تواجه سوريا اليوم ما واجهته من قبل كلٌّ من ليبيا واليمن والسودان، بعد سقوط أنظمتها، لجهة بناء نظام سياسي يرضي القسم الأكبر من المكونات والفاعلين الأساسيين في البلاد ويمنع ذهابها نحو التقسيم، أو استعصاء الخروج من «الدولة الفاشلة»، التي آلت إليها بعد سقوط النظام السابق وانهيار العديد من المؤسسات الرئيسية ووجود حالات انقسام مجتمعية أوجدتها سنوات الحرب.
خلال السنوات التي تلت عام 2012، أصبحت سوريا ساحة صراع داخلية وخارجية، مع اشتداد وزيادة التدخّل العسكري الخارجي، الذي أصبح مع مرور الوقت أمراً واقعاً ومؤثراً في الصراعات الداخلية، خصوصاً أن القوى المحلية أصبح وجودها مرهون بدعم دول الخارج ومرتبطة بمشاريعها ونظراً إلى واقع الحرب ومنطق الغلبة العسكرية وموجات لجوء خارجية ونزوح داخلي لملايين السكان وما طال البلاد من كوارث إنسانية وعمرانية واقتصادية، فقد تراجع تأثير القوى السياسية والمدنية والأهلية، لمصلحة القوى العسكرية وفي ثنايا الصراع نفسه، كانت كلّ عوامل تغذية الانقسام المجتمعي السوري تتفاعل مع بعضها البعض ويزداد تأثيرها بشكل سلبي ويفاقم حالة التنابذ الداخلي، القومي والديني والمذهبي.
في تجارب عدد من الدول التي شهدت ثورات واضطرابات داخلية وحروباً، كما في جنوب إفريقيا ورواندا والبوسنة والهرسك، كانت المرحلة الانتقالية المؤسسة على اتفاقات بين أطراف الصراع عاملاً إيجابياً حاسماً في نجاح تجربة العبور إلى المستقبل ومعالجة آثار الماضي وحتى في لبنان، كان «اتفاق الطائف» عام 1989 وعلى الرغم من كلّ ما اعتراه من عيوب، المرجعية التي شكّلت ولا تزال العقد الاجتماعي بين اللبنانيين، إذ لا يمكن معالجة مشكلات الانقسام المجتمعي بالقفز من فوقها وتجاهلها، فمن طبيعة الحروب الأهلية أن تظهر الولاءات ما دون أو ما فوق الوطنية بوصفها الضامن للجماعات ولبناء ولاء وطني جديد جامع، لا بد من وجود مرجعية تحدّد طبيعة العلاقات والمصالح التي ينبغي مراعاتها في النظام السياسي الجديد.
لقد كانت معظم القوى السياسية السورية وعلى الرغم من تبايناتها الأيديولوجية، قد ناقشت على مدار أكثر من عقد المسائل الخلافية بين السوريين ووضعت تصوراتٍ وحلولاً وقواسمَ مشتركةً لما ينبغي أن يكون عليه العقد الاجتماعي المأمول بعد سقوط النظام، وكانت رؤى هذه القوى موجودة إلى حدّ كبير في القرار الأممي 2254 بشأن العملية السياسية في سوريا، خصوصاً في التأكيد على ضرورة أن تكون الحكومة الانتقالية شاملة وغير طائفية وأن يكون الدستور محصلة حوار سوري- سوري.
في الواقع، قامت الحكومة المؤقتة بعقد مؤتمر للحوار على مدار يومين، نتجت عنه توصيات غير ملزمة للقيادة الجديدة وتلا ذلك صدور إعلان دستوري، كان بمثابة دستور مصغر، أكثر من كونه إعلاناً دستورياً، فالمتعارف عليه أن يتضمن الإعلان الدستوري آليات وضوابط تسيير المرحلة الانتقالية، من دون أن يتضمن مواد دستورية تحتاج إلى نقاش بين الفاعلين السياسيين والمدنيين وممثلي المجتمع الأهلي، من مثل اسم الدولة، ومرجعية التشريع فيها ودين رئيس الدولة والحريات والحقوق وغيرها من المواد التي تختّص بها الدساتير، من خلال هيئة منتخبة، يقرّها المؤتمر الوطني التأسيسي.
في الإعلان الدستوري، جاء ذكر فصل السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، لكن الإعلان الدستوري، أعطى الرئيس الانتقالي حقّ تعيين ثلث أعضاء مجلس نواب الشعب، أي الثلث المعطل، كما أقر بانتخاب الثلثين الآخرين عبر هيئات فرعية، وليس بشكل مباشر من خلال الشعب، كما منح الرئيس الانتقالي صلاحية تعيين قضاة المحكمة الدستورية العليا، كما جاء في المادة 47 وحق تعيين الوزراء وعزلهم وبذلك، فإن ما جاء ذكره من فصل للسلطات، ألغي عملياً في مواد الإعلان الدستوري، إذ أضاف الرئيس الانتقالي إلى صلاحياته التنفيذية، صلاحيات تشريعية وقضائية.
وردّاً على الإعلان الدستوري، أصدرت معظم القوى السياسية، بما فيها «مسد» الكيان التمثيلي الأكبر للسوريين الأكراد، والمرجعية الروحية لطائفة الموحدين الدروز، ومنظمات مجتمع ومدني، بيانات تطالب فيها السلطة الانتقالية العدول عن هذا الإعلان، لعدم تلبية مقتضيات الواقع الاجتماعي والسياسي السوري ولأنه لم يأتِ كنتيجة لحوار بين السلطة وممثلي القوى المجتمعية وهو من وجهة نظر كثيرين لا يسهم في رأب الصدع بين السوريين، بل يسهم في تكريس الانقسامات.
العقد الاجتماعي بالضرورة هو عقد تفاوضي قانوني، أساسه أن تناقش القوى الفاعلة مخاوفها ومصالحها، وأن تجد الصيغ الملائمة لمعالجة المخاوف وتحقيق المصالح ويضمن حياة سياسية ديمقراطية تشاركية، خصوصاً بعد سقوط الأنظمة الاستبدادية ومرحلة صراع داخلي مرير، كالذي مرّت به سوريا، كما أن فصل السلطات الحقيقي ليس ترفاً، أو وجهة نظر، في بناء الدول الحديثة، بل هو معيار قدرتها على منع تغوّل السلطة التنفيذية على التشريع والقضاء وعموم الحياة العامة، بالإضافة إلى أن طبيعة الدولة وهويتها في سوريا مسألة تحتاج إلى معالجة تأخذ بالحسبان التنوع السوري القومي والديني والمذهبي وغياب هذه المعالجة، ستكون نتيجته تنامي حالة عدم الرضا عن نظام الحكم السياسي الجديد، الذي قد يعني فشل تجربة المرحلة الانتقالية.

[email protected]