ألف متر مربع في بغداد

00:00 صباحا
قراءة دقيقتين

تحتضن بغداد فعاليات الدورة الخامسة من معرض العراق الدولي للكتاب حتى 14 ديسمبر/ كانون الأول، بمشاركة 350 دار نشر من 17 بلداً عربياً وأجنبياً، وتحمل الدورة من المعرض اسم (لبنان)، وفي العام الماضي في دورته الرابعة حمل المعرض اسم (فلسطين).
خبر عربي من العراق يسر القلب، ويسرّ من يرى بغداد، ويرى الكتب، ويرى العراقيين وهم يتجولون بين أجنحة صغيرة على مساحة عرض تبلغ نحو 20 ألف متر مربع.
لا بد أنك سوف تتوقف قليلاً، وتبتسم، وأنت تقرأ مساحة المعرض (20 ألف متر مربع) بلا أسلحة ولا ميليشيات، ولا أي مظهر من مظاهر القوة الخشنة الرهيبة التي تحول الأوطان والشعوب إلى حفنة من الرماد، فقط الكتب.
تنمو أحياناً بعض الزهور الجميلة في أحواض الرماد وفي المستنقعات وفي ظلال الخرائب، لكنها تظل جميلة، وأكثر تفتحاً وابتهاجاً من الأماكن التي تنمو فيها، على هذا النحو الذي يرمز إلى تحدّي الخراب في حد ذاته، بل والانتصار عليه.
معرض كتاب في بغداد، وفي هذا الوقت العراقي الصعب هو شكل من أشكال القوّة الرائعة، الناعمة والإنسانية في شخصية وطبيعة العراقي، ابن النخلة، والنهر، وشارع المتنبي، ومقاهي السعادة الشعبية اليومية في الستينات والسبعينات والثمانينات، حين كان العراقي يقول الشعر كما لو أنه يقول لصاحبه وصديقه: صباح الخير.. السلام عليك ورحمة الله يا عراق الماء والشعراء.
السلام عليك ورحمة الله يا عراق بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وبلندا الحيدري، والجواهري، والبياتي، ويوسف الصايغ، وجبرا إبراهيم جبرا الذي رأى ببوصلته الذكية أن بغداد هي مسقط رأسه الثاني بعد القدس.
كانت بغداد مدينة صناعة الكتاب، وقبل ذلك كانت مدينة صناعة القراءة، وولادة الشعراء، وتكاثرهم كما يتكاثر النحل على شجرة ورد.. وفي أوساط التسعينات زرت بغداد، وقرأت في المربد، مهرجان الشعر العربي الكبير آنذاك، وعدت لأكتب نثراً عن بغداد، وإذ بي أكتب أن العراقي لو نفض كم قميصه لتناثر منه الشعر.
معارض كتب في مدن قلقة ومتوترة نوعاً ما لأسباب عديدة، ترمز إلى أن القلم أجمل من البندقية، وأن خفّة الكتاب أثقل من حزمة الرصاص، وأن المدن العظيمة تظل عظيمة، حتى لو احترقت أو حوصرت أو أحاط بها الرماد.
في كل مكان في العالم، وعبر التاريخ كلّه، ينتصر جلجامش على هولاكو، كتب دانتي قصة الأسطورة من الجحيم أو في الجحيم، وبقي إلى اليوم اسماً صديقاً في ثقافات العالم، وذهب نيرون إلى الجنون وموت العظمة الكاذبة، عشتار ما زالت تتباهى بجمالها المعتّق تحت الحدائق المعلّقة، فيما ذهب جلاوزة الطغيان إلى عتم النسيان.
رمزيات متوالية من بغداد في إطار فكرة صغيرة نبيلة: القراءة اتجاه معاكس للموت.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"