أزمة العراق العميقة

00:20 صباحا
قراءة دقيقتين

علي قباجه

كان من المتوقع أن يصل العراق إلى هذه المرحلة من الفوضى، بعد فشل سياسي ذريع، ونخب غير قادرة على قيادة دفة الدولة، إضافة إلى تضارب المصالح، وتعدد التبعيات، وفساد ضرب أطنابه في مفاصل البلاد، بينما الحكومة التي تتأرجح في هذه اللجج، عاجزة عن ممارسة مهامها، أو بسط سيادتها، ومحاربة المظاهر الميليشياوية التي أصبحت دولة داخل الدولة.

مقتدى الصدر الذي تصدّر تياره الانتخابات البرلمانية في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وصل إلى طريق مسدود مع الفرقاء السياسيين، فقد تعثر التوصل إلى حل يفضي إلى انبثاق حكومة خارج المحاصصة الطائفية، لذا فإن الصدر عمل على بلورة مبادرة - بعد سلسلة من الفشل- تهدف إلى حلحلة الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد، عبر دعوته إبعاد جميع الطبقات الحاكمة من سياسيين وسلطويين عن تشكيل الحكومة، لكنه واجه مقاومة شرسة، ولم يكتب له النجاح، ليقوم مؤخراً بإلقاء القنبلة السياسية عبر إعلانه اعتزال الحياة السياسية، ليقلب الطاولة على الجميع.

الاعتزال كان ربما بمثابة تحريك للمياه الراكدة ليس إلا، خصوصاً أنه لم يكن الأول، ففي 2014 أكد انسحابه من العملية السياسية، كما حل تياره وأغلق جميع مكاتبه، وقبل ذلك بستة أشهر - أي في 2013- كان هناك أيضاً قرار مماثل، لذا يمكن القول إنه بخطوته مؤخراً، أراد أن يحرج خصومه، الذين كانوا على الدوام حجر عثرة أمام سعيه الحثيث لتشكيل حكومة. فتوجهه نحو ترك الحياة السياسية نهائياً أثار حفيظة أنصاره، الذين نزلوا إلى الشوارع في معظم محافظات العراق، كما اقتحموا المنطقة الخضراء، وتطورت الأمور إلى اشتباكات أودت بحياة العشرات، حيث كادت هذه الأحداث أن تهوي ببلاد الرافدين في منزلق عميق، والذهاب إلى مزيد من الخراب، لكن الصدر استطاع كسب موقف آخر، عندما دعا أنصاره إلى الانسحاب، وإنهاء حالة العنف، رغم أن التوترات بقيت في البصرة التي قتل فيها أربعة أشخاص، مؤخراً.

الزعيم الصدري، استطاع تجنب الفتنة، واعتذر عما حدث، وأمل بالحفاظ على السلمية ونبذ السلاح، لكن أياً كان، فإن مقبل الأيام يحمل الكثير، ولن يكون كما السابق، إذ إن رسالة الصدر وصلت لخصومه. والتحالف الثلاثي الذي جمع كتلته مع تحالف السيادة السني، والحزب الديمقراطي الكردستاني، قد يتجه الآن إلى خطوات تدفع نحو انتخابات جديدة مبكرة، وتوافق هذا الطرح مع توجه الرئيس العراقي برهم صالح، الذي دعا لإصلاحات جذرية عاجلة في منظومة الحكم، وإجراء انتخابات مبكرة، لأنها تمثل مخرجاً للأزمة الخانقة، وتعديل الدستور، كما أشار بوضوح إلى أن استمرار الوضع الراهن يمكّن الفساد بصورة أكبر.

ورغم الأحداث الدموية والهزة العنيفة، إلا أنها ربما تكون فاتحة خير للبلاد، عبر إدراك الأطراف أنه لا أحد يمكن الاستئثار بالعراق لوحده، وأن ثمة أطرافاً لا بد من الشراكة معها، أولاً وأخيراً، لأن غير ذلك يعني حرباً أهلية لا تبقي حجراً على حجر، وعندها لن تنفع التبعيات للخارج، وستُدمر الدولة الحاضنة للكل العراقي.

[email protected]

https://tinyurl.com/4vhwbtdt

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"