عادي

السودان.. «التسوية» على نار حامية

23:06 مساء
قراءة 4 دقائق
جانب من لقاء رئيس مجلس السيادة السوداني ورئيس بعثة «يونيتامس»(سونا)

د. أميرة محمد عبد الحليم*

في ظل التعقيدات التي أصبح المشهد السوداني يتسم بها في أعقاب الإجراءات التي اتخذها مجلس السيادة الانتقالي في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، والتي نتج عنها المزيد من التشابكات والأزمات التي لم يعد المواطن السوداني يقوى على التعايش معها؛ حيث تجاوزت آثار هذه الإجراءات الحالة المزمنة من الانقسام الذي أصاب شركاء الحكم.

أمام هذا المشهد الذي يُنذر بمزيد من التدهور، باتت التسوية السياسية بين مكوني الحكم (المكون المدني والمكون العسكري) هي الملاذ الأنسب لمنع تفاقم الأزمات التي يواجهها السودان، وعبّرت التحركات التي اتجه إليها شركاء الحكم خلال الأسابيع الأخيرة عن وعي حقيقي لهؤلاء الشركاء بأهمية القضاء على حالة الانقسام، والمضي قدماً في استكمال المرحلة الانتقالية، للوصول إلى الانتخابات، وأن هذا الطريق سيفوز الجميع من خلاله. إلا أن هذه التحركات لم تخل من محاولة لإجهاض التسوية السياسية، والعودة سريعاً إلى حالة الاستقطاب والتشرذم التي لا تفضي إلا إلى مزيد من الفوضى، واستمرار الأزمات.

أبعاد التسوية السياسية

تضمنت الجهود التي تبناها شركاء الحكم في السودان، اجتماعات بين المكونين العسكري والمدني، إضافة إلى خطابين ألقاهما رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق عبدالفتاح البرهان، ليدعم من خلالهما مسار التوافق الوطني، ويحسم الجدل والاتهامات الكثيرة التي وجهت إلى المؤسسة العسكرية ومجلس السيادة الانتقالي. فقد أعلنت الآلية الثلاثية (الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وهيئة الإيقاد) خلال الأيام الماضية عن توصل شركاء الحكم في السودان إلى تفاهمات تبشر بإمكانية تحقيق التوافق الوطني.

حيث استلمت الآلية وثيقة من القيادة العسكرية تتضمن تعديلات على مسودة الوثيقة الدستورية التي أعدتها اللجنة التيسيرية لنقابة المحامين؛ إذ تعبر هذه التعديلات عن قبول مجلس السيادة للمسودة، بما يشير إلى وجود توافق بين أعضاء مجلس السيادة الانتقالي وقوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) حول عدد من القضايا المرتبطة باستكمال المرحلة الانتقالية، والوصول إلى الانتخابات، وخاصة في ظل الاتفاق المبدئي حول التسوية الذي توصل إليه المكونان خلال الأسابيع الأخيرة، والذي جاء برعاية اللجنة الرباعية المعنية بالسودان (الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والإمارات) وكان من أبرز ملامح هذا الاتفاق، موافقة المكون العسكري على تعيين رئيس دولة مدني، ورئيس وزراء من اختيار المدنيين، تمهيداً لإجراء انتخابات عامة في غضون عامين.

كما عبر الفريق عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة والقائد الأعلى للقوات المسلحة خلال خطابين عن سعيه الحثيث، وباقي أعضاء مجلس السيادة نحو تحقيق التسوية السياسية المنشودة، كما أكد (وبعبارات حادة) رفضه لمحاولات التيار الإسلامي، العودة إلى المشهد السياسي عبر التقارب مع المؤسسة العسكرية، وعبّر بكلمات صريحة عن ضرورة ابتعاد «حزب المؤتمر الوطني» مع حلفائه من التيار الإسلامي عن المشهد السياسي، كما أكد رفضه للتدخل في شؤون المؤسسة العسكرية التي تعد مؤسسة مستقلة، ودعا إلى تشكيل حكومة مستقلة بعيدة عن الأحزاب والمحاصصة.

محاولات إجهاض التسوية

على الجانب الآخر، لم تمهل القوى المناهضة للثورة أو ما يُطلق عليهم «فلول» نظام البشير، القوى الوطنية للوصول إلى غايتها، وإنجاز التفاهمات للخروج من حالة الانسداد السياسي التي تعيشها البلاد منذ ما يقرب من عام؛ حيث خرجت عناصر من التيار الإسلامي وحزب المؤتمر الوطني للتظاهر في 29 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، تحت دعوى رفض التدخلات الأجنبية في الشأن السوداني، والمطالبة بمغادرة المبعوث الأممي للبلاد، في حين أكد بعض رموز التيار الإسلامي محاولاتهم للمشاركة في المشهد السياسي، خاصة بعد أن صدرت قرارات قضائية وإدارية بحل اللجان التسييرية للنقابات التي تشكلت بعد الثورة، وإعادة نقابات ما قبل سقوط نظام الرئيس المعزول عمر البشير، مما اعتبره أعضاء النظام السابق انتصاراً يدفع بهم مرة أخرى إلى دائرة التفاعلات السياسية.

إلا أن هذه المحاولات كان من الواضح أنها جاءت رداً على مسار التوافق الوطني الذي بدأته القوى السياسية المختلفة، سعياً لإخراج البلاد من أزمتها متعددة الأبعاد، في الوقت الذي لم ينكر بعض أعضاء التيار الإسلامي عداءهم للمكون العسكري وللمؤسسة العسكرية، التي يرونها المسؤولة عن نجاح القوى الثورية في إطاحة نظام البشير، ومحاسبة الموالين لهذا النظام والزج بهم في السجون.

ضرورات التسوية السياسية

يبدو أن المساعي الأخيرة التي يبذلها شركاء الحكم في السودان للوصول إلى توافق وطني، وعلى الرغم من استمرار الانتقادات لمجلس السيادة الانتقالي من بعض القوى المدنية، فإنها تعبر عن حالة من الإدارك الوطني لأهمية استئناف المسار السياسي في البلاد، بعد كل الخسائر التي عاناها الجميع خلال العامين الأخيرين. يضاف إلى ذلك، وجود مخاوف خارجية ( عربية وغربية ) من عودة الإسلاميين إلى المشهد السياسي في السودان عبر استغلالهم للانقسامات بين شركاء الحكم؛ حيث اتهم البعض البرهان بمحاولة الاستعاضة عن قوى الحرية والتغيير بالإسلاميين وفلول النظام السابق.

يجب تأكيد أن التطورات الراهنة في المشهد السوداني، تبعث بمزيد من التفاؤل حول قرب العودة إلى الاستقرار في البلاد، والوصول إلى توافق وطني بين الفرقاء، إلا أن معارضي التسوية السياسية والرافضين للتفاوض مع المكون العسكري، فضلاً عن الانتهازيين من التيار الإسلامي وفلول النظام السابق قد يعملون على تعميق الانقسام بين شركاء الحكم.

لكن يبقى الرهان على وعي القوى السياسية الوطنية بأهمية الحد من التحديات التي تواجهها البلاد، لمنع انزلاق السودان نحو الهاوية؛ سيدفع هذه القوى نحو محاولة تذليل العراقيل، ومنع الصدامات مع المكون العسكري واستثمار الإصرار على التوافق الذي تعّبر عنه تصريحات البرهان في استعادة مسار العملية السياسية للوصول إلى إجراء الانتخابات الديمقراطية وإعادة إدماج السودان في محيطه الإقليمي والدولي، بما يعود بالفوائد الاقتصادية والإنسانية على عموم الشعب السوداني.

* خبيرة الشؤون الإفريقية بمركز الأهرام للدراسات

https://tinyurl.com/yc6hab8z

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"