بموجب هذا الاتفاق، الذي تم التوصل إليه بين مستشار الأمن القومي في كوريا الجنوبية كيم كوان جين والمسؤول السياسي الأعلى في الجيش الكوري الشمالي هوانغ بيونغ سو، وافقت سيول على إسكات مكبرات الصوت التي كانت تبث بأقصى طاقتها رسائل دعائية مضادة للنظام الحاكم في كوريا الشمالية عبر الحدود، فيما أعربت بيونغ يانغ عن «الأسف» لانفجار ألغام مضادة في المنطقة الحدودية منزوعة السلاح، ما أدى إلى بتر أطراف جنديين كوريين جنوبيين.
كما نص الاتفاق، من ناحية أخرى، على موافقة كوريا الشمالية على إنهاء «حالة الحرب» التي أعلنتها في وقت سابق من شهر أغسطس/آب الماضي على الحدود في شبه الجزيرة الكورية المقسمة. كما اتفق الجانبان أيضاً على عقد مباحثات بين كبار المسؤولين لتعزيز العلاقات الثنائية في أقرب وقت ممكن، وعلى استئناف عملية جمع شمل العائلات التي فرقتها الحرب الكورية (1950 - 1953)، اعتباراً من شهر سبتمبر/أيلول الجاري.
وفي سياق متصل، أشار عدد من مسؤولي كوريا الجنوبية إلى أن بلادهم، بعد الاتفاق الأخير مع الجار الشمالي، تعتزم مناقشة طلب بيونغ يانغ رفع العقوبات التي فرضت عليها بعد الهجوم البحري الذي شنته القوات البحرية لكوريا الشمالية عام 2010 بطوربيد على سفينة تابعة لبحرية كوريا الجنوبية مما أسفر عن مقتل 46 بحاراً.
وكانت الأوضاع في شبه الجزيرة الكورية قد وصلت إلى «مرحلة الغليان» في الأيام الأخيرة بعد أن تصاعدت سخونة التوتر بين الجارين الكوريين. حيث أعلنت بيونغ يانغ، خلال اجتماع طارئ للجنة العسكرية المركزية، «حالة الحرب» على سيول. كما وضعت القوات الكورية الجنوبية نفسها في حالة تأهب، محذرة الجيش الكوري الشمالي من القيام بأي «عمل متهور» أو أي «استفزاز جديد». وقد بدأت بوادر هذا التوتر في يوم 4 أغسطس الماضي، عندما أصيب جنديان كوريان جنوبيان بجروح أدت إلى بتر أطرافهما في انفجار ألغام مضادة للأفراد، وهو الحادث الذي اتهمت سيول بيونغ يانغ صراحة وعلانية بالضلوع فيه عن طريق زرع ألغام أرضية داخل المنطقة الحدودية المنزوعة السلاح. حيث أكد الجيش الكوري الجنوبي وجود أدلة على أن جنوداً من كوريا الشمالية عبروا خط الحدود العسكري في الآونة الأخيرة ليزرعوا هذه الألغام، ما يمثل انتهاكاً غير مبرر لاتفاقية الهدنة التي أنهت الحرب الكورية بين عامي 1950 و1953. وفي ضوء ذلك، هدد الجيش الكوري الجنوبي كوريا الشمالية بدفع «الثمن غاليا»، ما لم يتم تقديم اعتذار على هذا الحادث ومعاقبة المسؤولين عنه. وعندما رفضت بيونغ يانغ هذا الاتهام ونفت أن يكون لها أدنى دور في الحادث المذكور، قررت سيول إعادة تشغيل مكبرات صوت على الحدود بين الكوريتين، لبث الدعاية المناهضة للدكتاتورية والفساد والتخلف في كوريا الشمالية، وذلك بعد 11 عاما من توقف هذه المكبرات عن العمل في عام 2004. وفي مواجهة هذا التصعيد، وجهت بيونغ يانغ إنذاراً لسيول بضرورة إنهاء هذه «الحرب النفسية» على الفور، وإلا تعرضت لعمليات انتقامية عسكرية «لنسف كل وسائل الحرب النفسية ضد كوريا الشمالية على امتداد الحدود».
وقد تزامنت هذه الأوضاع المتفجرة بين الكوريتين مع استعداد القوات الأمريكية والكورية الجنوبية لبدء مناورات مشتركة سنوية، يطلق عليها اسم «أولشي فريدوم»، ويشارك فيها عشرات الآلاف من الجنود الكوريين الجنوبيين والأمريكيين. وهو ما زاد من سخونة الأحداث. حيث أدانت بيونغ يانغ بشدة هذه المناورات واصفة إياها بأنها «تدريب على اجتياح أراضيها واستفزاز لها واستعداد للحرب»، بل وطلبت كوريا الشمالية من مجلس الأمن الدولي رسمياً عقد اجتماع طارئ، لبحث هذه المناورات، مشيرة إلى أن تجاهل المجلس لهذا الطلب سيثبت تخليه عن مهمته الرئيسية في ضمان السلام والأمن في العالم، وتحوله إلى «أداة سياسية» في يد الولايات المتحدة.
على أي حال، أدى الاتفاق الأخير بين الكوريتين إلى تخفيف حالة التأهب القصوى في المنطقة الحدودية بين البلدين لتعود إلى مستوى وقت السلم. إلا أن كثيراً من المراقبين يتوقعون عودة التوتر وإمكانية الصراع المسلح مرة أخرى في أي وقت، خاصة وأن الكوريتين لا تزالان في حالة حرب من الناحية الرسمية، إذ انتهت الحرب بينهما عام 1953 بعقد هدنة وليس بإبرام معاهدة سلام. ويضيف هؤلاء بالقول إن هذه الهدنة ستظل على «كف عفريت»، طالما استمر تجاهل كوريا الجنوبية، ومن ورائها الولايات المتحدة والقوى الكبرى في العالم، لمطالب كوريا الشمالية برفع العقوبات الاقتصادية أو الحصار الدبلوماسي المفروض عليها بسبب برامجها النووية والصاروخية. فعلى الأرجح، وفقا لهذا الرأي، أن يستمر قادة بيونغ يانغ في تطبيق سياسة حافة الهاوية من وقت لآخر، من أجل جذب الانتباه إلى أوضاعهم المعيشية الصعبة نتيجة العقوبات المفروضة عليهم. فهذه السياسة، ربما تكون هي الأداة الوحيدة المتبقية في يد زعيم كوريا الشمالية الشاب من أجل تعزيز قبضته على السلطة والجيش والحزب.
وفي هذا السياق، يتوقع كثير من المتابعين أن تجري بيونغ يانغ تجربة جديدة لصاروخ متوسط أو بعيد المدى خلال احتفالات الذكرى السبعين لتأسيس الحزب الحاكم في البلاد في 10 أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن المهمة الملقاة على عاتق العالم والمجتمع الدولي في التعامل مع طبول الحرب التي تدق من مدة لأخرى في شبه الجزيرة الكورية أصبحت صعبة للغاية، في ظل الفقر والتخلف والعزلة التي يعانيها الكوريون الشماليون في ظل نظام حاكم يسعى إلى الاستمرار بكافة السبل الممكنة في السلطة، وفي ظل تعنت وصلف شديدين من جانب الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان في التعامل مع بيونغ يانغ. ولذلك، ربما يكون من الحكمة عدم وضع النظام الحاكم في كوريا الشمالية في الزاوية طوال الوقت، حتى لا يترتب على ذلك استمراره في ممارسة سياسة حافة الهاوية، خاصة وأن تجاهل كوريا الشمالية لم يعد مقبولاً أو واقعياً بعد الاختبارات النووية والصاروخية التي أجرتها مؤخرا. ومن هنا، يؤكد عدد من الخبراء ضرورة استئناف المحادثات السداسية الرامية إلى التوصل إلى اتفاق بشأن البرامج النووية والصاروخية لدى كوريا الشمالية في أقرب وقت ممكن للوصول إلى «صفقة ما» على غرار «الصفقة الإيرانية».
كما أنه من الضروري أيضا الاهتمام بتشجيع الإصلاح الداخلي في كوريا الشمالية لأنه يبدو أكثر فعالية من الضغوط الخارجية في التأثير في سلوك النظام الحالي، على أن يتم ذلك بطرق لا تثير مخاوف هذا النظام من تدميره بوسائل غير مباشرة. والواقع أن اقتراح رئيسة كوريا الجنوبية بارك جيون هاي بتقديم المساعدات الإنسانية إلى كوريا الشمالية - على الرغم من ارتفاع حدة التوترات مؤخراً- يشكل بداية في هذا الاتجاه الصحيح. حيث إن تحسين الأحوال المعيشية للكوريين الشماليين العاديين لا يقل أهمية عن أمن جيران كوريا الشمالية، والأمر يتطلب نهجاً شاملاً يركز على البعد الإنساني بقدر ما يركز على البعد الأمني. ويبقى لنا أن نرى ما إذا كان هذا النهج سوف يتطلب من التبصر والشجاعة قدراً أعظم من ذلك الذي قد يتمكن من حشده الزعماء السياسيون اليوم في كوريا الجنوبية، والولايات المتحدة، والصين، وروسيا، واليابان. فالفشل في تحقيق ذلك سوف يؤدي إلى انهيار الثقة بين كوريا الشمالية والعالم، وهو الأمر الذي من شأنه جعل الأمن والاستقرار في منطقة شبه الجزيرة الكورية وشرق آسيا -على حد سواء- موضع شك إلى حد كبير في الفترة المقبلة.
د. أحمد قنديل
*خبير الشؤون الآسيوية والدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية