تبدو القمة العربية المقررة بعد أسابيع في بغداد، كما لو أنها جزء من الماضي البعيد لا من الآتي القريب . التطورات العاصفة التي تشهدها المنطقة والتي تتوالى فصولاً، تسلب هذه المناسبة حظوظ التحقق المعتاد، وتلقي عليها ظلالاً كثيفة ثم تدفع بها بعيداً خارج الأجندات الرسمية والشعبية .
كان مدار الشكوى قبل أسابيع أن العاصمة العراقية التي حل بالترتيب الأبجدي موعد احتضانها للقمة، غير مؤهلة لوجستياً وأمنياً لاستقبال هذا الحدث، فإذا التطورات اللاحقة تنبىء بأن ظروف اللقاء وطبيعة المشاركة فيه لم تعد قائمة على النحو الذي درجت عليه القمم منذ عقود، فالجامعة العربية هي التي تتولى تنظيمياً مهمة التحضير والإعداد للمناسبة، غير أن الخطوط بين الجامعة والعواصم شبه معلقة بانتظار ما تسفر عنه العواصف، ومن الواضح أن أمدها سوف يطول، وسوف تمتد تفاعلاتها إلى سنوات مقبلات، لا إلى نهاية مارس/آذار المقبل . ومصر التي ظلت تتصدر الحدث تاريخياً، تشهد ما تشهده، وترتيب وضعها الداخلي يتقدم على كل الاعتبارات .
الراجح أن من كان يعنيهم أمر القمة ويلتمس منها غطاء أو إطاراً، لم يعد يعنيهم هذا الأمر، فقد تبدلت الحسابات وانقلبت الأولويات . ومن كان يصرف النظر عن هذه المناسبة ولا يعلق عليها أية آمال لحيثيات تتعلق بالجدوى وبسواها، فإنه في هذه الظروف الفارقة يُسقطها من حسابه، إذ إن الأنظار والأذهان تتجه إلى مكان آخر، وليست الشعوب بالتأكيد هي الملومة على هذه النتيجة .
يشهد النظام العربي في هذا المنعطف تحديات من داخله غير مسبوقة . وما يزيد من حِدّتها أنها لم تكن متوقعة بهذا الحجم، وفي هذا التوقيت . لم يعد الخارج ولا ترجماته المحلية مصدر هذه التحديات، إذ إن الأوضاع الداخلية تختزن تفاعلات شديدة، وتردي الأحوال الاقتصادية الذي لا تخطئه العين المجردة، وسلب الحريات العامة وغياب المشروعات الوطنية والقومية الجامعة، واستنفاد القمع لأدواته واستشراء الفساد ومأسسته . . كل ذلك وغيره يهدد العديد من مكونات النظام العربي، بعد طول تغاضٍ عن هذه المشكلات، وفي كثير من الحالات بعد التسبب بها والإصرار على المضي بها .
لقد التأمت القمم أول ما التأمت لمواجهة تداعيات القضية الفلسطينية، وقد كشفت ستة عقود عن مدى الإخفاق في التعامل مع التحدي رغم التضحيات التي بذلت، ورغم ما أثبتته جيوش عربية وقوى مقاومة من كفاءة وبسالة في مقارعة العدو، غير أن الحصاد السياسي النهائي كان أقل من صفر، إذ إن أراضٍ عربية إضافية جرى احتلالها في عام ،1967 والسلام الذي كان مطلباً صهيونياً بات أمنية عربية وفلسطينية رسمية فيما المحتلون خرجوا بصيغة تتناسب مع أطماعهم التوسعية وقوتهم التي راكموها وهي السلام مقابل السلام لا مقابل الأرض . والقمم عاجزة عن التعامل مع هذا التحدي وتلجأ إلى حلول دبلوماسية تقليدية من قبيل تسيير موفدين منها إلى واشنطن وعواصم غربية .
لم تنجح القمم في ترجمة أي من بياناتها وتوجهاتها الإعلامية، وباتت عاجزة عن حل المشكلات البينية بين مكونات النظام العربي، وأصبح الانكفاء وتعظيم الحسابات الذاتية هو الفيصل الذي يجمع بين هذه المكونات على اختلافها .
لم يؤد ذلك فقط إلى الإخفاق الذي يلتقي عليه الجميع تقريباً، بمن في ذلك من هم داخل مؤسسة القمة والجامعة، ولكنه أدى ويؤدي إلى التفاعلات التي نشهدها منذ أسبوع في الشمال الإفريقي العربي، وهي تفاعلات مرشحة للاستمرار بوتائر ووسائل مختلفة في مقبل الأيام . وحكمة اللبيب الذي يتعظ بغيره، لا تجد من يأخذ بها إلا متأخراً أو جزئياً . فلا أحد مع الفوضى أو مع الخراب، ولكن الاستقرار الذي به يلهجون هو سكون الاختلالات، ودوام الأخطاء على حالها، وشيوع حالة من التكلس والانقطاع عن العباد، ما يدفع بالتفاعلات إلى السطح بمظاهر متوترة مختلفة . ودوام الحال من المحال كما قالت العرب قديماً .
العالم العربي يتغير، هذا ما يكاد يجمع عليه مراقبون محايدون وأصدقاء وخصوم . من واجب النخب السعي لأن يكون التغير بأقل آلام ممكنة، وبأدنى الأضرار وبما يحفظ أساساً النسيج الوطني للمجتمعات وبما يحافظ على الدولة ومكتسباتها، وبما يحول دون المنازعات الأهلية أو الانزلاق نحو الانقلابات المقيتة، التي باتت الخبرة البشرية ترفضها وتدينها وباتت جزءاً من أرث الماضي وليس بالقطع من خيارات المستقبل . وفي القناعة الآن أن الإصلاحات الجدية والشاملة باتت خيار حياة وشرطاً حيوياً للاستقرار، وهو الدرس الذي تنبض به بل تفيض به التطورات التي نشهدها . فالعقلية السلطوية التسلطية ترتد في نهاية المطاف على أصحابها . والاحتكار السياسي يجافي منطق الحياة وطبيعة الأشياء فحتى على مستوى أسرة صغيرة، ففي ظروف معينة ينبغي أن يتشارك الجميع في اتخاذ القرارات وتحمل الأعباء والتمتع بالمكتسبات . . خاصة حين يكون الأبناء عاقلين راشدين . والشعوب ليست أطفالاً حتى ينطلي عليها إلى ما لا نهاية الترهيب والترغيب، وحتى تثق بالديباجات الإعلامية المكررة، التي تنكرها الحياة والوقائع الحسية العيانية ومقولة ضمان الخبز والحرية معاً تظل معادلة ذهبية تزكيها الأيام وتجارب البشرية بأسرها ونحن جزء منها .