عادي
جماليات إماراتية

علي الحمادي... الحرف أفق السكينة

13:47 مساء
قراءة 3 دقائق
الخطاط علي الحمادي

يعد الخط العربي واحداً من أسمى المنجزات البصرية التي أبدعها الإنسان، لما ينطوي عليه من ثراء تشكيلي وحس جمالي رفيع، فحروفه تمتلك قابلية استثنائية للتشكل والامتداد والانسجام، بما يفتح أمامها آفاقاً واسعة للتنوع الفني، ويمنحها قدرة على تجاوز وظيفة الكتابة إلى التعبير عن أبعاد روحية وإنسانية عميقة.

في هذه اللوحة الخطية التي بين أيدينا، والتي أنجزها علي الحمادي، بالخط الكوفي الفاطمي وكتب فيها الآية الكريمة {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} الذاريات: 22، محولاً النص القرآني في اللوحة إلى تجربة بصرية وروحية متكاملة، تتجاور فيها دلالة المعنى مع جمال التشكيل، وتلتقي فيها هيبة الكلمة المقدسة مع حساسية البناء الفني، في مشهد تأملي يفتح أمام المتلقي أفقاً من السكينة والاتساع والرهبة الهادئة.

*رؤية

منذ النظرة الأولى، يلمح المتلقي أن اللوحة تقوم على رؤية تشكيلية واعية، تحسن استثمار إمكانات الخط العربي في التعبير عن المعنى عبر التكوين نفسه، فالبنية العامة للعمل ترتفع في هيئة أقرب إلى القوس أو القبة، بما يشي بحضور السماء بوصفها محور الآية، ويجعل الشكل البصري امتداداً رمزياً للفكرة القرآنية ذاتها، وهكذا يكون الخط جزءاً من المعنى، ومكوناً من مكوناته الأساسية.

بنى الحمادي لوحته على حس هندسي واضح، إذ تتوزع الحروف داخل إطار مركزي منضبط، يوازن بين الاستقامة والانحناء، وبين الكتلة والفراغ، في توليفة تمنح العين شعوراً بالتماسك والاتزان، في بناء حروفي يحفظ النص داخل حدود زخرفية، ويمنحه هيئة معمارية، وكأن الكلمات قد صيغت لتشبه محراباً بصرياً أو نافذة مفتوحة على المعنى، وهو ما يعمق الصلة بين الخط العربي والروح الجمالية للفن الإسلامي.

وتكتسب الأجزاء العليا من التكوين أهمية خاصة، حيث تتوج اللوحة بنقطة هلالية خفيفة، تضع المشهد كله في سياق بصري يعلو فيه الإيحاء الروحي، فالهلال في المخيال العربي الإسلامي إشارة رمزية إلى العلو والاكتمال والنور، بما يتناغم مع موضوع الآية التي تشير إلى الرزق وما وعد الله به عباده من فضل وعطاء، ومن هذا المنظور، يصبح العلو في اللوحة مجالاً دلالياً يفتح النص على الامتداد السماوي.

*حيوية

نفذت الحروف بروح توازن بين الشدة والليونة، وبين البناء الكوفي المهيمن وبعض الملامح الأكثر انسياباً التي تخفف من حدة الزوايا وتمنح النص مسحة من الحيوية الداخلية، هذا التداخل بين الصلابة والمرونة يخلق إيقاعاً بصرياً غنياً، ويؤكد أن الخطاط يتعامل مع الحرف بوصفه مكوناً تشكلياً قادراً على التحول والتفاعل داخل المساحة الخاصة باللوحة، ومن هنا، تتولد فيها حركة هادئة تعتمد على انتظام البناء الحروفي وتدرج الانكشاف للمعنى.

ويلاحظ المتأمل لهذه اللوحة أيضاً، القدرة الإبداعية للحمادي في توزيع العناصر الزخرفية والتي تميز الخط الكوفي الفاطمي، وكأن الفنان أراد أن يضفي على اللوحة بعداً تراثياً جميلاً، إذ تستحضر تلك الامتدادات النباتية والتشكيلات الزخرفية الزرقاء الصغيرة والتي هي بطبيعة الحال لغة زخرفية مألوفة في الفن الإسلامي.

ويبدو أن اللون الأزرق في هذا السياق له وظيفة رمزية وبصرية معاً، لأنه يفتح المجال على إيحاءات الصفاء والعلو والامتداد السماوي، ويمنح اللوحة طبقة إضافية من الهدوء البصري، كما أن اللون الأسود في الكتلة الرئيسية للحروف يمنح النص ثقله وهيبته، ويجعله أكثر وضوحاً في مقابل الخلفية الفاتحة ذات الطابع الرملي، وهو اختيار يحقق نوعاً من التوهج الهادئ، أما اللمسات النقطية الحمراء الصغيرة، فتؤدي دوراً في كسر الرتابة اللونية، وتعمل بمثابة تنبيهات داخل النسيج البصري، لتمنح العين وقفات قصيرة وتعيد تنظيم مسار القراءة البصرية.

*إضاءة

بدأ شغف علي الحمادي بالخط منذ سنوات مبكرة، وتطورت تجربته مع السنوات إلى التخصص والإنجاز الفني، قدم الحمادي أعمالاً خطية وفنية تجمع بين الدقة الهندسية والبعد الجمالي في تكوينات خطية متعددة، شارك في العديد من المعارض الفنية والورش التدريبية المتخصصة في فن الخط العربي.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"