بعد الحصة الثالثة في الأغلب يدق جرس الفسحة، وقد كانت من عناصر الاستراحة ومتعة الفسحة ثلاثة أشياء لا غنى لنا عنها، أغاني أم كلثوم وعبدالوهاب، والوجبة التي كانت عبارة عن سندويشات الفلافل وزجاجة المياه الغازية، ومن ثم كرة القدم في ساحة المدرسة، لذا فمع اندفاع الطلاب إلى #187;الكنتين#171; للحصول على السندويش لم يكن يتطلب الأمر من المهارة في اللغة العربية ولا التشدق والفيقهة فيها، بل اندفاع سريع ومزاحمة، لكنه حتى إذا عدنا بعد الفسحة إلى حصة اللغة العربية بدأت المشكلة وتفيقه أستاذ اللغة العربية، وأخذ كل متعة السندويش في الشاطر والمشطور والفاعل والمفعول ما لا يتناسب، وأجواء الحر والفسحة ولا مقام المنهج الطويل، إن عجزنا عن تعلم اللغة العربية ليس لأنها لا تصلح لما نحتاجه في كتابة طلب إلى مؤسسة الهواتف، أو مسوغات التعليم التي نحرص على حشوها باللغات الحية والميتة من أجل نيل شرف الوظيفة، ولا حتى في إبراز ثقافة وسيرة الدراسة في جامعة أو كلية ليس لها إلا من أداء إلا تحويل المعدول إلى مقلوب، وإنما لغياب الممارسة الفعلية للغة العربية في اليوم الدراسي والحياة اليومية بالمستوى السهل الذي يعين على استخدامها، وإلا ما معنى لغة إنجليزية للمملكة المتحدة ولغة إنجليزية للولايات المتحدة التي تواجه الكثير منا عند التعامل مع الحاسب الآلي، سوى أن هناك تجاوزاً وتبسيطاً لكثير من القواعد ومرونة في التعاطي مع لغة تطورت لظروف عملية، فالمواد الأخرى تتطلب حضوراً لغير العربية، ورموزاً تكتب بلغات غير عربية استقرت زمناً وأصبحت في إطار عالمي .
لذا فإن تبني قضايا المعرفة والعلوم والحوسبة، لن يهتم بالضرورة باللغة العربية ولا يجعل لها مجالاً أو مساحة للنمو، ما أقصده أننا لا نتعامل بثقة مع لغتنا العربية بالشكل الذي يلزم، مثلاً شركات الحاسب التي تروج للملكية الفكرية أن تهتم بوضع اللغة العربية ضمن موضع أساسي وجعل قضايا تعريب مواد وبرامج الحاسب أساساً في قبول الخدمة، أضف إلى ذلك أحقية المنطقة العربية في الأجهزة التي تسوق فيها أن تكون داعمة للعربية، لا أن تحظى بشعبية وتسويق عال من دون أن تدعم حتى اللغة العربية وتقدمها بأحرف متقطعة وأشكال غربية، فضلاً عن كثير من الأمور التقنية المتعلقة بدعم البرمجيات العربية، ومنحها الفرصة ذاتها من الحماية الفكرية وفرص التسويق، إن مستصغر الشرر الذي تكون في شبكات التواصل الاجتماعي وأجهزة التراسل وجد بيئة داعمة في غياب دعم اللغة تقنياً وفنياً، كما وجده في تغريب التعليم الأساسي الخاص الذي يمكن من كل شيء إلا العربية .
سيقل الاعتماد على العربية لأننا نعولم باستمرار، ولا نحتاج لأن نذكر تخصيص دول لوزراء يروجون للغاتها وتجمعات دولية تدعم ثقافة دول تقوم على لغات، أو مراكز تقوم بتعليم اللغة في دول أخرى، فالعولمة لا تعني أننا نستقبل فقط ما يقدمه الآخرون، فمنشأ الفكرة أننا نثق أو لا نثق في مقدرة اللغة على الصمود في ظل معطيات جديدة، تدفعنا إلى تعليم اللغة العربية للناطقين، وغير الناطقين بها خارج إطار التعليم الممنهج .