تحرير أمريكا.. أم خطوة للخلف؟

00:48 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. محمد السعيد إدريس

قبل ساعات معدودة من وقوف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمس الأول، في حديقة الورود بالبيت الأبيض ليطلق ما سمّاه «يوم تحرير أمريكا»، ويقصد يوم إعلانه لجوهر سياسته الاقتصادية القائمة على التوسع في سياسة فرض «الرسوم الجمركية» التي يفاخر بأنه سيطلقها على العالم، في موقف أمريكي صريح، تعلن فيه الولايات المتحدة «حرباً تجارية» على كل دول العالم الصديقة والعدوة للولايات المتحدة، كان السيناتور الديمقراطي الأمريكي كوري بوكر يقف في مجلس الشيوخ متحدثاً لعدة ساعات تعمدها لعرقلة عمل مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون كما يسيطرون أيضاً على مجلس النواب. متحدياً الرئيس الأمريكي وسياساته التي نفذها منذ عودته الثانية إلى البيت الأبيض متهماً إياه بأنه «ألحق كثيراً من الأذى، في 71 يوماً فقط، بأمن الأمريكيين، والاستقرار المالي، وأُسس الديمقراطية الأمريكية»، ومحذراً من أن «هذه ليست أوقاتاً اعتيادية في أمريكا، ولا يجب أن ينظر إليها مجلس الشيوخ على أنها كذلك».
ترامب الذي يؤمن أنه «من سيعيد لأمريكا عظمتها» وفق عنوان مشروعه الانتخابي، من دون أن يحدد أية معالم لها احترامها لمثل تلك «العظمة» التي يحلم بها، والذي يتعمد أن يضرب عرض الحائط بأهم ما يمكن أن تتباهي به الولايات المتحدة منذ تأسيسها الدستور والحريات الديمقراطية، واحترام التعددية، على النحو الذي أظهره بإعلان عزمه على أن يترشح للمرة الثالثة كرئيس للولايات المتحدة عام 2028 متحدياً النصوص الصريحة للدستور التي تمنع ذلك وتحصر الرئاسة لأي شخص أمريكي في ولايتين متتاليتين فقط أو متفرقتين، كان قد وقف أمام الكونغرس (2025/3/5) ليعلن: «أمريكا عادت» وأن الحلم الأمريكي «لا يمكن إيقافه»، فإلى أي مدى يمكن اعتبار ذلك حقيقياً وبالأخص على المستوى الداخلي الأمريكي.
هل يشعر الأمريكيون، بحق، أنهم في عصر الازدهار وعلو المكانة، أم أن أمريكا ستتحول إلى دولة تتحدى المواثيق والمنظمات الدولية، وتندفع نحو شن حرب على النظام العالمي الذي ظلت تدافع عنه لعقود طويلة، خاصة منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، ما يصعب أن تقود مشروعاً أمريكياً جديداً لبناء «دولة عظيمة»؟
الإجابات الأمريكية كثيرة عن هذا السؤال المهم، ونذكر بهذا الخصوص القراءة التحليلية للكاتب الأمريكي الشهير في صحيفة «نيويورك تايمز» (توماس فريدمان)، وما ورد على لسان السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز في تقييمه لسياسات ترامب، فضلاً عن الكثير من التعليقات بهذا الخصوص وبالتحديد ما يتعلق بمردود سياسة المغالاة في فرض الرسوم الجمركية على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الداخلية في الولايات المتحدة، وتفكيك روابط ومؤسسات الدولة عن طريق طرد الآلاف من العاملين في تلك المؤسسات، خاصة المخابرات والمباحث الفيدرالية والقضاء، وإلغاء وزارة التعليم وإغلاق «صوت أمريكا»، وضرب معظم ما كان محسوباً من مصادر «القوة الناعمة» الأمريكية التي تحدث عنها باستفاضة عالِم السياسة الأمريكي الشهير جوزيف ناي وغيره من علماء «السياسات المقارنة» في الولايات المتحدة.
السيناتور بيرني ساندرز يقول إن الرئيس دونالد ترامب «يجمع مزيداً من السلطة في قبضته ويسيطر على الكونغرس، ويتحدى المحاكم بطريقة لم يسبق لها مثيل»، .
أما الكاتب توماس فريدمان فقد كتب في عموده الأسبوعي بصحيفة «نيويورك تايمز» أن «الانهيار العظيم لأمريكا يمضي على قدم وساق».
في هذا التحليل كتب فريدمان بشكل نقدي عن توقعاته بحدوث «انهيار أمريكي كبير» بسبب سياسات مجموعة ترامب الحاكمة غير المؤهلة والتي لا ترتكز على سند يخول لها سلطتها غير «ولائها الشديد لشخص ترامب»، حيث يرى أن سياسات ترامب «تفتقر إلى التماسك، بل إنها مدفوعة بمظالم شخصية، وسعي للانتقام وعقلية الولاء السائد بين أفراد إدارته». واستخلص في هذا التحليل أن «ترامب وحده، دون أي شخص آخر، من يتحمل الأخطاء التي ترتكبها إدارته في شتى القضايا من التعامل مع أوكرانيا والرسوم الجمركية والرقائق الإلكترونية وغير ذلك». ومرد ذلك، يرجع، حسب فريدمان، إلى أن ترامب «لم تكن لديه رؤية متماسكة لمجريات الأمور في عالم اليوم، وكيفية توافق أمريكا معها على أفضل وجه حتى يتحقق الازدهار المنشود في القرن الحالي».
الاستخلاص الأخير تحدث عنه باستفاضة في صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية جدعون راشمان تحت عنوان «كيف يمكن لترامب أن يدمر حركته السياسية»، معتبراً أن «ما يريده ترامب يمكن أن يكون مدمراً جداً لأمريكا»، على نحو ما هو متوقع من فرض سياسة رفع الرسوم الجمركية التي ستحقق انتكاسات داخلية هائلة مثل الركود الاقتصادي وارتفاع التضخم وانهيار أسواق الأسهم على غير ما يأمل ترامب، من إطلاق ل «تحرير أمريكا».

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"