خيط دخان

00:07 صباحا
قراءة دقيقتين

يقول عبد الحليم حافظ في أغنيته قارئة الفنجان: «وستعرف بعد رحيل العمر، بأنك كنت تطارد خيط دخان». هذا بالضبط هو حال من يستمع إلى كلام «بعض» مقدمي المحتوى التحفيزي، بينما لا تعدو محاضراتهم كونها مقتطفات من كتب أجنبية، نقلوها عبر حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي كما جاءت على لسان أصحابها، بعد ترجمتها إلى اللغة العربية.
منذ فترة، سمعت أحدهم يتحدث عن ضرورة أن يرحل الإنسان عن كل ما هو سلبي، سواء كان مكاناً لا يقدره فيه أحد، أو بيئة يتعرض في ثناياها لبعض المضايقة أو التجريح، إلى أن يستقر حيث يشعر بالطمأنينة والسعادة.
كان يعرض الفكرة كما لو أن المرء عصفور عليه التنقل من شجرة إلى أخرى حتى يجد المكان الذي يشعره بالرضا، دون أن يدرك حقيقة أن الترحال الذي يدعو إليه يشبه رحلة قد تمتد العمر كله دون العثور على مدينة أفلاطون المثالية، ليتبين في نهاية المطاف أن المرتحل يطارد خيط دخان. وبمعنى أصح، كأنها دعوة إلى اعتزال الحياة الاجتماعية، والبحث عن كهف يأوي الإنسان إليه حتى آخر أيام حياته!.
لا أعلم على وجه الدقة المتناقضات التي يعيشها أمثال هؤلاء، ويريدون إجبارنا جميعاً على عيشها معهم. فتارة يقولون لك ارحل، وتارة يقولون ابقَ حيث أنت.
أما وجهة نظري الشخصية، فهي ألّا تستمع لمن يقول لك ارحل، لأنك ستظل مرتحلاً من مكان إلى آخر كالعصفور، إلى أن تكتشف أنك أضعت العمر وأنت تطارد الدخان.
فاثبت في مكانك، واستعصم بالصبر، وتحدَّ خطوب الحياة. فلو غادر كل شخص يشعر بعدم التقدير بيته، لغدت البيوت فارغة. لا جنة على الأرض أينما ذهبت، ولا يكون النجاح بالهروب، بل بالمواجهة وحدها.
لا ترحل، وابقَ لتدفع الآخرين إلى تغيير نظرتهم تجاهك. فتثبت نفسك عبر العمل الجاد، ورقي التفكير، ونبل الأخلاق المقرون بحسن التعامل مع الغير. وإذا كنتِ زوجة فأنصحكِ بأن تتمسكي ببيت الزوجية، وتحاولي بحب احتواء شريك العمر والمحافظة على الحياة الأسرية السعيدة. نفس الشيء ينطبق عليكَ إذا كنت أباً وزوجاً. أما واجبك كابن أو ابنة فهو احترام والديك ومساعدتهما في كل الأوقات، بعدما بذلا في سبيل تربيتك الغالي والرخيص، وسهرا الليالي من أجل راحتك.
إن رسالتي الجوهرية من هذا المقال، هي أن أدعوك بألّا تصغي لبياعي الكلام، ممن يصدرون إليك أقوالاً منقولة دون أي محاكمة عقلية أو علم حقيقي. فلا تهرب من المواجهة، ولا ترتحل بحثاً عن مدينة فاضلة لا وجود لها. بل أثبت وجودك حيث أنت بطرق تحبب الناس بك، وكافح حتى تثبت جدارتك، وتفرض احترامك على جميع من حولك.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"