ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يحرص أشد الحرص على نشر الشعور بالسعادة بين المسلمين في كل وقت، فالمسلم الحق مبتهج متفائل راغب في الحياة، يعلم أن النفوس المبتهجة والوجوه المبتسمة، والقلوب العامرة بالطمأنينة والرضا، هي التي تعيش الحياة الطيبة التي يريدها الإسلام لكل من يؤمن به.
يقول د. مبروك عطية، الأستاذ بجامعة الأزهر والداعية المعروف: لقد حرص رسول، صلى الله عليه وسلم، من خلال توجيهاته الكريمة على نشر الابتسامة على وجوه الناس، ومحاربة التجهم والعبوس الذي يعتقد بعضهم أنه من لوازم التقوى، والرسول عندما يفعل ذلك يستهدف إقامة مجتمع مستقر، متعاون متحاب متآلف تتحقق بين أفراده كل معاني التعارف التي نصت عليها الآية القرآنية الكريمة: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا»..
وهذا التعارف والتآلف والتعاون لا يمكن أن يحدث بين أفراد متجهمين عابسين ليس لديهم استعداد لتقبل بعضهم بعضاً.. لكن هذا التعاون والتآلف والانسجام يحدث بين الأشخاص الذين يتحلون بالتسامح والمودة والرحمة في سلوكهم، والذين يتعاملون مع الآخرين باحترام، وعلى وجوههم ابتسامة رقيقة تعبر عما بداخلهم من رغبة في تقبل الآخر، واستعداد للترحيب به والتعامل معه.. كما تؤكد إقبالهم على الحياة بروح طيبة، ونفوس تملؤها السعادة.
سلوك نبوي
ويضيف: لقد كانت البشاشة سلوكاً نبوياً لأنه، صلى الله عليه وسلم، يعلم أنها رسول المودة والمحبة والتعاون والتآلف بين الناس.. فكان يستقبل من يقدم عليه بترحاب شديد، وبوجه مبتسم، وكان يستعد للوفود بأجمل ما لديه من ثياب، ويتجمل قبل لقائهم، وكل هذه مظاهر بهجة ينبغي أن يتحلى بها المسلم أسوة برسول، الله صلى الله عليه وسلم.
وهنا يؤكد د. مبروك أن الروح المتفائلة التي نتعلمها من سلوك رسول الله وتوجيهاته تدفع المسلم إلى حسن استقبال الآخرين، وحسن التعامل معهم، والابتسامة التي يقابل بها المسلم من يتعاملون معه من شأنها أن تفتح كل الأبواب المغلقة، وأن تزيل كل الرواسب من النفوس، وتهيئ الجميع للتعارف المأمول والتجاوب المنشود.. أما إذا حل العبوس والتجهم محل الابتسام فإن ذلك يغلق كل فرص التجاوب، ولذلك وجدنا النبي، صلى الله عليه وسلم، يحثنا على الابتسام والبشاشة في وجوه الآخرين، لما لذلك من أثر بالغ الأهمية في النفوس، وتبسم المسلم في وجه أخيه صدقة كما جاء في حديث شريف، ومن أقواله الشريفة: «لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» أي بوجه بشوش.
البشاشة.. صحة نفسية
أستاذ الطب النفسي، د. يسري عبد المحسن، يؤكد أن البشاشة التي حثنا عليها رسول، الله صلى الله عليه وسلم، علامة على «الصحة النفسية» وهي تجسد كل قيم الذوق والأدب والاحترام للآخرين.. وذلك على عكس التجهم والعبوس الذي يشير إلى احتقار الآخرين والنفور منهم، وهذا السلوك الأخير يقطع العلاقة بين الناس ويوترهم ويدفعهم إلى مبادلة من يتعامل معهم بجفاء وقسوة وعبوس، وهذا يؤدي إلى توتر العلاقات، وقطع الصلات بين الناس.
من هنا ينصح أستاذ الصحة النفسية بجامعة القاهرة بضرورة الحرص على الابتسامة، لأنها تريح صاحبها وتبعث في نفسه الثقة والطمأنينة أكثر مما تريح من يقابل بها من الناس، ولذلك فإن مردودها النفسي الإيجابي يكون على الطرفين معاً، فالإنسان العابس المتجهم إنسان معقد نفسياً منطو على نفسه، يعيش حياة صعبة مع كل المحيطين به، غير مقبول من الجميع، ولذلك لا يثق فيه أحد، ولا يطمئن إليه حتى أقرب المقربين منه.. لأن ثقته في نفسه مهتزة، وبالتالي لابد أن تكون ثقة الآخرين به أكثر اهتزازاً.
.. وثقة بالنفس
ويضيف: إذا كانت الابتسامة أو البشاشة تؤكد الثقة بالنفس، كما يقول أطباء النفس، فإن الآداب والأخلاقيات التي ترسم شخصية الإنسان المسلم تدفعه إلى أن يكون دائماً واثقاً من نفسه معتزاً بشخصيته، لديه القدرة على كسب ود واحترام الآخرين، وهذا لن يتحقق بالعبوس والتجهم وتصنع الجدية كما يفعل بعضهم، فهذه الجدية المصطنعة تلقي بظلال قاتمة على شخصية الإنسان وتنفر منه الآخرين.. والرسول من خلال قيم الرحمة والتسامح والعفو يحث المسلم دائماً على إحسان التعامل مع الآخرين، وإلى التحلي بالابتسامة المهذبة التي لا تكلفنا شيئاً، ولكن لها أثرها الكبير على الآخرين وحتى لو اختلفنا معهم، ولم نقض لهم مطالبهم فيكفي أننا قابلناهم بابتسامة وأحسنا التعامل معهم، وهذا في حد ذاته يحقق لهم جانباً من الرضا النفسي.
ولذلك يعيب د. عبد المحسن سلوك هؤلاء المتشددين الذين فرضوا على أنفسهم وأهليهم حياة الصرامة والكآبة.. ويقول: لا أعتقد أن الالتزام الديني يفرض عليهم العيش دائماً في الهموم والأحزان، والتفكير الدائم في الواقع المؤلم الذي تعيشه الأمة، والسخط على كل ما يرونه من خروج على منهج الله، أو تجاوزات سلوكية وأخلاقية لدى الآخرين.
ويقول: الإسلام الذي نعرفه من العلماء الوسطيين لا يريد من المسلم أن يعيش دائماً في الأحزان والهموم ولا أن يعتزل البشاشة ويستبدلها بالتجهم وعلامات الحزن بسبب آلامه وأحزانه وما يحيط به من تجاوزات أو مخالفات لمنهج الله.. بل يفرض الإسلام على كل أتباعه أن يعيشوا حياتهم بحلوها ومرها.. أن يبتسموا ويضحكوا ويدخلوا الفرح والسرور على أنفسهم ونفوس أولادهم وكل المحيطين بهم.. كما يحزنوا ويألموا لما يشاهدونه من مآس وحروب وإهدار لنعم الله.
الرسول المبتهج
سلوك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ووصاياه تؤكد جميعها أنه كان نموذجاً في توازن المسلم واعتداله في كل أمر من أموره، فهو لم يكن يحزن بلا داع للحزن، وقد جعل، صلى الله عليه وسلم، الحداد على الميت لا يزيد على ثلاثة أيام، وهو، صلى الله عليه وسلم، القائل: «ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية»، بل عد بعض أهل العلم ذلك من كبائر الذنوب، لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، تبرأ من فاعله.
وقد انتهج صحابته الكرام نهج رسول الله فكانوا لا يحزنون إلا لو كان هناك ما يستدعي الحزن، وعاشوا حياتهم مبتهجين مقبلين على الحياة، لأنهم تعلموا في مدرسة رسول الإنسانية، صلى الله عليه وسلم.. وفلاسفة الإسلام الكبار من أمثال الفارابي وابن مسكويه والغزالي قد تبنوا بعض النظريات الخاصة بالهدف الأخير من الأخلاق وهو (السعادة) باعتبارها الغاية الأسمى التي يسعى الناس جميعاً إلى بلوغها ويطلبونها لذاتها.. وعالم الأخلاق الكبير ابن حزم جاء في كتابه (الأخلاق والسير) بنظرية جديدة حول غاية الأخلاق، حيث يحددها في مصطلح جديد وهو «طرد الهم» ويؤكد أنه قد توصل بخبرته الطويلة وتجاربه إلى أن هذا الغرض قد يصلح لأن يكون هدفاً أسمى للحياة الأخلاقية.
والمسلم- كما يقول د. محمد الأحمدي أبو النور عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر- مطالب بطرد الهم.. مطالب أن يعيش حياته متوازناً، لا يتصنع الجدية، ولا يصادر حق جسده في الراحة، وحق نفسه في البهجة والسعادة.
ويضيف: لقد علمنا رسولنا الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، أنه ليس من الدين أن يحيط المسلم نفسه بالهموم والأحزان ويفرض على نفسه حياة جافة كئيبة.. لقد فهم بعضهم أن الالتزام الديني يفرض على المسلم أن يكون جاداً عابساً، لا يبتسم في وجوه الآخرين، صارماً حازماً، وهؤلاء مخطئون وواهمون.
إساءة إلى الدين
والغريب والعجيب أن بعضهم يفعل ذلك ظناً منه أنه من قبيل تقوى الله والوقار المصاحب لذلك.. والواقع أنهم بهذا التجهم والعبوس لا يسيئون فقط إلى دينهم الذي ترفض تعاليمه وآدابه هذا التجهم والعبوس، ولكنهم يسيئون إلى أنفسهم، حيث ينفر الناس منهم.. كما يسيئون إلى الآخرين لأن مجرد رؤيتهم للوجه العابس المتجهم تصيبهم بشيء من الكآبة، يعكر عليهم صفو يومهم ويصدهم عن العمل ويصرفهم عنه.. وربما تسري عدوى هذا العبوس إليهم فيتعاملون مع الآخرين على هذا النحو السلبي الذي يقطع أوصال العلاقات بين الناس، ويؤثر سلباً على المجتمع بأسره.
ويضيف: لم يعرف عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه كان عابساً متجهماً، بل على العكس من ذلك.. فالأحاديث التي يرويها أصحابه عنه، صلى الله عليه وسلم، تؤكد أنه كان يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم، وكان لا يواجه أحداً في وجهه بشيء يكرهه، وكان دائم البشر سهل الخلق، لين الجانب.. يقول أنس بن مالك: «خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما عبس في وجهى أبداً».. وتروي السيدة عائشة أنه، صلى الله عليه وسلم، كان في بيته ألين الناس، بساماً ضحاكاً وكان يحنو على الكبير والصغير، وقد رآه أحد الصحابة (الأقرع بن حابس) يقبل الحسين فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً فنظر إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال «من لا يرحم لا يرحم».. ويروي عنه أبو الدرداء أنه لم يكن يحدث حديثاً إلا تبسم.. ووصف أبو إمامة رضي الله عنه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بأنه «كان من أضحك الناس وأطيبهم نفساً».
من هنا فواجب المسلم أن يتأسى برسول الله، وأن يعمل قدر استطاعته على نشر الابتسامة المهذبة على وجوه كل من يتعامل معهم، وأن يقاوم حالة الكآبة والحزن والإحباط التي تسيطر على بعضهم والتي تعوقهم عن العمل والإنتاج، وتضاعف من معاناتهم الاجتماعية والنفسية.
على المسلم أن يبذل كل جهده لإعادة البشاشة التي تضفي جواً من المرح والبهجة والأمل في مستقبل أفضل، خاصة أن الدراسات النفسية والاجتماعية تؤكد زيادة حدة الأمراض النفسية التي تصيب المسلمين من كل الأعمار، وهذا نتيجة طبيعية لمعاناتهم النفسية.
على المسلم أن يدرك أنه ينتمي لدين كله بهجة وسعادة، وهو لا يقف في طريق اللهو النظيف الهادف، ولا يصادر حق الإنسان في الترويح عن نفسه، بل على العكس من ذلك هو دائماً يحث على تحقيق التوازن بين مطالب الروح ومطالب الجسد.. التوازن بين الجد والاستقامة واللهو والترويح، فلا ينبغي أن يطغى جانب على آخر.. فالإنسان بشر وله حاجات، ولهذا يتعب كما يتعب البشر، ويمل كما يمل البشر، ومن حقه أن يستريح إذا تعب، وأن يروح عن نفسه إذا مل، وأن ينوع حياته بين الجد واللهو، حتى يستطيع أن يواصل حياته.