لم يبق لقب في لغة إلا وأطلق على ميسي، بل عجز البعض عن إيجاد صفة يستحقها هذا "البرغوث،" بل ذهب آخرون يقنعون الجماهير بأنه موهبة خارج حدود المعقول داخل كوننا الفسيح .
يأتي هذا الكتاب "ميسي . . قصة الفتى الذي أصبح أسطورة"، ليدخل بنا إلى أماكن ظلت مغلقة أمام محبي ميسي، متنقلاً بهم في جميع جوانب حياته ماراً بعائلته وأصدقائه ومدربيه والمقربين منه، في محاولة منه لرسم خريطة دورة الحياة التي مر بها الساحر الأرجنتيني بين مسقط رأسه روزاريو المصطبغة بمرضه وفقره وبرشلونة، حيث الملايين والشهرة والكرات الذهبية الأربع .
الكتاب من تأليف لوكا كايولي، الصحفي المشهور الذي عمل في كبرى الصحف الرياضية في إيطاليا وفي محطات تلفزيونية في لندن وفرنسا، استقر في إسبانيا منذ 8 سنوات بعد أن عاش في إيطاليا وفرنسا، وسبق أن كتب سيراً ذاتية للعديد من نجوم كرة القدم العالمية مثل رونالدينيو، زيدان، كريستيانو رونالدو وفيرناندو توريس .
ريكساش: عندما رأيت ميسي طلبت التوقيع معه على الفور
في الفصل الثامن يلتقي الكاتب بالصحفي ماريانو برزنيكي من صحيفة "لا كابيتال" التي تصدر في مدينة روزاريو الأرجنتينية مسقط رأس ليونيل ميسي، يتحدث هذا الصحفي عما يمثله ميسي داخل بلدته التي ولد وعاش فيها طفولته ويعود إليها بين الحين والآخر لتمضية عطلاته .
يكشف ماريانو أن ميسي لم يكن معروفاً في هذه البلدة إلى أن لمع نجمه في سماء نادي برشلونة، التقى الصحفي بميسي في إحدى المرات عام 2000 في مكان عام ولم يكن أحد يعلم أن هذا الشاب الصغير هو ميسي ووجده بسيطاً ولكن حالماً تلج قدماه المستطيل الأخضر يتحول إلى شخص آخر مختلف تماماً ويكفي أن تجلس وتستمتع بأدائه .
ويشير الصحفي ماريانو إلى أن ظاهرة "ميسيمانيا" ظهرت بعد بطولة العام للشباب تحت 20 عاماً في عام 2005 إذ بدأت جميع وسائل الإعلام في العالم وعلى اختلاف أنواعها تتقرب من هذا الفتى القصير الماكر لإجراء مقابلة معه .
ببساطة، كما يقول ماريانو، كانت الأرجنتين تنتظر شخصاً يرفع اسمها ولكن ميسي بزغ على حين غرة من حيث لم يتوقعوا، وفي نهاية لقاء الكاتب مع الصحفي يرفض الأخير مقارنة ميسي بمارادونا مؤكداً أن ميسي هو ميسي فقط، وهي الإجابة التي تجدها على كل لسان في الأرجنتين .
بيئة جديدة
كيف لفتى عمره 13 عاماً فقط ترك مدرسته وأصدقائه وعائلته وبيئته التي تربى فيها وذكرياته والانتقال إلى مدينة أخرى وحياة مختلفة تماماً؟ علاوة على ذلك كيف لهذا العود الطري تعلم ثقافة جديدة وحتى لغة مجهولة؟ هذا ما فعله ميسي في 16 سبتمبر/أيلول من عام 2000 .
يشرح لنا الكاتب في الفصل التاسع أبعاد هذا القرار الذي غيّر مجرى حياة ميسي وعائلته وبلدته والأرجنتين وفتح عيون وعقول العالم على موهبة كان يمكن أن تندثر لولا هذه الرحلة . في ذلك الوقت كان اسم ميسي بدأ يلمع قليلاً في العاصمة الأرجنتينية ضمن فئة الشباب وحاول بعض وكلاء اللاعبين تمثيله ولكن والده رأى أنه لا داعي لوجود وكيل لابنه، وهنا تدخل اثنان يمثلان شركة لبيع وشراء اللاعبين لديها فرع في مدينة روزاريو أكدوا لوالد ميسي أن لديهم علاقات واسعة في إيطاليا وإسبانيا وأن مستقبل ولده يجب أن يكون في أوروبا .
ورغم الشكوك والظنون، صدق هذان الاثنان ووصلا من خلال المعارف إلى جوزيب ماريا مينكيلا مستشار الانتقالات لرئيس نادي برشلونة، ويقول جوزيب أنه تلقى شريط فيديو عن ولد قالا عنه إنه مثل مارادونا فتصور أن عمره 18 أو 19 وتفاجأ عندما أخبروه عن عمر هذا الصغير، عرف على الفور أنه لا بد أن يكون ظاهرة ليحظى بكل هذا الاهتمام والتوصيات خاصة إن سياسة نادي برشلونة آنذاك تقضي بعدم التوقيع مع لاعبين صغار من خارج كاتالونيا فما بالك من خارج أوروبا .
اقترح نادي برشلونة أن يأتي ميسي أو "البرغوث" كما يطلق عليه إلى برشلونة للتدرب لفترة قصيرة كي يراه المدربون، في أول مباراة لعبها ميسي، لغرض التجربة، سجل خمسة أهداف، نال إعجاباً منقطع النظير ولكن قرار تعاقد برشلونة معه كان بيد كارلس ريكساش المدير التقني آنذاك الذي كان مسافراً إلى أستراليا لحضور دورة الألعاب الأولمبية في سيدني عام 2000 .
تم تمديد إقامة ميسي ووالده بانتظار المدير التقني وفي يوم وصوله نظم النادي مباراة بين فريق بعمر 14 و15 عاماً وفريق المستجدين حيث لعب ميسي لمشاهدة كيف سيلعب مع الأكبر منه سناً .
يتذكر ريكساش ذلك اليوم فيقول: "وصلت إلى الملعب متأخراً خمس دقائق وكانت المباراة قد بدأت بالفعل، اضطررت إلى أخذ نصف دورة حول الملعب للوصول إلى مصطبة المدرب واستغرق الأمر سبع إلى ثماني دقائق ولحظة وصولي طلبت من المدرب أن نوقع مع ميسي على الفور، ماذا رأيت؟ يقول ريكساش "رأيت طفلاً صغيراً جداً ولكنه مختلف، لديه ثقة عجيبة بنفسه، رشيق، سريع، مصقول التقنيات، بمقدوره الركض بالكرة حتى وهو متعب وقادر على تخطي أي لاعب يقف في طريقه" .
عقد الشهرة
وقع ميسي ووالده العقد مع نادي برشلونة وعادا إلى (بوينس آيريس) لترتيب أمور العائلة والعودة لاحقاً لبرشلونة مع الوعد بأنهم سيجدون جميع تفاصيل العقد منتهية، ولكن، لم تكن تفاصيل العقد قد انتهت بعد، بل ظهرت عقبات . يروي ريكساش ما حصل: "أولاً كان ميسي أجنبياً والقانون لا يسمح لأي طفل أجنبي باللعب في أي دوري محلي، وثانياً أنه طفل وربما لن يصبح لاعباً برشلونياً إما بسبب رغبته أو إصابته أو عمره، والأمر الثالث يتعلق بعائلته، فما الذي سيفعله والداه؟ علينا إيجاد عمل لهما إذا انتقلوا إلى إسبانيا، وأخيراً، كان الصبي يعاني مشكلة نمو وبحاجة للعلاج" .
اندلع الخلاف داخل نادي برشلونة بين ريكساش الذي دافع عن التعاقد مع طفل عمره 13 عاماً فقط ومعه جميع هذه المشكلات وشريحة واسعة ترى أن في الأمر مجازفة لا تستحق خوضها، طال الأمر وحان شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 2000 من دون قرار نهائي فاجتمع كاجيولي، الذي كان يمثل ميسي آنذاك بريكساش وقال له بكل صراحة: "كارلس لقد طال الموضوع إما أن يلعب أو سيذهب الولد إلى مكان آخر،أنا لا أتحايل عليك، لقد دخلنا في محادثات مع ريال مدريد" . ورغم وعود ريكساش إلا أن كاجيولي أراد شيئاً مكتوباً، لانعدام الثقة، فأخذ ريكساش منديل الطاولة أمامه وكتب عليه تعهداً بأن يوقع برشلونة مع ميسي بالشروط التي تم التفاهم عليها سلفاً ثم وقعها وسلمها لكاجيولي . وبعد حل جميع المشكلات، توصل الجميع في 8 يناير/كانون الأول عام 2001 إلى اتفاق نهائي يتعهد بموجبه نادي برشلونة بتأجير بيت لعائلة ميسي ودفع تكاليف المدرسة علاوة على دفع نحو 65 ألف دولار لوالده، وفي 15 فبراير/شباط 2001 هبطت طائرة في مطار كاتالان وعلى متنها ميسي وعائلته .
بداية متعثرة
مشكلات ميسي مع الحياة في برشلونة لم تنته وتواصل مسلسل العقبات أمامه رغم حصوله على ترخيص رسمي في 6 مارس/آذار عام 2001 من اتحاد كاتالونيا لكرة القدم .
هذا ما يتحدث عنه الفصل ال 11 من الكتاب حيث يسرد الكاتب تفاصيل الصعوبات والبداية المتعثرة لميسي في نادي برشلونة، أسباب هذه المشكلات نلخصها بالتالي: رغم لعب ميسي أول مباراة له في اليوم التالي مباشرة لحصوله على الترخيص وارتدائه قميصاً يحمل رقم 9 بألوان "البلوغرانا" ظل لاعباً أجنبياً وبالتالي لا يحق له المشاركة في المنافسات الوطنية بل فقط المحلية داخل إقليم كاتالونيا . رفض نادي أولد بويز التخلي عن ميسي فأقدم نادي برشلونة على إدراجه في قوائم الاتحاد الإسباني لكرة القدم، وحانت بعدها لعنة أول إصابات تلحق بميسي حيث تسبب تدخل عنيف عليه بكسر ساقه اليسرى ووضعت في الجبس، وبعد أسبوع فقط من شفائه تعرض لإصابة أخرى حيث أصيب بالتواء في كاحله، والخبر الوحيد المفرح له في تلك الفترة هي أنه كان بمقدوره التوقف عن الخضوع لعلاج هرمونات النمو تدريجياً مع نظام غذائي جيد وبرنامج تمارين خاص به .
وكان ميسي حينها قد انضم إلى مدرسة قريبة من النادي (مدرسة خوان ال 22 الحكومية)، ولن ينهي لاحقاً المرحلة الرابعة من الثانوية بسبب كرة القدم وأسباب أخرى، ورغم عدم اهتمامه الكبير بالعلم إلا أن معلميه كانوا راضين عنه لأنه جدي ومؤدب وهادئ .
إلى نصفين
كانت تلك الفترة عصيبة على عائلة ميسي حيث لم تعد أخته الصغيرة ماريا سول تحتمل العيش في برشلونة بعيداً عن مدينة روزاريو فقررت العائلة الاجتماع واتخاذ القرار، جاء القرار صعباً للغاية حيث انقسمت العائلة إلى نصفين، الأم والأولاد في روزاريو والأب مع ميسي في برشلونة .
رأي مضاد:
على ميسي إحراز كأس العالم كي يتجاوز مارادونا
أراد الكاتب في الفصل العاشر أن يبرهن للقارئ على مدى موضوعيته في تناول سيرة حياة ميسي وأن الكتاب ليس مجرد دعاية أو تمجيد للساحر الأرجنتيني فأجرى حواراً مع فرناندو نيمبرو المعلق في قناة فوكس، ينتقد هذا المعلق بعض الصفات في ميسي رغم اعترافه في البداية بمدى مهارته إذ ينبغي على ميسي أن يشارك الآخرين الكرة ويمررها لهم بسرعة لأنه في بعض الأحيان يعطي انطباعاً برغبته بالاستحواذ على الكرة لنفسه وهناك أيضاً انشغاله بالتسويق وعدم التفكير في أن عدم لعب المباراة بشكل جيد يعني عدم بيع ساعات أو مشروبات غازية أو أي شيء آخر، كما أنه يجد المقارنة بين ميسي ومارادونا أو بيليه ظالمة وغير صحيحة لأن اللاعبين اليوم أمامهم عقبات أكثر مما كانت عليه الحال قبل 20 عاماً ويؤكد فرناندو في النهاية أن على ميسي الفوز بكأس العالم كي يتجاوز مارادونا .