اكتب بدمك.. الدم عقل

00:04 صباحا
قراءة دقيقتين

صعبة جداً تعاليم (زرادشت) على الكثير من الكتّاب في أرض البشر التي حوّلها الفلاسفة إلى أيقونة ضخمة تدور حولها الشمس، فهو كما يقول: «من بين كل ما هو مكتوب لا أحب غير ذلك الذي يكتبه امرؤ بدمه، اكتب بالدم، وستكتشف أن الدم عقل، ومن ذا الذي يكتب بالدم إذا كان المئات وربما الآلاف من الكتّاب اليوم لا يعرفون الكتابة بالحبر، فما بالك بهذا السائل الأحمر الذي لا تحصل عليه في حالة زرادشت إلاّ بالجرح، ولكننا إذا استخدمنا المجاز في هذه الحالة، فهناك الكثيرون، فعلاً، ممن كتبوا بدمهم.
الحلاّج كتب بدمه، وكتب أبوحيان التوحيدي بدمه أيضاً، رامبو، بودلير، نيرودا، علي فودة، حسب الشيخ جعفر، لوركا، أمل دنقل، عبداللطيف اللعبي، ناظم حكمت، ممدوح عدوان، محمد الماغوط، محمد القيسي، عبداللطيف عقل، فروخ فرخ زاد، وغيرهم المئات، ممن هم من هذه القماشة الروحية والفكرية والإنسانية كتبوا بدمهم و«الدم يتكلم» هو عنوان الرواية الوحيدة للشاعر التركي ناظم حكمت، أما «هكذا تكلّم زرادشت»، فلم يكتبه «فريدريش نيتشه» إلاّ بالدم، والكتابة بهذه الروح الاستشهادية وربما (الانتحارية) هي بالضبط كتابة الروح، وكتابة العقل، والقلب، كتابة العصب واللحم والعظم، كما هي كتابة العاطفة والوجدان، كتابة الفكر كما هي كتابة الفلسفة، يغرق فيها الإنسان تماماً، ومع ذلك، دائماً هناك، قشة نجاة.
النجاة في الشعر الذي يجري في دم نيتشه: يقول: «سياج على حافة نهر أنا: ليمسك بي من استطاع أن يلمسني، لكنني، لست عكازاً تتوكؤون عليه»، والنجاة أيضاً في الحكمة: «لقد سرق الإنسان من الحيوانات كل فضائلها: وذلك هو ما يجعل الإنسان أكثر الحيوانات معاناة.. الطيور وحدها هي التي لا تزال تفوقه، وإذا ما تعلم الإنسان الطيران أيضاً، فالويل إلى أي أعالٍ ستحلّق رغبته المفترسة».
النجاة أيضاً في الذوق، وفي فلسفة الإغريق القدامى، كما جاء في أحد هوامش كتاب (هكذا تكلم زرادشت) فإن مصطلح (صوفيا) الذي يعني الحكمة ينحدر سلالياً من عبارة (أتذوّق)، و(المتذوّق) هو الرجل ذو الذوق المرهف أو الرفيع، ويقول نيتشه: «الذوق»: إنه الوزن والميزان والوازن في الآن نفسه، وفي مكان آخر يقول: «لكم ضحكت من الضعفاء، يظنون أنفسهم خيّرين، لأن أكفَّهم واهنة، مشلولة».
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"