الباجي قايد السبسي

04:17 صباحا
قراءة دقيقتين
د. حسن مدن

في سيرة الباجي قايد السبسي عناوين لمراحل سياسية مختلفة من تاريخ تونس الدولة الوطنية المستقلة، وليس للمرحلة الأخيرة فقط التي انتخب فيها رئيساً للجهورية، بل إن مطالعة هذه السيرة تمكننا من التعرف إلى المحطات التي عبرتها تونس منذ استقلالها، حتى اللحظة الراهنة.
يعرّف السبسي حين يذكر اسمه بأنه رفيق درب الحبيب بورقيبة، فالراحل المولود في العام 1926 في العاصمة التونسية، والذي عمل محامياً، لازم بورقيبة طويلاً، وتولى في عهده مناصب وزارية عدة، بينها وزير الخارجية، والداخلية، والدفاع، وقبل ذلك كان عُيّن، إثر استقلال تونس عام 1956، مستشاراً لبورقيبة، ثم مديراً عاماً لأمن الدولة.
ورغم أنه كان من الشخصيات البارزة في الحزب الدستوري، الذي حكم تونس حتى نهاية عهد زين العابدين بن علي، إلا أننا نقرأ في سيرته أنه انسحب من الحزب العام 1971 للمطالبة بإصلاحات سياسية، وانضّم بعد سنوات إلى حركة الديمقراطيين الاشتراكيين الليبرالية المعارضة التي شكّلها منشقون عن الحزب الحاكم، لكنه سرعان ما عاد إلى الحكومة كوزير للخارجية في حكومة محمد مزالي الذي سعى للانفتاح السياسي.
وفي محطة حاسمة من تاريخ تونس بعد الثورة التي أطاحت بالرئيس بن علي، وعلى إثرها، صعدت حركة النهضة، الجناح التونسي لتنظيم «الإخوان المسلمين»، لصدارة المشهد السياسي، وجاءت برئيس للجمهورية موالٍ لها، هو المنصف المرزوقي، وما تبع ذلك من انقسام سياسي حاد في المجتمع، وخشية من أن ترتد تونسها عن منجزها التنويري الذي أسسّ له بورقيبة، قاد السبسي حزب نداء تونس، وفاز برئاسة الجمهورية في ديسمبر/ كانون الأول عام 2014.
حينها قيل إن مجيء السبسي إلى رئاسة الجمهورية يعني عودة رموز النظام السابق إلى السلطة. لم يخل الأمر تماماً من أوجه صحة، ولكن السبسي بحنكته السياسية نجح في تحقيق توافق وطني حول شخصه، ودوره، هو نفسه التوافق الذي مكّن تونس من الخروج من عنق الزجاجة يومها، وتجنبيها مخاطر المآلات التي انتهت إليها بلدان عربية أخرى اجتاحتها موجات ما وصف ب«الربيع العربي».
وتشاء الأقدار أن أحد مؤسسي الجمهورية التونسية ورئيسها المنتخب، يرحل عن الدنيا في يوم احتفال شعبها بعيد الجمهورية، وقبيل شهور قليلة من الاستحقاق الانتخابي القادم. ومرة أخرى أظهرت تونس قوة تقاليدها السياسية، فلم يقفز جنرال إلى السلطة بعد غياب الرئيس، ويفرض حالة الطوارئ، إنما احتكمت إلى ما ينص عليه الدستور في حال شغور مقعد الرئاسة.
أملنا قوي في أن تونس ستجتاز اختبارها القادم بنجاح.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"