكم هذا الإرضاع؟».

أقول: إن جمهور الفقهاء يرون أن الطفل إذا رضع من غير المسلمة، سواء كانت كتابية أو مشركة، أصبحت تلك المرأة أمه من الرضاع، وثبتت الحرمة، كما أن الطفل في سن الرضاع لا يحكم عليه مثلما يحكم عليه بعد البلوغ.

ومن ثم فإن رضاعه من البوذية مثل رضاعه من المسلمة أو الكتابية، يثبت الحرمة متى تحققت شروط الإرضاع من حيث عدد الرضاعة وسن الرضاعة وقدر الرضاعة. وقد ثبت في الحديث أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أريد على ابنة عمه حمزة، فقال: «إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب». متفق عليه.

ويعني الرسول، صلى الله عليه وسلم، بذلك أنه رضع وعمه حمزة من ثويبة مولاة أبي لهب، ومعلوم أن ثويبة كانت كافرة.

وإذا قيل إن هذا الحديث لا يفيد تحريم الرضاع أو تحليله، لأن وقت رضاعه، صلى الله عليه وسلم، من ثويبة، كان طفلاً لم يبعث بعد؛ لذا لا يصح الاستدلال.

قلنا في المقابل: نعم، ربما صح ما يُقال حول الحديث والحادثة، لكن هناك سؤال آخر يطرح نفسه، وهو: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إنها لا تحل له وسكت، وكان بإمكانه أن يبين حكم إرضاع غير المسلمة، لكنه لم يفعل ذلك فدل ذلك على الجواز، لأن علماء أصول الفقه يقولون: السكوت في موضع البيان بيان.

إذن فإن رضاع الطفل المسلم من المرأة غير المسلمة جائز ومثبت للحرمة، لأنه ينسجم تماماً مع الحديث الوارد: «يحرم من الرضاع ما يحرم من الرحم» أو من النسب كما في بعض الروايات، لأن الحديث عام لم يفرق بين المسلمة والكافرة، ثم إن الكافرة عامة تشمل النصرانية واليهودية والبوذية، وغيرها، والعام عند علماء أصول الفقه، يحتاج إلى تخصيص، وحيث لا مخصص فإن العام يبقى على عمومه.

ويؤيد هذا القول ما نقرأه في الموسوعة الفقهية الكويتية: «إن ارتضع مسلم من ذمية رضاعاً محرّماً، حرمت عليه بناتها وفروعها كلهن وأصولها كالمسلمة، لأن النصوص لم تفرق بين مسلمة وكافرة، وقد صرّح بذلك المالكية والحنابلة، ولا تأبى ذلك قواعد المذاهب الأخرى».

نعم، ذهب الحنابلة إلى القول إنه يكره الارتضاع من المشركات، لأنه ربما مال إليها في محبة دينها لأنها أمه من الرضاعة/ انظر «المغني» لابن قدامة ج 9 ص 228.

ولهذا الرأي مبرر أيضاً، فقد روي عن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، وعن عمر بن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنه أيضاً، أنهما قال: اللبن يشتبه، فلا تستق من يهودية ولا نصرانية ولا زانية، ويكره بلبن الحمقاء كي لا يشبهها الطفل في الحمق. والأم من الرضاعة، وكذلك الأب من الرضاعة إذا كانا مشركين، لك أن تبرهما، لأنه ورد في الحديث عن أبي الطفيل، رضي الله تعالى عنه، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لحماً بالجعرانة، قال أبو الطفيل: وأنا يومئذ غلام أحمل عظم الجزور؛ إذ أقبلت امرأة حتى دنت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فبسط لها رداءه فجلست عليه، فقلت من هي؟ فقالوا: هذه أمه التي أرضعته.

وروي أيضاً عن عمر بن السايب، رضي الله تعالى عنه، أنه بلغه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان جالساً يوماً فأقبل أبوه من الرضاعة، فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر، فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة، فقام له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأجلسه بين يديه.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"