وهم النجاح اليومي

00:05 صباحا
قراءة دقيقتين

مواقع التواصل الاجتماعي أحدثت الكثير من التغييرات في حياة الكثير من الناس، كما أنها غيرت مفاهيم. هي لم تمارس إقصاء لأية قيمة، ولا حكمت على أي مبادئ بالإلغاء، لكن في جوهرها وآلية عملها، كان من الضروري أن تستحدث الكثير من الخطوات والممارسات الخاصة بها، أو التي تحمل بصمتها. ونظراً لمستخدميها الذين يعدون بمئات الملايين من الناس، كان من البديهي أن تنتقل مفاهيمها وآلياتها لتكون جزءاً من التفكير المجتمعي للكثير من الناس.
على سبيل المثال، التميز على مواقع التواصل الاجتماعي يعني أن تكون ناجحاً بشكل يومي، وهذا يعني أن تكون مرئياً بشكل متكرر، وإذا فعلت هذا تدخل نحو ما يسمى بالنجاح الأدائي، ولأنه يومي، ستكون محتاجاً لإعادة وتكرار وتدوير نجاحاتك، أو إيجاد إنجازات صغيرة جداً، ثم تضخيمها لتبدو وكأنها منجزات كبيرة. هناك حقيقة معروفة عن الإبداع الصحيح، وهي أنه يحتاج إلى فترات من الصمت، حتى ينمو بشكل طبيعي، ويعبر عن نفسه بنفسه، دون الحاجة للتضخيم. في اللحظة نفسها نعرف جميعنا أن النجاحات الكبرى والمنجزات اللافتة لا تتحقق، ولا تبنى في 24 ساعة، بل تحتاج إلى التخطيط والعمل والمتابعة، وهذه تستهلك الوقت والجهد، حتى تصبح واقعاً مشاهداً.
أما النجاح الرقمي، إذا صحت الكلمة، فهو عبارة عن مكافأة متواضعة فورية، لكن المشكلة أن العقل قد يعتاد عليها، وعلى طبيعتها المتعلقة بالنتائج السريعة، فتصبح جزءاً من التوجه، ومنهجاً في آلية العمل. على الضفة الأخرى يظهر ما يسمى بالوهم الرقمي، والذي بسببه نشعر بالإحباط إن مر يوم أو يومان ولم نر تصفيقاً إلكترونياً: «لايك»، «إعجاب»، متابعة، تعليق إلخ.
أعتقد أننا نعيش في لحظة زمنية، نشهد فيها تغير مفهوم النجاح نفسه، من كونه وصولاً للهدف، إلى كونه استعراضاً يومياً، يستنزف الطاقة الذهنية التي يجب أن تستغل في ما هو أهم وتوجّه نحو المنجزات الحقيقية التي تحدث فرقاً في الحياة. ومع هذا توجد عادات يومية يمكنك معها الاستفادة من مواقع التواصل الاجتماعي وتوظيفها لخدمتك، من الممكن أن تعد منجزات تدفع بك نحو النجاح الأكبر، أو تمهد لك الطريق نحو الأفضل في المستقبل القريب، مثل تطوير عادة القراءة والكتابة، تحقيق الانضباط والدقة في إنجاز المهام الصغيرة، والتدرب على المحافظة على التوازن النفسي، التعلم على البرمجة والعلوم الحديثة.
ليس إنجازاً أن يتابعك المئات ولا الآلاف، ولا أن تصور يومياتك التي هي عابرة ولا تعني أحداً، المنجزات الحقيقية هي تلك التي تبقى، والتي لا يقدر ولا يستطيع أن يقدمها إلا قلة من الناس.
[email protected]

عن الكاتب

مؤلفة وكاتبة وناشرة، قدمت لمكتبة الطفل عدة قصص، وفي أدب الكبار أنجزت عدة روايات وقصص قصيرة، ونصوص نثرية. حازت على عدة جوائز أدبية.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"