مع نهاية كل عام دراسي، يتقدم التلامذة الأطفال عاماً آخر في مسيرة حياتهم التعليمية، إنهم البذرة التي تنمو، وتزداد نمواً كلما رويت بماء المعرفة، وتمّ توجيهها نحو الاتجاه الصحيح . فهنا نتنبه إلى أهمية العلم، وإلى جدوى الأسلوب الأسلم والأحدث، الذي يقود الطفولة نحو الحياة الحقيقية المنتجة.
الاستاذ هو المعمار الروحي وهو الذي يخلق ويجهز المناخ الملائم لتكوين الأرضية الصلبة، التي يجب أن يقف عليها الطفل، وهو يتكوّن كي ينتقل إلى أرضية أخرى، أكثر صلابة، وأقدر على نمو بذرة الإبداع الطفولية، قوامها ذلك المثلث الذهبي الذي تتكون أضلاعه من:
أولاً: رغبة الطفل في أن يكون أحسن مما هو كائن . وهي رغبة يراها أغلب الباحثين بأمور تربية مواهب الأطفال، موجودة لدى الطفل بشكل غريزي ومعمق .
ثانياً: مستوى الكادر التعليمي الذي يشتغل نفسياً وواقعياً بحالة النمو الأبدي عند التلميذ الطفل، وهنا يجب أن نفتش عن اندفاعة هذا المعلم قبل أن نسأل عن الجوانب الوظائفية الأخرى .
ثالثاً: الأسلوب الجماعي الحيّ في الإنتاج لدى الأطفال، لأن الطفل هو أكثر الكائنات الاجتماعية ميلاً للآخرين .
إن تحقق هذه الامور عند كادر مثقف ومدرسة ذات رسالة تربوية راقية، سوف يمنحنا نتائج خارقة، وغير متوقعة، على مستوى الحصاد الذي سوف نجنيه في نهاية الرحلة الاختبارية المدرسية للعام الدراسي .
أما تصنيف النتاج الإبداعي حسب مستويات العمر والدراسة، فإنها سوف تجبرنا على أن نبدأ في عمر الخامسة، حيث سنرى ما أنتجه كل من مالك وجاد فتح الله، وكِندا وسعيد وغيرهم، من الجوقة الذكية التي جالت على محترفات الفنانين اللبنانيين الكبار، والتي رأت أولاً كيف يرسم الفنان مواضيعه، وكيف ينفذ لوحته ويلوّنها، ثم عادت إلى مدرستها لكي تنفذ أعمالاً فنية مشابهة لما رأت . والغريب أن الأعمال التي أنجزها هؤلاء التلامذة وهم في سن الخامسة، تشير إلى موهبة كبيرة، ومقدرة على التقليد والصياغة . فلقد أنشأ كل واحد من هؤلاء الفنانين رسماً ثلاثي التركيب، يتكوّن من صورة بورتريه هي في الغالب تمثل وجهه، أو تشرح حالته المأخوذة بما يرسم، ثم عمد الطفل إلى رسم البحر داخل مربع أطرهُ بأزياح متحرّكة . وهنا نكتشف الموهبة، إذ سنرى بحراً يمثل عبر طريقة تأليفه وتلوينه، حالة شخصية تستمد مقوّمات حضورها وتكونها من شخصية الطفل . فهناك البحر المتلاطم عند الطفل سعيد، وهناك البحر الحيّ الذي في قعره شبه سمكة كإشارة للحياة، وهناك البحر المتكوّن من عدة ضربات لونية زرقاء متراكمة فوق بعضها بعضاً . في ما شجرة البرتقال التي تنتصب على يمين المسطح التصويري، تأخذ قامتها وجمالها المثمر من خلال التوازن العام لمفردات العمل .
طفل في الخامسة، يخلق توازناً مدروساً بين مفردات لوحته التي تطفح بالإسقاطات التعبيرية الذاتية، لأنه سعى لأن يجعل من المساحة قطعة من الحياة والمشاعر .
كان بيكاسو يقول: في داخل كل فنان كبير طفل مندهش بعالم الرسم لكن خوان ميرو كان يقلب مقولة بيكاسو ويقول: في كل طفل فنان مدهش .
ويتناول طلاب الصف الثاني الابتدائي موضوع المهرج في السيرك، وهنا نرى الإبداع حيث يقدم أبناء الصفوف الابتدائية من الثاني إلى السادس، أي إلى عمر 11 سنة، أعمالاً فنية كاملة حيث العلاقة بين الصورة الخاصة بالمهرج، والحركة الإلزامية له ضمن وضعه التهريجي، تدفع بالألوان المتصادمة لأن تتفجر، وتحيل الصياغة العامة للشكل إلى مجموعة من المفاجآت التأليفية . فتكمل كل لوحة زميلتها، حتى تتحول المجموعة إلى لغة مشتركة ذات نظام موحد يشير إلى موضوع المهرّج بوصفه الجزء الأساس من عالم مدهش يندمج فيه الأطفال، ونقصد به عالم السيرك .
إن بعض التلاميذ من عمر العاشرة حتى عمر الثانية عشرة تناولوا موضوعات أكثر تعقيداً، وذلك عندما قدمت لهم أستاذتهم المشرفة على مشاريع الفن والتشكيل، كتاباً اسمه (موسيقيو بريمن)، وهو كتاب يروي قصة طحان قاسٍ يعيش في قرية قرب مدينة (بريمن) بألمانيا، وكان هذا الطحان يمتلك حماراً يجبره كل يوم على نقل أكياس ثقيلة من الحبوب إلى الطاحونة، وقد نشب الخلاف بين الطحان وحماره، فقرر الحمار الانفصال والذهاب إلى مدينة بريمن لكي ينضم إلى جوقة المدينة الموسيقية . وفي الطريق يتعارف الحمار إلى مجموعة من الحيوانات وتبدأ مغامرتهم . لقد رسم الأطفال هذا الموضوع بمقدرة تلوينية حساسة، بحيث رأينا أن الألوان تكاد تتحول من وضع إلى وضع . وهنا ندرك عمق التفاعل بين الأطفال وحالة (الإنشاء التصويري) الذي يتطلب مدركين متكاملين، أحدهما عقلي وثانيهما حسي .
ولكن لو ذهبنا صوب الأعمال التركيبية التي نجح التلامذة في إنجازها، فإننا سوف نرى جهداً جماعياً يصل ذروة النجاح، عندما ينجز جدرانيات متكاملة، مكوّنة من حالة تدوير للعديد من المواد المستعملة سابقاً . وهنا نكتشف اتجاهاً تأسيسياً جديداً، ينفذه الأطفال ويستعرضونه على اجسادهم، وذلك من خلال عرض الازياء المميز بالملابس المفصلة من بقايا المواد المستعملة . كعلب الكارتون، أو القناني الملوّنة، أو أسطوانات (السي دي) التي أعيد تلوينها بذكاء وجمال . إنه مهرجان إعادة إحياء وتدوير نفاياتنا، قبل أن تتحول إلى مزبلة، وبعد أن نكون قد عقمنا البيئة عبر فرز للنفايات العضوية عن بقية النفايات الجافة غير العضوية .
لقد نحت الأطفال، وكوّنوا عبر عملية التلصيق أو الكولاج مسطحات مدهشة، لأنهم أرادوا أن يعبّروا عن عالمهم المحيط بهم كأنهم وحدهم الذين يدركون أن للعمل الفني غاياته، وأن اللوحة الغائية، هي عصب وجود الفن المعاصر في الألفية الثالثة .
إن الفضل في هذه المجاميع الرائعة من النتاج الإبداعي الذي أنتجه الأطفال، يعود للهيئة المشرفة، وللثقافة التي يتمتع بها الكادر التعليمي الفرنسي واللبناني . وما دامت (الليسيه) تعني بالفرنسية روح البحث العلمي والعملي، لأنها موازية ومستمدّة من أزمنة النهضة الأوروبية والعالمية التي نقلت الانسان من حالة تفكير إلى حالة أكثر رقياً، بل أكثر تطوراً ومفهومية . فإننا تلمسنا بداية وعي طفولي بالمعنى العملي للوحة (الكونسبت آرت) أي اللوحة التي تعلن موقفها وتنتمي إلى العصر الذي تعيشه .